تبرئة الحواريين

الاوسمة: 

 

الحواريون هم تلاميذ المسيح عليه السلام ولا نعرف عدتهم ولا اسماءهم في الإسلام يقينا  وان كنا لا نستبعد ان يكونوا نفس الاشخاص الذين يذكرهم المسيحيين (بل نرجح هذا الامر). ما نعرفه عنهم انهم كانوا مؤمنين ايمانا صحيحا " فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون". والحقيقة اني خلال قراءاتي الأولية لعقائد المسيحيين وتاريخهم كونت فكرة واضحة جدا عن الطريقة التي انحرف فيها المسيحيون عن الدين الحق ولكن الحلقة المفقودة في ترابط فكرتي هي قضية هؤلاء الحواريين. لطالما تساءلت:

1-                            "لماذا سكت الحواريون عن هذه الضلالات؟"

2-                            وكيف تنسب الاناجيل الى الحواريين وفيها هذه المخالفات الكثيرة للحق؟

اعتقاد الحواريين بالمسيح

الجواب على السؤال الأول بديهي ويتلخص في كون الحواريين غلبوا على امرهم امام المبشرين الكذبة بالدرجة اولى وفي كون التعديلات الخطيرة بدأت بعد وفاة الحواريين (او بعد قتلهم فالتاريخ يذكر ان بطرس اعدم على سبيل المثال) بالدرجة الثانية.

يقول الاستاذ عوض سمعان : اننا اذا رجعنا الى تاريخ علاقة الرسل بالمسيح (اي الحواريين) وجدنا انهم لم يجرءوا في اول الامر على الاعتراف بانه هو الله. لأنهم اي الرسل كيهود كانوا يعلمون تمام العلم ان الاعتراف ان انسانا هو الله يعتر تجديفا يستحق ارجم في الحال ولأنهم كيهود كانوا يستبعدون ان يظهر الله في هيئة انسان.

وهذا اعتراف مهم اجمع عليه المسيحيون قاطبة وهو ان الرسل كانوا يظنون بأن المسيح هو نبي طيلة حياته. وهنا يطرح سؤال مهم وهو "لماذا ترك المسيح تلاميذه تائهين في حقيقته ولم يعلمهم بنفسه العقيدة النصرانية؟" ، القرآن الكريم يحوي مئات الشواهد على وحدانية الله ("قل هو الله احد"...) وهذا امر بديهي كون المسألة فيها جنة ونار وفلا يجوز عقلا ان يترك الله هذا الامر عرضة للاجتهاد. واليوم هناك فئات كثيرة من النصارى لا تعترف بخلاص الانسان الا عبر المسيح (اي عبر تصديق الوهيته). وهذا غريب جدا، اذ لو كان الامر كذلك لوجب ان يبينه المسيح نفسه ولا يتركه للتلاميذ او لبولس او للمجامع الكنسية (وخاصة انها عقيدة لا تتناسب والفطرة). على كل دعونا نكمل ما يقوله الاستاذ عوض :"و لكن بعد ما عاشوا – يقصد رسل المسيح – زمنا طويلا وشاهدوا فيه تصرفاته واعماله في كل ناحية من نواحي الحياة – ادركوا كل الادراك انه لم يكن انسانا عاديا، ومن ثم اخذوا يفكرون في شخصيته، ويجتهدون في الكشف عن حقيقتها. فقالوا مرة "انه ملك اسرائيل" مع انه كان فقيرا كل الفقر بعيدا عن اسباب السياسة وقالوا مرة انه "المسيا" (المسيح المنتظر عند اليهود) مع انه كان موضع استهزاء رجال الدين الذين كانوا اكثر الناس معرفة بصفات المسيح. واستمروا في الشك الى ان مات ميتتة العار والشنار على الصليب فخامرهم الشك في حقيقته وظنوا انهم كانوا مخدوعين به ولكن عندما رأوه قد قام من الاموات تبددت شكوكهم وتحولت الى يقين ولذلك صاح اكثرهم ريبة وشكا "ربي و الهي" عند رؤيته فصادق المسيح على كلامه".

كما قدمنا فإن اكثر المسيحيين تعصبا يعترفون بأن المسيح لم يبشر بالوهيته طيلة حياته ولكن كما رأينا في المقطع السابق فإن بعض المسيحيين يظن بأنه كشف هذا السر بعد القيامة لتلاميذ و يستدلون على هذا بجملة ملتبسة وردت في انجيل يوحنا فقط و هو انجيل مشكوك بصحته في المقام الاول (سيأتي شرح كل ادلة المسيحيين على الوهية المسيح في رسالة منفصلة ان شاء الله). واشدد على كلمة "بعض المسيحيين" لأن معظم المسيحيين الغربيين الذين حاورتهم لا يقرون بأن التلاميذ رفعوا المسيح الى مرتبة الاله بل يقولون بأن ذلك جاء في مرحلة لاحقة. وقد رأينا سابقا بأنه حتى بولس جعله في مرتبة اقل من الملائكة و لم يبشر بالوهيته (وان كان لا يستبعد بأنه المساهم الاول في الغلو بتقديس المسيح الممهد الى رفعه الى مرتبة الاله). والكلام الذي ينسب لبطرس في "اعمال الرسل" خير دليل على ان بطرس لم يقل يوما بالوهية المسيح :

 يسوع رجل: ايها الرجال الاسرائيليون اسمعوا هذه الاقوال.يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما انتم ايضا تعلمون.

يسوع نبي : فان موسى قال للآباء ان نبيا مثلي سيقيم لكم الرب الهكم من اخوتكم.له تسمعون في كل ما يكلمكم به. ويكون ان كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب. و اثناء روايته لقصة اليهود منذ ابراهيم الى موسى هذا هو موسى الذي قال لبني اسرائيل نبيا مثلي سيقيم لكم الرب الهكم من اخوتكم.له تسمعون.

واذا قرأت الكتاب المقدس من الجلدة الى الجلدة فلن تقع على كلام منسوب لبطرس يقول فيه بالوهية المسيح (او حتى بما يوهم بالوهية المسيح). و ان كنت ستقع على بعض المقاطع التي تتحدث عن صلب المسيح وقيامته.

نسبة الكتاب المقدس الى الحواريين.

سأبدأ هذا المقطع بما اختتمت به المقطع السابق. لا انكر بأن المسلم سيكتسب ثقة بالنفس عندما يعلم بان كثيرين من اللاهوتيين والعلماء النصارى يقرون بأن التلاميذ لم يدعوا الى تأليه المسيح ولكن تبقى لديه ثغرات بخصوص ما ينسب الى البعض منهم من كلامهم عن الصلب و الفداء والقيامة. المسلم لا يقر بأن المسيح صلب لأن القرآن اخبرنا بهذا ون كنا لا نعرف ان كان التلاميذ عرفوا هذا الامر ام لا؟. و ترجيحي بان المسيح اخبرهم بهذا و الله اعلم و بان ما يروى عن قيامته ليس بالحقيقة الا رؤيته حيا قبل ان يرفع الى السماء. لذلك لم اكن ميالا الى تصيدق بأن اي انجيل او رسالة منسوبة الى التلاميذ هي بالفعل من كتابتهم. و هنا تبتدأ المرحلة الثانية من بحثي : ما هي الكتب المنسوبة الى الحواريين في الكتاب المقدس و ما مدى صحتها سندها و نسبها اليهم؟

من الاناجيل نرى بأن متى ويوحنا فقط كانا من التلاميذ. (لا يهمنا لوقا و مرقس هنا)

من الرسائل نرى بأن بطرس و يعقوب كانا من التلاميذ (بولس لم يكن حواريا و بالتالي لا يهمنا تبرئته)

انجيل يوحنا:

لم اسأل شخصا (نصرانيا او محايدا) او استشر موسوعة (نصرانية او محايدة) الا و نسب هذا الكتاب الى شخص مختلف. فمنهم من قال بأن كاتبه اسمه يوحنا و لكنه ليس يوحنا ابن زبدي التلميذ بل يوحنا آخر. ومنهم من يقول بأنه كتب بناء على طلب من كنائس آسيا لتكريس اعتقاد الوهية المسيح ومنهم من قال لي بأنه كتب على يد جمعية تأثرت بافكار بولس و بالغنوصية (الحلولية). ولكن هناك شبه اجماع بأن هذا الكتاب الغارق في الفلسفة الغنوصية لم يكتب من قبل يوحنا التلميذ و بأن نسبته اليه هي من باب الترويج له. بمعنى آخر فإن النصراني لا يعترف فقط بأن يوحنا لم يكتب هذا الانجيل بل يعترف بان نسبته اليه (و هي نسبة موجودة في الانجيل نفسه "التلميذ الذي كان يسوع يحبه") هي نسبة كاذبة : هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا.ونعلم ان شهادته حق واشياء أخر كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست اظن ان العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة آمين. ومع ذلك لا يشكل هذا الاعتراف اي مشكلة بخصوص قدسيته و صحة الوحي. و هنا نتساءل: ان كان المسلم يرفض بالاساس ان يكون يوحنا موحى اليه فكيف بكاتب انجيل يوحنا المجهول، بل كيف بكاتب انجيل يوحنا المجهول الذي نسب كتابه زورا الى يوحنا؟؟؟؟؟؟

انجيل متى

لقد قرأت للشيخ ديدات بأن هذا الانجيل ليس لمتى بل منسوب اليه و هو منقول عن مصادر شفهية اسمها Q. وفي الحقيقة لم اتحرى كثيرا عن هذه ال Q الغامضة لأني لست بصدد دراسة لاهوتية او تاريخية. يكفيني من الموضوع ان ارى اعترافا نصرانيا بأن الانجيل ليس للحواري متى. و بعد الدراسات والتمحيص وجدت ان ما يقوله الشيخ ديدات معترف به نصرانيا في موسوعات عدة وفي مقدمات الاناجيل. و مع ذلك فاحببت ان اسمع هذا الامر مباشرة من مسيحي ملتزم وجاءتني الفرصة عندما تطوع احد النصارى ليرد على تشكيكي بشخص بولس فقال :" لا ننكر ان بولس قد تعرض لحملة انتقاد واسعة من الغربيين انفسهم و لكنه يظل افضل من اعطى تفسيرا لشخصية المسيح و يكفيك بأن كتاباته هي اقدم الوثائق النصرانية وقد تأثرت بها حتى الاناجيل". عندها رأيت الفرصة المناسبة لاجر اعترافا منه حول انجيل متى فقلت "اتريد ان تقنعني بأن متى تلميذ المسيح الذي رآه مشافهة قد تأثر ببولس الذي لم ير المسيح ولم يحفظ او يستشهد بحديث عن المسيح في كل كتاباته؟؟؟" فأجاب الرجل بثقة :"انجيل متى لم يكتبه متى". !!!!

رسائل بطرس و يعقوب

لم اتوسع كثيرا في هذه الرسائل لأنها في الاصل لا تحوي هذه الجمل المبهمة التي تحتمل تأليه المسيح كما في حالة انجيل يوحنا و لكنني اعتقد بان معظم النصارى يقرون كذلك بانها ليست لبطرس او يعقوب بل نسبت اليهما لتلقى رواجا.

خلاصة

اذا كان معظم النصارى يقرون بأن تأليه المسيح لم يكن على يد الحواريين و بان الكتب المنسوبة اليهم في الاناجيل ليست لهم، فماذا يبقى لتبرئتهم؟ يبقى ان ننفي قبولهم باقوال بولس وهذا ايضا مما يجمع عليه الكثير من المسيحيين. لا بل ان هذا موجود في نص الكتاب المقدس على لسان بولس نفسه الذي بدأ دعوته دون ملاقاتهم والذي اتهم بطرس بالرياء لأنه تشبث بالشريعة. وهذا الانقسام بين التلاميذ من جهة وبولس من جهة اخرى يتكرس في العهد الجديد نفسه الذي ينقسم الى قسمين: انجيل يوحنا (و رؤياه) ورسائل بولس من جهة والاناجيل الثلاثة وسائر الرسائل من جهة اخرى. القسم الاول يدعو الى الايمان بالمسيح للخلاص بينما القسم الثاني يدعو الى اتباع الناموس والقدوة بالمسيح للخلاص. وامام هذا التناقض كان لا بد من كتابة كتاب ما يشكل صلة وصل بين القسمين فكان كتاب "اعمال الرسل" الذي يجمع بين بولس وسائر الرسل في دعوة التبشير ويضيق الفوارق الهامة بينهما. والمراقب التاريخي يشك في حدوث هذه الدعوة المشتركة و يرجح الخلاف الضاري بين الطرفين وان كنت لا استبعد شخصيا ان يكون قد حدث بعض التبشير المشترك لأن الخطر العظيم الذي ادخله بولس لم يكن ظاهرا في ذلك العصر فهو لم يخرق الناموس من حيث اوامر الزنا والشذوذ الجنسي واحترام المرأة لزوجها و سائر تلك الامور بل ركز على قضية ثانوية و هي الختان الذي كان صعبا بالفعل على غير اليهود  لكن الخطر كل الخطر كان في المنهجية التي يفكر فيها بولس فتركيزه على قضية فداء المسيح و المبالغة في تبجيله وتعويض الايمان به عن تطبيق الشريعة هو الذي ادى فيما بعد الى تشقق المسيحية الى الشكل الذي نراه عليها اليوم، اليس عجبا ان نرى من النصارى اليوم من يحل اللواط و الزنا اعتمادا على منهجية بولس؟؟؟

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة