تحريف التوراة والأناجيل

لإثبات عدم تحريف الأناجيل والتوراة يستشهد القسيس بما قال بطرس الرسول "عالمين هذا أولا أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة انسان بل تكلم اناس الله القديسون مسوقون من الروح القدس" (بطرس). طبعا هذا ليس برهانا لنا نحن المسلمون لأننا لا نؤمن بأن كلام بطرس مقدس (وإن كنا نعتقد بأنه كان حواريا صالحا وبالتالي نربأ به أن يقول هذا الكلام). ولكنه ليس برهانا حتى للنصارى أنفسهم، فكيف يستشهد أحد على عصمة تلاميذ المسيح بقول من أحد هؤلاء التلاميذ؟؟؟ على الأقل استشهد بكلام الله أو المسيح !!! على كل حال لن نعلق كثيرا على هذا الخطأ الرياضي (خطأ الدائرة المفرغة) لأنه لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد. كذلك يدخل القسيس في جدل ليثبت أن التوراة لم تفقد في عهد بختنصر ، ولا أريد ان أدخل في هذه المتاهات فالتاريخ كان وسيظل الشماعة التي تعلق عليها الشبهات. حتى داروين لم يستطع اقناع بعض الناس بنظريته إلا باستعمال التاريخ. لماذا نغرق في هذا الجدل؟ و هل من المعقول أن الله يطلب منا أن نرجع بساعة الزمن إلى التاريخ لنتأكد من أن عثمان لم يحرف القرآن؟ و بأن التوراة حرفت أو لم تحرف على عهد بختنصر؟ وبأن الانسان كان قردا أم لا؟ لا يطلب منك الله ذلك فالمعرفة يجب أن تكون يقينية دون استناد على الشبهات. ماذا يقول القرآن الكريم في ذلك؟ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. و بالتالي هذا هو المعيار لكشف التحريف ولا يهمنا ان نثبت متى ولماذا و كيف حصل التحريف.

مقتطفات من كتب الداعية أحمد ديدات

يعتبر السيد سكروجي من أكبر علماء البروتستانت التبشيريين وهو يقول في كتابه "هل الكتاب المقدس كلام الرب؟"

"نعم ان الكتاب المقدس من صنع البشر بالرغم من أن البعض جهلا منهم قد أنكروا ذلك". " ان هذه الكتب قد مرت من خلال أذهان البشر و كتبت بلغة البشر وبأقلامهم، كما انها تحمل صفات تتميز بأنها من أسلوب البشر"

و يقول عالم نصراني آخر "و بعكس القرآن فإننا نجد أن العهد الجديد يحتوي بعض التلخيص والتنقيح. هناك اختيار للألفاظ وتجديد وشواهد. إن كتب العهد الجديد قد جاءت من ذهن الكنيسة التي تقف وراء المؤلفين، فهذه الكتب تمثل الخبرة والتاريخ".

و يتابع السيد ديدات فيجد أن الكتاب المقدس يحتوي ثلاث أنواع من الكلام:

1-                            كلام الرب: مثل "أنا أنا الرب ولا مخلص غيري" (نبوءة اشعيا)

2-                            كلام نبي الرب: مثل "فقال له يسوع : لماذا تدعوني صالحا، إنه لا صالح إلا الله وحده"

3-                            كلام المؤرخ: "فنظر عن بعد شجرة تين ذات ورق، فدنا اليها، لعله يجد عليها شيئا فلما دنا لم يجد الا ورقا"

و المسلم يملك هذا النوع من الكلام ايضا ولكنها مفصولة في ثلاث كتب.

1-                            القرآن الكريم كلام الله الموحى إلى عبده باللفظ والمعنى.

2-                            الحديث الشريف ومعانيه موحاة ولكن الفاظه من الرسول صلى الله عليه و سلم.

3-                            السيرة النبوية العطرة وهي سرد لما وقع مع الرسول من حوادث بأيدي علماء المسلمين.

ويتابع الشيخ ديدات فيقول بأن نسخة الملك جايمس وهي من أشهر النسخ المعتمدة اليوم حتى عند الكاثوليك رغم انها في الأصل للبروتستانت نجد في مقدمتها اطراء جميلا للترجمة إلا اننا نصطدم بالجملة التالية التي كتبها مراجعو هذه النسخة من علماء النصارى: "و لكن نصوص الملك جيمس بها عيوب خطيرة جدا و ان هذه العيوب و الاخطاء عديدة و خطيرة مما يستوجب التنقيح في الترجمة الانجليزية" وكي لا نظن بأن التنقيحات طفيفة يعطينا الشيخ ديدات مثالا على ذلك من انجيل يوحنا 3: 16 حين يشير الى كلمة begotten  اي مولود قد استؤصلت من الانجيل عند تنقيحه مع ما في هذا الأمر من خطورة كون هذه الكلمة تمس العقيدة المسيحية في الصميم فالاختلاف بين "ابن الله" (وهي كلمة شائعة عند اليهود بمعنى حبيب الله) و"ابن الله المولود" شاسع جدا على المستوى العقدي وإذا جاز حذف هذه الكلمة فما الذي يضمن الا تحذف (أو تزاد) غيرها من الكلمات التي تعتبر دليلا على ألوهية المسيح. ولم يتضايق الشيخ ديدات من هذا الحذف فالله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم "لم يلد و لم يولد"

(لدى مراجعتي النسخة التي امتلكها اكتشفت بأن كلمة مولود ما زالت موجودة في الترجمة الانكليزية ولكنها محذوفة في الترجمة العربية؟؟؟)

لانه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.

For God so loved the world, that he gave his only begotten Son, that whosoever believeth in him should not perish, but have everlasting life. (KJV)

استنتاجات من كلام ديدات

إلى هنا ينتهي كلام الداعية ديدات ونستنتج منه ما يلي:

1-                            لا يوجد مثيل للقرآن الكريم عند النصارى واليهود (أو عند أي دين آخر) من حيث وجود كتاب يتكلم فيه الرب مباشرة لعباده دونما مشاركة مع احد آخر بصياغة هذا الكتاب. وبالتالي كيف نتحدث بأن الكتاب المقدس كلام الله؟؟؟

2-                            الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو عبر الادعاء بأن كل الأشخاص الذين شاركوا في كتابة الكتاب المقدس معصومين وموحى إليهم و يترتب على ذلك بأن علينا الإيمان بعصمة كل من تناوب على كتابة العهد القديم الذي كتب على مدى قرون وبعصمة و قدسية التلاميذ الذين كتبوا الأناجيل (علما بأن نسبة هذه الأناجيل إلى التلاميذ ليست مبتوتة أبدا) وأكثر من ذلك علينا أن نؤمن بعصمة المترجمين والمنقحين الذين ترجموا وعدلوا الكتاب المقدس خلال هذه القرون (مع كل نسخة للكتاب المقدس تزاد كلمات و تنقص اخرى) وعصمة كل المجامع الكنسية التي حذفت كتبا واحرقت اناجيلا واستبقت اخرى. في المقابل لا يطلب الإسلام أبدا عصمة أي شخص باستثناء الرسول صلى الله عليه و سلم الذي كتب القرآن وسجل وحفظ في الصدور والسطور خلال حياته وليس بعد وفاته بسبعين سنة.

3-                            قد يقول قائل بأن النصراني أو اليهودي لا يؤمن بعصمة الكتبة إنما بصدقهم في نقل ما سمعوه كما يؤمن المسلم برواة الحديث الشريف وهنا يطرح سؤالا: "هل توفر لليهود عبر قرون طويلة من الاضطهاد من ينقل الأحكام بصدق؟" (هذا على فرض أن اليهود كانوا صادقين في ايمانهم وهو ادعاء ينقضه القرآن والانجيل (الحالي) و التوراة (الحالية) فاليهود حتى في كتبهم الحالية قتلة الأنبياء وعبدة العجل. ونفس الأمر ينطبق على المسيحيين الذين تلقوا ضربة قوية شتتت شملهم عند صلب المسيح (كما يعتقدون هم). على كل سنترك الحجج التاريخية لموضوع مقبل ونقتصر هنا بالإشارة إلى أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي توفي رسوله بعد إقامة حكم مستقر تتأمن فيه الظروف الموضوعية لحفظ التراث الديني دون تحوير.

شواهد من الكتاب المقدس

سأقتصر على عرض الشواهد التي تؤيد النقطة الأولى من اختلاط كلام الكتبة بالكلام المنسوب إلى الله أو رسوله.

يبتدأ انجيل لوقا بالمقطع التالي: إذ كان كثيرون قد أخذوا بتاليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة رأيت أنا أيضا اذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن اكتب على التوالي إليك ايها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علّمت به

و هنا نسأل هل الله عز وجل يكتب رسالة إلى العزيز تاوفليس؟ بالطبع لا. هل عيسى المسيح عليه السلام يكتب هذه الرسالة؟ بالطبع لا ايضا. اذن من هو الكاتب؟ يقول العالم النصراني فيليبس في مقدمته لترجمة "بشارة القديس لوقا" : "قام لوقا بمقارنة و تنقيح المواد المتوفرة، و من الواضح أنه كانت لديه مصادر اضافية اخرى استقى منها هذه المعلومات" وبالتالي ليس هناك وحي الهي إنما دراسة موضوعية كالتي أقوم بها الآن.

و لنرى كيف ينتهي انجيل يوحنا: هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا.ونعلم ان شهادته حق واشياء أخر كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست اظن ان العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة آمين

و هنا نرى بوضوح أن كاتب انجيل يوحنا ليس يوحنا إنما شخص آخر يشهد بيوحنا وبأن شهادته حق. ومرة أخرى دخل كلام الكاتب إلى الانجيل ليعتبر كلاما مقدسا وموحى به هو الآخر. يحق لي أن استغرب كيف يعتبر هذا المقطعان جزءا من الكتاب المقدس. مثلا نرى على أول صفحة من القرآن الكريم "هذه النسخة طبعت على نفقة خادم الحرمين الشريفين" و لكن هل يأتي يوم تصبح فيه هذه الجملة آية من القرآن الكريم؟؟؟

على فرض ان هذه النقطة السابقة غير جوهرية باعتبارها لم تقدم أو تؤخر بمحتوى الانجيل دعونا نرى كيف يبتدأ انجيل يوحنا:

في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله.  هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه.

عبر قراءتي للأناجيل الأربعة فهذا المقطع – على رغم غموضه - هو الشاهد الوحيد منها على عقيدة التثليث (وإن وجدت اشارات أخرى غامضة عن ألوهية المسيح). والغريب أن هذه الجملة كما يبدو منسوبة إلى كاتب انجيل يوحنا (لو كان المسيح قالها لقيل "قال يسوع" قبلها كما هي العادة). وهنا استغرب كيف يضيف هذا الكاتب جملة من افكاره الخاصة إلى الانجيل بحيث تصبح آية يستشهد بها لإثبات امر عقدي؟؟؟

خلاصة لهذا المقال

على رغم مرور بعض الاشارات لذلك فأنا لم اهدف في هذا المقال الى اظهار بطلان عقيدة النصارى من الناحية العقلية، التاريخية أو حتى استنادا إلى كتبهم فهذا أمر متروك لحلقات تالية إن شاء الله بل قصدت اظهار استحالة أن يكون الكتاب المقدس بما يحتويه من ترجمة و تنقيحات و شروحات و مقدمات مضافة و تعليقات و شواهد و سيرة الانبياء كلام الله الموحى حرفيا إلى عباده (مثل القرآن) او كلام نبي يوحى اليه (مثل الحديث الشريف) و الا ففي اي خانة تصنف "في البدء كان الكلمة"؟؟؟ و هذا الامر مثبت باعتراف علماء المسيحيين انفسهم الذين يتكلمون عن وحي اجمالي او وحي بالمعنى و بالتالي هم يجبروننا على قبول عصمة آلاف الأشخاص الذين ساهموا في كتابة و تنقيح و ترجمة  الكتاب المقدس بعهديه على رغم اعترافهم بوجود اخطاء ضخمة عبر العصور لهذه المساهمات.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة