تجربتي الإيمانية

 

رغبة في مساعدة بعض الإخوة والأخوات.. سأحاول أن أعرض تجربتي الخاصة في كيفية الوصول إلى اليقين والإيمان. وطبعا أدعو كل قارىء ليشاركنا في تجربته حرصا على تعميم الفائدة .. سأطرح عدة أسئلة على نفسي وأجيب إن شاء الله..

كيف بدأ حسك الإيماني؟

كمعظم الأطفال في عمري كنت أطرح الكثير من الأسئلة عن الغيبيات : من أين جئنا؟ ولماذا السماء زرقاء؟ ولم يموت الإنسان وما معنى الموت؟ وأين يذهب بعد الموت؟  وطبيعي أن تحتوي أجوبة أهلي على مفاهيم دينية عن الله والملائكة والجن والجنة والروح.. ومن الطبيعي أيضا أن أؤمن بما قالوا لي لأنه يناسب فطرتي...

نقطة مفصلية: كيف يدخل الإيمان إلى العمق؟ لا جواب لدي..

 على اني حينما ألاحظ – وأنا في هذا العمر- ايمان أطفال هذا الجيل أراه مختلفا عن إيماني.. وطبعا لا أعمم.. لكن كثير من أطفال هذا الجيل لا يشعرون بوجود الله في حياتهم.. بل يصلون ويصومون فقط خوفا من أهلهم.. ما السر في ذلك؟ لا أعرف.. أنا لي أن أتكلم عن نفسي.. أنا في عمر السادسة كنت أؤمن بوجود الله حقا .. وأخافه حقا.. وإيماني في هذه الفترة كان وجدانيا فطريا بالطبع فكنت أصغر من أحلل بشكل منطقي سبب ايماني وأدلة وجود الله..

رب العالمين يحميني من المجهول

من المعروف أن خيال الطفل أعمق من خيال البالغين فهو يتخيل شخضيات وهمية ويتعايش معها.. وله أعداء وهميون يخاف منهم.. حتى الأطفال غير المسلمين يخافون من مخلوق وهمي اسمه "بوغي" يختبىء تحت السرير أو في الخزانة.. وأنا لم أكن مختلفا عن الأطفال فقد بدأ خوفي من الجن والمخلوقات الغيبية مبكرا في حين كان اخوتي الأكبر مني يخافون من اللص أو الفأر.. كانوا يسخرون مني وأسخر منهم.. فالأمور المادية لها حل عندي .. اللص أضربه بالسكين.. والفأر لا يمكن أن يؤذيني.. ولكن كيف أتغلب على الشيطان وهو قد يأتي في أي لحظة.. بل قد يكون معي الآن وأنا لا أراه.. حتى أمي العزيزة التي تحميني من كل خطر لا تستطيع أن تحميني منه.. الله فقط يحميني منه.. ذكر اسمه كفيل بطرده .. (قد يحزن ابليس حينما يقرأ هذا الكلام ويعرف ان وجوده كان من اول الدوافع لتقوية ايماني..). ما أردت شرحه في هذا المقطع البسيط هو حاجة الإنسان الفطرية لعاصم يعصمه من الخوف ويشعره بالأمان .. فالإنسان يشعر بضعفه ويخاف من الخطر والمجهول ووجود الله كفيل بطمأنته أن هناك من يحميه ويرعاه.

رب العالمين يوفقني إن دعوته أو أطعته..

وحينما كبرت أكثر ودخلت المدرسة.. كنت أخاف من الامتحانات كثيرا مع اني كنت الاول في صفي والحمدلله أو لعل هذا هو السبب فالأول يحرص على تفوقه دائما.. فكنت دائما أقرأ الفاتحة قبل أن أقدم الامتحان كي أوفق وأقرأ كذلك " ألم نشرح لك صدرك".. وما يهمني هنا هو أن أحد أكبر اسباب ابتعادي عن المعاصي –حتى بعد نضوجي- هو خوفي من عقوبة يبتليني بها الله.. صحيح أن الخوف من العقاب الأخروي أساسي ولكن الإنسان قد يمني نفسه بالتوبة بعد حين أما الخوف من العقوبة المباشرة في الدنيا فهي قد تكون أحيانا رادعا إضافيا وأساسيا..

التعرف على الآخر..

كان هذا في فترة طفولتي قبل أن أتعرف على وجود أديان أخرى وعقائد اخرى.. أوبالاحرى كنت أعرف بوجودهم كوني نشأت في مدرسة نصرانية ولكني كنت أعجز من أن أضع نفسي مكانهم.. كنت أنظر إليهم على انهم أغبياء.. على ضلال.. أعداء أحيانا..  فيما بعد وحينما كبرت فهمت منهم أنهم مقتنعون بدينهم وعندهم نفس الايمان مثلي.. وهذه نقطة مهمة أحب أن أشير إليها.. للأسف بعض المسلمين لا زال إلى الآن يفكر بطريقة طفولية ويظن أن كل شخص غير مسلم هو بالضرورة شخص كاذب يكذب على نفسه.. وانه يتصنع الإيمان بدينه.. هذا فهم طفولي غير صحيح أبدا.. هناك نصارى ويهود وهندوس مؤمنين بدينهم بنفس القوة التي نؤمن بها بديننا.. بل ومستعدين أن يسخروا كل حياتهم لأجله.. وأن يموتوا من أجله.. لا تهمني نسبتهم.. ولكنهم موجودين ومجرد وجودهم مخيف.. فما يدريني أني لست موهوما مثلهم..

الانتقال من الإيمان الوجداني إلى الإيمان العقلي

طبعا هنا يطرح سؤال مهم جدا ألا وهو هل مررت بفترة شك بدينك حينما لاحظت ايمان الآخرين بدينهم.. والجواب : لا أبدا والحمدلله.. كل ما في الأمر اني قررت البحث عما يميز ديني عن دينهم.. وأدرك تماما أن هذه الطريقة غير موضوعية مئة بالمئة بمعنى أني في النهاية أبحث عن أدلة تؤيد قناعة أؤمن بها سلفا ومع ذلك فهي تظل طريقة متقدمة نوعا ما.. في النهاية أنا لست مضطرا لأكذب على نفسي وعلى الناس لارضائهم أو لاثبات موضوعيتي.. ايماني بديني قوي ولم يهتز لمجرد أني رأيت غيري مؤمنا بمعتقده بنفس قوة ايماني.. من 

أراد ان يبحث عن تجارب أكثر موضوعية فعليه أن يبحث عمن ولد غير مسلما واعتنق الاسلام.. فذاك لا بد وأنه حلل بطريقة موضوعية تماما حتى يختار دينه.. (طبعا شرط أن يكون قد اعتنقه بعد دراسة وليس نتيجة تأثر عاطفي بشخص معين).. لكن ما أفعله لأعوض هذا النقص المفترض في الموضوعية عندي هو أني استمع لردود فعل غيري على ما اكتب وخاصة من الطرف الآخر أو من المسلم المتشكك فأجد أن الأول لا يجد ردا علي وأن الثاني اقتنع معي.. فيزاداد يقيني بصحة منهجي..

باختصار الفرق بين ديننا وبين أديانهم: كل أدلتهم شبهات وأدلتنا حجج منطقية

وكما سجلت استغرابي ممن يظن أن كل "غير مسلم" هو كاذب يدعي الإيمان بدينه بينما هو يتشكك فيه داخليا أسجل استغرابي بمن يشعر بالضعف أو التشكك بالإسلام لمجرد انه رأى صديقا له مقتنعا بدينه المخالف بقوة.. وكم مرة ووجهت بهذا السؤال من بعض الناس: "كل شخص يظن نفسه على صواب فلم أدعي احتكار الحق لاني مسلم؟" مساويا إيمانه بإيمانهم وكأنهم في كفة واحدة.. ولهؤلاء أقول إن أهم ملحوظة أوجهها لكم تتلخص بكون كل أسئلتنا نحو غيرنا من الأديان والعقائد هي أسئلة وجودية لا يجدون لها أجوبة مقنعة: فالملحد لا يجد جوابا مقنعا عمن خلق الكون لذا يتهرب منه.. والنصراني يعجز عن حل التناقض في اعتباره الإنسان إلها بينما لا يوجه ضد المسلم اي سؤال معجز بل كلها اسئلة من نوع الشبهات التي لا تعجب اذواقهم..

أيهما أقوى في اثبات الإيمان: العقل أم الحس؟

طبعا العقل .. فقد قال معظم الفلاسفة والمفكرين ان الحس ممكن يخدع فنحن نرى الشمس بحجم قطعة النقد وهي كبيرة جدا.. ولولا العقل ما انكشف لنا زيف الحس.. ونحن نرى أن المؤمن بدين ما لا يغيره في العادة حتى لو رأى شيئا خارقا للعادة يؤيد الدين الآخر.. فلم نسمع ان مسلما غير دينه بسبب ظهور العذراء العجائبي ولم نسمع أن نصرانيا غير دينه لأنه رأى اسم محمد صلى الله عليه وسلم منقوشا على يد طفل ما.. فالإنسان يملك تفسيرات دائما للأمور العجائبية التي يؤيد ظاهرها الدين الآخر.. فمن الممكن تفسيره على انه عمل للجن أو سحر أو خفة يد وأحيانا قد يكون استدراجا من الله عز وجل كما سيحصل على يد المسيح الدجال الذي حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من فتنته في آخر الزمان.

كيف يرقى إيماني لمرتبة اليقين؟

لا شك ان الاختلاف بين الاسلام وبين غيره من الاديان والعقائد شكل سببا اساسيا في ازدياد ايماني، إلا ان مطالعاتي لإعجاز القرآن الكريم واطلاعي على تشريعات الاسلام كان يزيد من ايماني بالإسلام شيئا فشيئا حتى أوصله إلى مرتبة اليقين والحمدلله.. ولا أعتقد أن أحدا يسخر جل وقته للكتابة في الدين بدون أجر انسان يكذب على غيره في هذا الأمر.. فلو لم أكن مقتنعا مئة بالمئة بهذا الدين فما الفائدة من تضييع وقتي في الدفاع عنه والتبحر في علومه.. وبالتالي أرجو أن يأخذ الاخوة القراء تجربتي الإيمانية على محمل الجد وأن يصدقوا أن كل كلمة قلتها في هذا المقال كلمة صادقة دون أن الزمهم طبعا بالاقتناع بها.. وهذه نبذة سريعة عن الأمور التي رفعت من ايماني العقلي بالاسلام بعد ان كنت مؤمنا بطريقة وجدانية فقط في طفولتي:

1-    الإعجاز العلمي والعددي والبياني والتشريعي في القرآن.

2-    الحكمة مما حرمه الله علينا. فكل أمر استغرب حرمته أرى الحكمة منه في حدث واقعي..

3-    تكامل التشريع الإسلامي واحاطته بكل نواحي الحياة

4-    مقدرة الإسلام على اعطاء تفسيرات منطقية لمن سبقه من الأديان واحتواءها

5-    الحجج العقلية في القرآن الكريم والتي ترد على كل شبهة طرحت أو ستطرح...

هذا ما تذكرته الآن وأظنه كافيا.. وبالنهاية مهما سقنا من حجج وأدلة وتجارب تبقى الهداية من الله ويبقى الأيمان أجل النعم التي يمن الله بها علينا.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة