تأصيل الرد على الشبهات

كثيرا ما يعتريني القلق حينما اقرأ الشبهات الكثيرة ضد الاسلام والى كتب معظمها باقلام النصارى. صحيح انها لا تؤثر بي ولا تزعزع ايماني البتة نظرا لثقافتي الاسلامية الواسعة والحمدلله ولكن استطيع من منطلق ممارستي دور المستشار في حل مشاكل الناس ان اتقمص شخصية غير المسلم او شخصية ضعيف الايمان الذي لا يملك اي ثقافة عن الاسلام واستطيع ان اتوقع بالتالي آثار هذه الشبهات عليه. طبعا يوجد الكثير من المواقع الاسلامية التي تطوعت مشكورة للرد على هذه الشبهات ولكن من يملك هذا الوقت لقراءة الاف الشبهات والردود عليها؟ قلت في نفسي وانطلاقا من معرفتي الدينية بأصول الفقه والعلمية بقواعد البرمجة العليا ان الحل لا يمكن الا ان يكون عبر ارساء علم خاص يسمى اصول الرد على الشبهات. فلنحاول ان نضع في هذه الورقة اسس هذا العلم.

اولا: اثار هذه الشبهات على الناس: هل تفلح في التنصير (او تبديل الدين)؟

لا اعتقد.. انها تنفع فقط في تشكيك الناس بالاسلام وذلك للعوامل التالية:

1-    النصرانية دين لا منطقي في اساسه فلا ينفع ان تستخدم الاسلوب المنطقي في محاربة الاسلام في دين لا يقوم اساسا على المنطق بل على العواطف. ان كل ما يدعونه من شبهات منطقية ضد الاسلام لا يمكن ان يكون اكثر من نقطة في بحر امام لامنطقية التثليث او لا منطقية اخطاء الكتاب المقدس التي يعترفون بها وينسبونها الى بشرية كتبة الوحي. (وما قلناه عن النصرانية ينطبق على الالحاد الى حد ما كونه يفشل في تفسير اصل الكون بطريقة منطقية).

2-    كل الشبهات التي تذكر ضد الاسلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم (الحرب، التعدد، الطلاق، القصاص) موجودة وبصيغة اكثر قساوة في كتاب العهد القديم الذي يشكل جزءا من الوحي الالهي عند النصارى. صحيح ان بعض النصارى يعتبرون انه بمثابة الملغى تطبيقيا بقدوم السيد المسيح ولكن هذا لا يغير في الامر شيئا.. فنحن لا نهتم بمقارنة الافعال نفسها بل نرد تهمة وحشية اله الاسلام المزعومة والتي شكلت بنظر النصارى الدافع الاساسي لرفض الاسلام.. نحن نسأل اليست هذه التصرفات موجودة يا ترى في العهد القديم؟ وبالتالي هل كان اله العهد القديم وحشيا؟ اذا كان الجواب نعم وصلنا حقنا فإله العهد لقديم هو إله النصارى نفسه.   

3-    ان جل انتقاداتهم للاسلام مبنية على مقارنة تصرفات المسيح عليه السلام بتصرفات محمد صلى الله عليه وسلم علما انه كما يعلم أي قارىء بسيط بأن التجربتين مختلفتين في الظروف. وعندما ياتي أي انسان ليطبق تعاليم المسيح يجد انها مثالية فوق اللزوم وغير قابلة للتطبيق. ثم ان هناك امر آخر.. اين النبوغ في التعاليم المثالية التي نسبوها للمسيح؟؟ لم علي ان اؤمن بالمسيحية؟ فقط لان المسيح دعا الى المحبة والتسامح؟ وبم تتفوق المسيحية على البوذية؟ ولم لا اخترع انا دينا جديدا يتفوق على الاثنين في التسامح. لم لا امنع مثلا قطف الزهور لانها كائنات حية تتعذب؟؟ لم لا ادعو الى الانسلاخ عن أي شهوة او أي تعبير انساني للوصول الى السمو الروحي؟؟ وهناك امر آخر ايضا يستعصي علي فهمه في الدعوة المسيحية.. المحبة مزيفة.. يشعر القارىء فيها.. وكأنها مجرد سنارة لتعليق السمكة.. حينما تدعو الانسان الى دينك فقلبه يستشعر بما تكنه له.. انتم تكرهون المسلم وتكرهون نبيه فكيف تدعون ان قلبكم عامر بالمحبة؟؟ ان كانت قلوبكم عامرة بالمحبة حقا الم يكن عليكم ان تلتمسوا العدل في تقييم تصرفات الاسلام ونبيه؟ اما كنتم لتحكموا عليه بنفس المعايير التي تنظرون فيها الى انبياء العهد القديم او رؤسائكم السياسيين (القيصر في التعبير المسيحي) المبجلين عندكم سواء القدماء منهم ام المعاصرين.

4-    كثيرا ما تجد منتجات تتنافس على صفقة ما فيربح منتج منافس آخر يستفيد من الحرب بينهما.. ان حرب النصرانية ضد الاسلام لا تنجح الا بتحويل بعض المسلمين الى علمانيين او ملحدين ربما... ذلك ان النصرانية كما رأينا تتنقد ذاتها حينما تهاجم اسس الاسلام. كما ان تحول المسلم الى نصراني ليس سهلا اجتماعيا بخلاف تحوله الى علماني او لا ديني فهذا سيبقى من ضمن خيارته الشخصية التي يحتفظ بها لنفسه (في الاصل يمكن ان يكون هذا المسلم مسلما بالاسم فقط نتيجة غياب التربية الدينية).

ثانيا المرتكزات الاساسية لهذه الشبهات من حيث الاسلوب.

التقسيم التقليدي يقسمها الى شبهات ضد القرآن والسنة و الرسول صلى الله عليه وسلم والشريعة.. لكن انا ساقسمها حسب منهجية الاساليب لا المواضيع.

1- اسلوب التكثيف في الهجوم والشتائم

نجد مثلا في المقال الواحد عشرات الشبهات ضد الاسلام وكل شبهة منهم تحتاج الى صفحات لتفسيرها. هذه الطرق يقصد منها اغراق الخصم بالحجج لاسكاته لا الوصول الى الحق عر الحوار. اذ يستحيل ان يرد على كل هذه الشبهات في مقال صغير.. انا اعمد في حال اعتماد هذه الطريق معي الى الامساك باسخف شبهة منها لاثبات سطحية كاتب هذه الشبهات. طبعا هذا من حيث المنهجية غير منطقي في العادة فالاحرى ان تجيب على اقوى الشبهات ولكن عندما يكون أسلوب الهجوم رخيصا لا يمكن ان تستعمل المنطق معه.. وحينما يعمد الخصم الى الشتائم والاستهزاء بك فعلام تجيبه؟ نحن لا نقول نرد بالمثل.. ولكن نقول ان عليك فضح اساليبه لا مضمون كلامه الذي لا يساوي شروى نقير. اتذكر حين اندلاع ازمة سلمان رشدي ان الغرب طالبنا بالحوار واحترام الرأي الاخر.. وانا اسأل اين الحجج في سخافات سلمان رشدي؟؟ انها مجرد شتائم مجموعة ضمن دفتي كتاب.

2- اسلوب تسليط الضوء على حادثة فرعية والمبالغة

وهذه طرق مستعملة بكثرة خاصة من الغربيين وليس فقط في نطاق الشبهات ضد الدين بل في اي امر آخر حيث يركزون على نقطة فرعية من الاسلام او احيانا من تصرفات المسلمين التي لا علاقة بها في الاسلام وينطلقون منها لمهاجمة كل الدين. مثال يقيمون الدنيا على حادثة فريدة كذبح صحفي اميركي على يد متشددين اسلاميين او رجم امراة افريقية بتهمة الزنا. وقد يرجعون الى الوراء فيتهمون الرسول صلى الله عليه وسلم بالعنف لانه امر باغتيال شخص ما وينسفون من تاريخه كل المبادىء الانسانية العادلة التي نادى بها. ان تقول ان بعض تصرفات الاسلام فيها وحشية فهذا امر نناقشك به.. قد تقنعنا او نقنعك.. ولكن ان تقول ان تاريخ المسلمين ماضيا وحاضرا هو دموي برمته دونا عن سائر الشعوب والامم فهذا تجني رخيص لا يقبله أي عقل منصف. ولا يستحق ان نرد عليه.

3- اسلوب الاجتزاء خارج السياق

غالبا ما يأتي مقترنا بالاسلوب السابق اذ لا يكتفي الخصم بتسليط لضوء على جزئية معينة في الاسلام لا تعبر عن ثقافته الشاملة بل ينسى او يتناسى كل ما يرتبط بها من احداث بررت هذا الفعل. فهو مثلا ينظر الى الاعمال الانتحارية ولا يرى جرائم الاحتلال التي تسببت بها.. ينظر الى هجوم الرسول صلى الله عليه وسلم على قافلة قريش او على اليهود او على الروم وينسى ان قريش اخرجت الرسول صلى الله عليه وسلم من وطنه بعد ان اضطهدت اتباعه وان اليهود خانوا المسلمين خيانة عظمى كادت تتسبب باستئصالهم وان الروم كانوا يهددون العرب في كل مناسبة على مدى قرون.. ان سياسة الكيل بمكيالين غير مقبولة اطلاقا فهي تشعرك ان قسوة المسلمين في السيرة كانت ضد قوم مسالمين ابرياء وليس ضد عدو شرس كان هو البادىء في المعركة.

4- اسلوب يحق لنا ما لا يحق لغيرنا

رغم ان الغربي تخلى عن الدين في كثير من جوانب حياته الا انه ما زال ينظر اليه نظرة طوباوية بمعنى انه يعتبر ان الدين مقدس وراق وسام حتى لو لم يكن هو ملتزما بتعاليمه. لذا لا تستغرب ان يأتي الغربي ويقول لك : انا لست متدينا فيحق لي اذن ان اقوم بما يحلو لي.. اما انت فمتدين فعليك ان تصبر على كل ما اقوم به من افعال شنيعة بحقك. من تطبيقات ما نقول ان وثيقة المثقفين الاميركيين دعت الى حظر القتل باسم الله منتقدة بذلك العقيدة الجهادية الاسلامية ولكنها لم تحرك ساكنا لادانة القتل بأسم الشيطان (بوش كما وصفه شافيز) الذي تقوم به القوى الاستعمارية الجديدة.

5- اسلوب الالتفاف الادبي

هذه من خصائص العلمانيين العرب الذين تشبعوا بالثقافة الغربية حتى الصميم فتجد مقالاتهم دائما تبتدأ بنفس الاسلوب. يبدأون بذكر انجاز غربي تقني كاختراع كاميرا بحجم الاصبع ويقارنون هذا الانجاز بكلام شيخ مغمور افتى بشيء غريب من منظار عصرنا مثل فتوى رضاعة الكبير. ويخلصون في النهاية ان سبب التخلف هو الدين وان الحل هو بالنظام الغربي. وطبعا اذا قرأنا المقال كله فلن نفهم ما الرابط بين هذا وذاك؟ المقال بمجمله يستند على صيغ وتعابير أدبية تهزأ من الدين وتعظم الغرب ولكن لا توجد فيه أدنى حجة منطقية.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة