تحليل نفسية الانسان علميا

1- بوصلة الايمان

المؤمن كالبوصلة اتجاهه دائما نحو الايمان كاتجاه البوصلة نحو الشمال.. فمغنطيس المؤمن الذي يجذبه دوما هو الاسلام.. وقد يهتز ايمان الانسان امام حدث معين كما تهتز ابرة البوصلة عندما تحركها بقوة ولكن يبقى الاتجاه المستقر عنده واحد حينما تضمحل هذه الهزة العنيفة.. فهو يذنب ويتوب في كل يوم واخطاءه ليست اخطاء منهجية يجاهر بها او يصر عليها.. هذا ما يميز المؤمن العاصي عن المسلم الضال او المسلم بالاسم الذي يولد بهوية مسلمة ولكن منهجه بعيد كل البعد عن الاسلام فالمسلم العلماني او الشيوعي او القومي يجعل من هذه العقائد نبراسه الاساسي في الحياة ويستنير بنورها او على الاصح بظلامها.. فكأن  هذه العقائد الوضعية هي مغنطيس اصطناعي يشتت بوصلة النفس الانسانية عن المغنطيس الكوني الذي خلقه الله لتهتدي به سفن النفس الحائرة في امواج العقائد المتلاطمة..

2- هل الانسان مسير  ام مخير؟

الانسان مسير ام مخير؟ للقضية وجهان: وجه فلسفي يتجلى بتحليل الموضوع من الناحية العقلية المجردة  ووجه علمي يتجلى بتحليل الموضوع من حيث التطبيق العملي..

من الناحية الفلسفية:

 الله يعلم ازلا مصير كل انسان وخياراته من جهة ومن جهة اخرى فالانسان محاسب على افعاله ولم يكن يحاسب عليها لو لم يكن مختارا اما كيفية التوفيق بين الفكرتين فلا تهم الانسان العامي ولا تؤثر على مجرى حياته.. فهذه المفارقة او ما يسمى بالتناقض الظاهري هي واحدة من كثير من المفارقات التي يصعب حلها نظرا لتعلقها بامور غيبية فوق قدرة الانسان على الاستيعاب ..

من الناحية العلمية

تخضع النفس الانسانية بخياراتها وقراراتها لميزان دقيق محدد مسبق.. وما حرية الخيار المطلق الا وهم فالانسان –كما بينا- كائن يخضع لقوانين الفيزياء التي تحكمها موازين دقيقة.. طبعا لا ننفي بالمطلق حرية الخيار والا انتفى التكليف ولكن ننفي عنه الحرية المطلقة امام كل حدث.. فالانسان حينما يلج طريقا ما او يغرق في بحر معي يسلب عمليا حرية الخيار ويدخل ضمن المنظومة الاجتماعية التي يعيش بها بحيث لا ينفك عنها الا لدى حصول هزة قوية تخرجه من هذا المحيط.

 وللتوضيح نعطي الامثلة التالية:

- اذا كانت نسبة ايمان شخص ما في مستوى معين فلا تستطيع ان تطلب منه ان يمتنع عن عمل فوق مستوى ايمانه.. عليك اولا ان ترفع ايمانه لهذا المستوى حتى يستطيع ان يتغلب على شهوة الامر المحظور. وهذا موضوع شرحناه باستفاضة فيما مضى.

- صعب جدا على شخص غير مسلم يعيش في مجتمع غير اسلامي ان يقتنع بالاسلام عقليا رغم وضوح الاسلام ذلك لان حرية الخيار وصدقية التفكير قد انتفت عنه ولا يستطيع ان يستعيدها قبل ان يخرج من مجمتمعه الموبوء.. على الاقل شعوريا ان لم يستطع ان يخرج ماديا.

3- كيفية تحقيق التغيير؟

لا يتحقق التغيير بالتنظير والكلام بل بجملة امور نعرض بعضها ها هنا:

- الصرفة بدلا من قوة الارادة

وفقا لما اقررنا في فقرة التسيير والتخيير نجد ان مفعول قوة الارادة ضئيل جدا لمن وضع نفسه في حقل الشبهات فهو ان صمد في المرة الاولى فلن يصمد في المرة الثانية.. وفرضا استطاع الصمود ولم يقع فغبار الفتن سيصيبه وسيعتاد على رؤية المنكر.. لذلك علينا ان نسأل الله ان يصرف الفتن عنا فالانسان يظل بخير مادام بعيدا عنها، إذا بدت إليه هرب منها، وإذا رآها مقبلة عليه من بعيد أغلق على نفسه أبوابها حتى لا تجد إليه سبيلا فمن رعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ومن تساهل في الشبهات وقع في الحرام ولا بد. وقد ضرب الله لنا مثلا على لسان رسوله كما في الحديث الصحيح عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم".

إن الشيطان لا يترك أهل الاستقامة على استقامتهم بل يحاول معهم ولا ييأس منهم أبدا، ولو كان له أن ييأس من أحد لكان آدم عليه السلام نبي الله وأول خلقه وهو في جنة الخلد أولى بذلك، ولكن هيهات. وطرق الشيطان متشعبة ووسائله لا نهاية لها، ولا يزال يحيك للناس ويزين لهم أنواع الفتن ويفتح عليهم مصاريعها بخبرة وإصرار وصبر وطول نفس، وعلمه بالنفس ومحبوباتها وخبايا زواياها وما يستهويها يجعله يدخل إليها من كل باب، فإذا انسد أمامه باب دخل من غيره. إن الشيطان لا يقول للعبد قم فارتكب الفاحشة، وإنما يستدرجه بالنظرة تلو النظرة، حتى إذا هاجت النفس سعت وخططت وتآمرت للحصول على مرادها، ولو غض البصر في البداية لسلم الدين في النهاية.

- ادمان الامور الايجابية

مصطلح ادمان هو مفهوم سلبي في العادة وكذلك مفهوم العدوى.. ولكن بما ان هذه الظواهر هي من صميم نفسية الانسان فلم لا نستثمرها؟ اغلب الناس يدمنون على ما اعتادوا عليه واحبوه فمنهم من يدمن على اشياء خطيرة كالمخدرات ومنهم من يدمن على امور اقل خطرا كالحاسوب او التلفاز.. صعب ان تجد في عصرنا هذا انسانا متوازنا قادر ان يعطي كل ذي حق حقه وان يقسم وقته بطريقة تتناسب مع اهمية كل موضوع يعمل عليه.. فإذا كان هذا هو الحال فلم لا نحبب الامور الصالحة الى انفسنا؟؟ لم لا نتعلق بتجويد القرآن والكتابة النافعة ورسم الزخرفة الاسلامية.. من قال ان الامور الصالحة ليس فيها لذة ومتعة.. فلنسأل اي ناشط في عمل اسلامي تطوعي وسنجد انه متعلق كثيرا بما يفعل.. والشيطان هو الذي يزين الاعمال السيئة في النفوس ويصورها بشكل اجمل من الامور الحلال..

وما قلناه عن الادمان نقوله عن العدوى.. فبدلا من ان ننقل عن الآخرين عاداتهم السيئة فللنقل العادات الايجابية.. بدلا من ان نلاحق الموضة وعروض الازياء فلنتقبس عن الآخرين العادات النافعة في الدنيا والآخرة مصداقا للحديث الذي يقول: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.

- توجيه الخصائص الفطرية لخدمة الإسلام:

فالإسلام لا يهدف إلى إلغاء الخصائص الفطرية الموجودة عند الناس ، بل يعمل على توجيهها توجيها صحيحا والاستفادة منها فالإسلام لم يأت ليحطم شخصيات الرجال، ويقضي عليها ويجعل الناس كلهم عبارة عن نسخة واحدة أو قالب مصبوب. لقد جاء الإسلام لينقل كل فرد من وضعه الذي يعيش فيه وخصائصه التي يتميز بها ليكون مسلما متسما بخصائص معينة يوجه هذه الخصائص لخدمة الإسلام، لم يأت الإسلام ليجعل الناس كلهم علماء ولا ليجعل الناس كلهم مجاهدين-يحملون السيف في سبيل الله – ولا ليجعل الناس كلهم متعبدين- يحيوون ليلهم ويصومون نهارهم-، بل خاطب الإسلام كل فرد بما يناسبه: فالقوي في الجاهلية يبقى قويا في الإسلام، والإنسان الذي يتميز –بفطرته بخصائص عاطفية- يجد في الإسلام ما يشبع هذه العواطف فيتحول إلى متعبد إلى الله عز وجل ، والإنسان القوي الشجاع يجد في الإسلام ميدان الجهاد ومن يملك ذهنا متطلعا يجد في الإسلام الحث على طلب العلم والتفكر، ولعل في قوله صلى الله عليه وبارك وسلم: " كل ميسر لما خلق له"( أخرجه البخاري) إشارة إلى ذلك مع أن هناك قدرا لا بد من توفره في كل مسلم من التعبد والعلم والجهاد ولكن الحديث هنا عن التميز.

- تهذيب هذه الخصائص

إن هذه الخصائص تنمي ولا توأد، وتوجه لخدمة الإسلام ولكنها في الوقت ذاته تهذب ويكف عن غلوائها. فعمر الذي كان قويا شديدا في الجاهلية نجده في الإسلام وقد هذب هذه الصفة فيه إيمانا بالله واليوم الآخر والجنة والنار فصار يكثر من لوم نفسه وتقريعها وخالد أبن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، تحول تهوره في الجاهلية إلى شجاعة وإقدام في سبيل الله ونصر الإسلام وخذلان لأعداء الدين. ويقول العلماء ان لعشر سنين التي خدم فيها موسى عليه السلام حماه كانت فترة ضرورية لتهذيب عصبيته القاسية وليتعود على شظف الحياة اذ لا ننسى انه ولد في قصر فرعون.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة