بين الغاية والوسيلة

1- الغاية لا تبرر الوسيلة

لم يسمح لنا الحق تعالى أن نسلك أي سبيل أو وسيلة نراها من اجل الوصول للحق.. انما الشرعية الإسلامية تعبدتنا بالغايات. فليس لنا أن نسلك إلى الغاية التي شرعها الله لنا إلا الطريق المعينة التي جعلها الله وسيلة إليها. و للحكمة و السياسة الشرعية معان معتبرة، و لكن في حدود هذه الوسائل المشروعة فقط. و الدليل عدم قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض المشركين عليه بتولي الزعامة أو الملك على أن يجمع في نفسه اتخاذ الملك و الزعامة وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد، خصوصا و إن للسلطان و الملك وازعا قويا في النفوس، و حسبك أن أرباب الدعوات والمذاهب ينتهزون فرصة الاستيلاء على الحكم كي يستعينوا بسلطانه على فرض دعوتهم و مذاهبهم على الناس. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرض سلوك هذه السياسة إلى دعوته، لأن ذلك ينافي مبادئ الدعوة نفسها. لو جاز أن يكون مثل هذا الأسلوب نوعاً من أنواع الحكمة و السياسة الرشيدة، لانمحى الفرق بين الصادق الصريح في صدقه و الكاذب الذي يخادع في كذبه، ولتلاقى الصادقون في دعوتهم مع الدجالين و المشعوذين، على طريق واحدة عريضة اسمها: الحكمة و السياسة.

2- فلسفة الدين تقوم على الشرف والصدق

 إن فلسفة هذا الدين تقوم على عماد الشرف و الصدق في كل من الوسيلة و الغاية. فكما أن الغاية لا يقومها إلا الصدق و الشرف و كلمة الحق، فكذلك الوسيلة لا ينبغي أن يخطها إلا مبدأ الصدق و الشرف وكلمة الحق. ومن هنا يحتاج أرباب الدعوة الإسلامية في معظم حالاتهم و ظروفهم إلى التضحية و الجهاد، لأن السبيل التي يسلكونها لا تسمح لهم بالتعرج كثيراً ذات اليمين و ذات الشمال. و من الخطأ أن تحسب مبدأ الحكمة في الدعوة إنما شرع من أجل تسهيل عمل الداعي أو من أجل تفادي المآسي و الأتعاب، بل السر في مشروعية الحكمة في الدعوة إنما هو سلوك أقرب الوسائل إلى عقول الناس و أفكارهم. و معنى هذا أنه إذا اختلفت الأحوال و قامت عثرات الصد و العناد دون سبيل الدعوة، فإن الحكمة حينئذ إنما هي إعداد العدة للجهاد و التضحية بالنفس و المال، إن الحكمة إنما هي أن تضع الشيْ في مكانه.

3- خطورة التعصب للفكرة اكثر من الدين نفسه

- معظم الحركات الاسلامية تنطلق من مبادىء صحيحة.. ولكنها تحمل فكرة تدافع عنها بلا هوادة.. حتى تصبح هذه الفكرة اهم لديها من مضمون الاسلام نفسه.. وهذا قد يحصل مع أي شخص لأن كثرة ممارسته واعتياده على الفكرة تجعله معلقا بها  ففي مثال الحركات الاسلامية الجهادية التي تقوم بواجب مهم جدا في عصرنا الا وهو حمل راية الجهاد كثيرا ما يحصل احيانا ان هذه الحركة تضطهد من قبل الحكام او من قبل الغرب .. فتصبح معزولة ومحاصرة وضعيفة بحيث لا تستطيع ان تؤذي النظام الحاكم نفسه او الغرب.. فتبحث بدلا عن ذلك عما يسمى الاهداف الرخوة التي تؤذي الحاكم او الغرب حتى لو كلفها هذا ان تطال اناسا ابرياء كالسواح او السفارات او الفنادق ومصافي النفط والبنى التحتية فيساوون حينها بين البلد وبين النظام فيدمرون البلد من اجل محاربة النظام الظالم او العدو المتحكم الغاشم الى درجة تجعل الشعب يتعاطف مع هؤلاء الظلمة ضد من يستبيح دماء الابرياء.. وقد يصل هؤلاء الى  نسيان مفهوم الجهاد والهدف الذي يقاتلون من اجله فيقومون بالعمليات للانتقام لمقتل قائدهم بدلا من جعل كلمة الله هي العليا..

- مثال آخر في فترة المقاطعة راجت ثقافة المنتج البديل وبالفعل فقد نجح مشروب غازي معين في اكتساب شهرة مهمة عند المسلمين وحقق تنافسا مع الماركات العالمية.. لكننا فوجئنا بصاحب الفكرة يروج له في اسرائيل ويمنح فائض ريعه لفقراء اليهود.. وبرر هذا بأنه يريد ان يرغم اسرائيل على الاعتراف بمشروب اسلامي.. وهذا عذر مرفوض.. فهذا نوع من التطبيع مع اسرائيل والاعتراف بها فانظر كيف اصيح هذا المنتج والترويج له اهم من مفهوم مقاطعة اسرائيل نفسها.. وما النفع ان قاطعنا منتجات اميركا و طبعنا العلاقات مع اسرائيل؟؟

- من هذا الباب ايضا الاستعانة بالمشركين من قبل فئات اسلامية مضطهدة في عالمنا العربي للخلاص من الحاكم الظالم وهذا امر مروفض ايضا.. لأننا لا نستعين بالكفار خاصة ان كانت مطامعهم واضحة وحربهم ضد الاسلام ما زالت في بدايتها...  اما نتخلص من الظلم بيدنا عبر انتفاضة شعبية او انقلاب او تغيير بطيء واما نصبر.. ولكن نستعين بعدو الامة فهذا امر مرفوض.. خاصة ان كان ضرره دائما كما اثبت التاريخ.. اذ نكون عندها كمن يستجير من الرمضاء بالنار..

- والمثال الاخير الذي نرفضه هو ان نقوم بمشروع نهضة اسلامي نقوم لانجاحه بالاستعانة بمن لا يمثلون المسلمين او نحذف من مشروع النهضة هذا كل ما يضايق هذه الطبقة ويؤذي مصالحها.. لأن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من اول مبادىء النهضة..

4- ملاحظة

ان الشعور بالذل الجماعي قد يدفع الفرد احيانا الى القيام باعمال يخاطر فيها بآخرته من اجل تغيير الوضع المذل الذي يعيش فيه.. كثير من علماء الدول الاسلامية علماء كبار لا نشكك في اخلاصهم.. ولكن تحت تأثير محبة امتهم ومنع اراقة الدماء فيها وحمايتها يفتون بغير الحق في امور عقائدية مهمة مثل جواز الاستعانة بالكافر او الانخراط في الجيش الكافر او الدفاع عن نظام علماني في بلد عربي .. نسأل الله الهداية لنا ولهم..

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة