بين الثبات والمرونة

ملحوظة: حذفت بعض الأشياء التي لا تتوافق مع سياسة الموقع الوسطية تعني التوازن أو التعادل بين طرفين متضادين، بحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه ويطغى على مقابله ويحيف عليه".. (انظر: خصائص الإسلام (119) - د القرضاوي)

ولقد كان من حكمة الله -تعالى- أن اختار الوسطية شعارا مميزا لهذه الأمة, التي هي آخر الأمم, فقال -جل شأنه وتبارك اسمه-: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}[سورة: البقرة, آية: ١٤٣]؛ وهذه الحقيقة أكبر من أن يقدر عليها إنسان بعقله المحدود وعلمه القاصر, فضلا عن تأثير ميوله ونزعاته الشخصية والأسرية والحزبية والإقليمية وغلبتها من حيث يشعر أو لا يشعر. ولهذا, لا يخلو منهج أو نظام, يضعه البشر, من الإفراط أو التفريط, كما دلّ على ذلك الواقع والتاريخ. .

مظاهر الوسطية في شريعة الإسلام

١- وسطية الإسلام في الاعتقاد.. فالإسلام وسط في الاعتقاد, بين الخرافيين الذين يسرفون في الاعتقاد فيصدقون بكل شيء ويؤمنون بغير برهان, وبين الماديين الذين ينكرون كل ما وراء الحس ولا يستمعون لنداء الفطرة والعقل والمعجزة؛ إذ أن الإسلام يدعو إلى الاعتقاد بالغيب, ولكن بما قام عليه الدليل القطعي والبرهان اليقين, وما عدا ذلك يرفضه ويعدّه من الأوهام. فالإسلام, إذن, وسط بين الذين يؤمنون بالعقل وحده مصدرا لمعرفة حقائق الوجود, وبين الذين لا يؤمنون إلا بالوحي والإلهام ولا يعترفون للعقل بدور في نفي أو إثبات.

٢- وسطية الإسلام في العبادات والشعائر.. حيث توسّط الإسلام, في عباداته وشعائره, بين الأديان والنحل التي ألغت جانب العبادة والتنسّك, كالبوذية التي اختصرت فروضها على الجانب الأخلاقي الإنساني وحده, وبين الأديان والنحل التي طلبت من أتباعها التفرّغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والإنتاج, كالرهبانية المسيحية؛ فالإسلام يكلّف المسلم أداء شعائر محدودة, كالصلاة في اليوم, أو كالصوم في السنة, أو الحج في العمر؛ ليظل المسلم دائما موصولا بالله غير مقطوع عن رضاه, ثم يطلقه بعد ذلك ساعيا منتجا يمشي في مناكب الأرض ويأكل من رزق الله. وتعتبر الشريعة الإسلامية الدنيا مزرعة للآخرة, وترى العمل في عمارتها عبادة لله تعالى وأداء لرسالة الإنسان, وتنكر على غلاة المتدينين تحريم الزينة والطيبات, كما تنكر على الآخرين انهماكهم في الترف والشهوات؛ قال تعالى: {... والذين كفروا يتمتّعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}[سورة: محمد, آية: 12].. وقال تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}, [سورة: آل عمران, آية: 148].

وهكذا, وازن الإسلام بين الروحية والمادية.. وبعبارة أخرى, بين الدين والدنيا.

٣- وسطية الإسلام في التشريع.. فهو وسط في التحليل والتحريم, بين اليهودية التي أسرفت في التحريم وكثرت فيها المحرمات, وبين المسيحية التي أسرفت في إباحة حتى الأشياء المنصوص على تحريمها في التوارة, مع أن الإنجيل يعلن أن المسيح ليس لينقض ناموس التوراة, بل ليكمله ويتمّمه؛ بينما الإسلام, ومع أنه قد أحلّ وحرّم,لم يحرّم إلا الخبيث الضار, كمالم يحلّ إلا الطيّب النافع. والتشريع الإسلامي, كما هو وسط في شؤونه كلها, كذلك, وسط في شؤون الأسرة.. وسط بين الذين شرّعوا التعدد بغير عدد ولا قيد, وبين الذين أنكروه ورفضوه ولو اقتضته المصلحة والضرورة والحاجة. وهو وسط بين الذين حرّموا الطلاق لأيّ سبب كان ولو استحالت الحياة الزوجية إلى جحيم لا يطاق, كالمسيحيين الكاثوليك, وبين الذين أطلقوا العنان في أمر الطلاق فلم يقيّدوه بقيد أو شرط؛ حيث شرّع الإسلام الطلاق عندما تفشل كل وسائل العلاج الأخرى ولا يجدي تحكيم ولا إصلاح. والإسلام وسط في تشريعه ونظامه الاجتماعي, بين الليبراليين الذين يدللون الفرد على حساب المجتمع بكثرة ما يعطى من حقوق وقلة ما يفرض عليه من واجبات, وبين الماركسيين الذين يضخّمون دور المجتمع بالضغط على الفرد والتقليل من حقوقه والحجر على حريته في التملك؛ حيث شرّع الإسلام للشخص حرية التملك, مع مراعاة حق المجتمع والفقراء والمحتاجين من خلال نظام الزكاة والأوقاف والصدقات.. . وبهذا كله, نعلم كيف أقام الإسلام الموازين القسط في نظامه وتشريعاته, سواء بين الفرد وربه, أو بين الفرد والفرد, أو بين الفرد والمجتمع؛ وهذه هي الوسطية.. أو إذا شئت فقل: هو التوازن الذي اختص به الإسلام.

الثبات والمرونة في الشريعة الإسلامية

إن من أجلى مظاهر التوازن والوسطية, التي يتميز بها نظام الإسلام, هي خصيصة التوازن بين الثبات والمرونة, بصورة لا تكاد توجد في شريعة سماوية ولا وضعية.

فسائر الرسالات تمثل الثبات, بل الجمود أحيانا, حتى سجل التاريخ على كثير من رجالاتها وقوفهم في وجه الحركات العلمية ورفضهم لكل جديد في ميدان الفكر أو التشريع أو التنظيم.

وبالمقابل, فالشرائع الوضعية تمثل المرونة المطلقة, ولهذا نراها في تغير دائم ولا تكاد تستقر على حال, حتى الدساتير التي هي أم القوانين فكثيرا ما تلغى بجرة قلم من حاكم متغلّب أو برلمان منتخب.

ولكن الإسلام, الذي ختم الله به الشرائع والرسالات السماوية, أودع الله فيه عنصر الثبات والخلود وعنصر المرونة والتطور معا في تناسق مبدع ورائع بحيث منح رسالته الصلاحية لكل زمان ومكان.

مواطن الثبات والمرونة في شريعة الإسلام

نستطيع أن نحدد مجال الثبات ومجال المرونة في شريعة الإسلام ورسالته الشاملة الخالدة في المجالات التالية:

الثبات على الأهداف والغايات, والمرونة في الوسائل والأساليب الثبات على الأصول والكليات, والمرونة في الفروع والجزئيات. الثبات على القيم الدينية, والمرونة في الشؤون الدنيوية.

[انظر: "الخصائص العامة للإسلام" (ص200) / د.القرضاوي[

وفي ذلك يقول العلامة ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان" [ج1 / ص346 - 949]: "الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها, لا بحسب الأزمنة ولا بحسب الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة, كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة... والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا, كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها".

اولا صور ونماذج من نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة على مبدأ الثبات والمرونة

يتمثل مبدأ الثبات في قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء}[سورة: آل عمران, آية: 28].

ويتمثل مبدأ المرونة في الاستثناء من هذا الحكم عند الضرورة, إذ قالت الآية نفسها: {إلا أن تتقوا منهم تقاة}, ويقصد إظهار الموالاة ظاهرا عند الضرورة لدفع ضرر عام أو خاص.. ومثله قوله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}[سورة: النحل, آية: 106], ويقصد به إظهار الكفر عند الإكراه مع الاعتقاد قلبا.

فهذه الاستثناءات وأمثالها في كتاب الله أعطت فسحة لمن تقهره الظروف الشخصية والاجتماعية فلا يقدر على الصمود والثبات على القاعدة الأصلية في السلوك, ولكن الخطر كل الخطر أن تتحول الاستثناءات إلى قواعد وتصبح هي الأصل في التفكير أو السلوك.

ثانيا: الثبات والمرونة في السنة المطهرة:

إذا تأملنا في السنة المطهرة قولا وفعلا وتقريرا وجدناها حافلة بشتى الأمثلة والدلائل التي يتمثل فيها الثبات والمرونة جنبا إلى جنب.. فيتمثل الثبات مثلا في رفضه صلى الله عليه وسلم التنازل عن عقيدته وشريعته مقابل العروض المالية والإغراءات رغم الاضطهاد والطرد والتعذيب, بل رفضه مبدأ المساومة والمفاوضة عن أصله على مبدأ التوحيد, حيث قطع الحق جل وعلا دابر المفاوضات بقوله: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لك دينكم ولي دين}[سورة: الكافرون[  وحسم صلى الله عليه وسلم كل المفاوضات بقوله لوفود قريش لما أن حاولت الضغط على عمه ليضغط بدوره على ابن أخيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لينثني عن دعوته مقابل عروض طائلة, فقال بلسان الثبات والصمود: "والله يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني, والقمر في يساري, على أن أترك هذا الأمر, ما تركته, حتى يظهره الله, أو أهلك دونه". وفي مقابل ذلك نجد منه صلى الله عليه وسلم مرونة واسعة في مواقف السياسة والـ"تكتيك" ومواجهة الأعداء بما يتطلبه الموقف من حركة ووعي وتقدير لكل الجوانب والملابسات دون تزمت أو تشنج أو جمود. فمثلا: نجده يوم الأحزاب يشاور بعض رؤساء الأنصار في إعطاء بعض المهاجمين مع قريش جزءا من ثمار المدينة ليردهم ويفرقهم عن حلفائهم كي يقوى على مواجهة قريش. ونجد المرونة النبوية تتجلى يوم الحديبية بأروع صورها لما أن قال صلى الله عليه وسلم: "والله لا تدعوني قريش إلى خطة يسألونني فيها صلة رحم إلا أعطيتهم إياها".. وفي قبوله صلى الله عليه وسلم أن يكتب في عقد الصلح "باسمك اللهم" بدل "بسم الله الرحمن الرحيم", وهي تسمية رفضتها قريش.. وفي قبوله صلى الله عليه وسلم أن يمحو كلمة "رسول الله" بعد اسمه الكريم على حين رفض علي بن أبي طالب أن يمحوها.. وفي قبوله من الشروط ما في ظاهره إجحاف بالمسلمين وإن كان في عاقبته الخير, كل الخير. والسر في هذه المرونة هنا والتشدد في المواقف السابقة, أن المواقف الأولى تتعلق بالتنازل عن العقيدة والمبدأ, فلم يتنازل قيد أنملة عنها؛ أما المواقف الأخرى فتتمثل بأمور جزئية وسياسات وقتية, فوقف فيها عليه الصلاة والسلام موقف المتساهل.  والحق أن المبدأين كليهما, من الثبات والمرونة, يعملان معا في سبيل استمرارية العيش والترقي والتطوير في جميع جوانب ومرافق الحياة.  فبالثبات يستعصي المجتمع المسلم على الذوبان في المجتمعات الأخرى, ولا تعصف به الأهواء والتقلبات السياسية والاجتماعية.  وبالمرونة يستطيع هذا المجتمع تكييف نفسه وعلاقاته حسب تغير الزمن وأوضاع الحياة دون أن يفقد خصائصه ومقوماته الذاتية.

الثوابت والمتغيرات في هدي الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين

إذا طالعنا هدي الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم أجمعين- وجدنا صحائف مشرقة تتضح فيها مزية الثبات والمرونة بلا غلو ولا تقصير, وذلك يعود إلى عمق فقههم ودقة فهمهم لروح التشريع.

نماذج عملية على مواقف الثوابت والمرونة في حياتهم:

1- يتمثل الثبات في موقف أبي بكر -رضي الله عنه- ممن امتنعوا عن أداء فريضة الزكاة, أو قالوا: نصلي ولا نزكي؛ فقال كلمته الخالدة: "والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة.. والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها". وتتمثل المرونة في موقفه من سيف الله خالد بن الوليد, حيث أخطأ فقتل مالك بن نويرة ومن معه في حروب الرِّدَّة, وفي حينه ألحّ عمر -رضي الله عنه- عليه في أمره, فقال له الصديق -رضي الله عنه-: "هَبْهُ يا عمر! تأوَّلَ فأخطأ, فارفع لسانك عن خالد".. ولم يكف عمر هذا الجواب, وظل يُلِحّ على أبي بكر, فلما ضاق أبو بكر ذرعا بإلحاحه, قال: "يا عمر, ما كنت لأغمد سيفا سَلَّه الله على الكافرين". وهكذا تشدد -رضي الله عنه- في حماية مبدأ من مبادئ الإسلام وأركانه, وتصلّب في قتال مانعي الزكاة, ليقطع دابر الفتنة من جذورها منذ بداية نموّها.. في حين كان ترفُّقه في خالد نظرا لما أجرى الله على يديه من انتصارات, وما كان يتوقع تحققه على يديه من معارك الغد, ولأن الأخطار كانت لا تزال تحدق بالجماعة المسلمة. ولعل السيرة النبوية تشفع لأبي بكر, لما أن عفا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن خاطب بن أبي بلعتة يوم فتح مكة, حين نقل أخبار تحرّكات الرسول -صلى الله عليه وسلم- بجيشه إلى المشركين, وهو عمل يُعدّ من أعمال الخيانة, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". فدل هذا الموقف النبوي أن السوابق تشفع لأصحابها. وهنا, فإن سِرّ تشدد أبي بكر في الموقف الأول هو أنه يتصل بفريضة أساسية لا يجوز التنازل عنها أو المساومة عليها, أما الآخر فيتّصل بموقف جزئي محتمل التأويل وكونه في ظروف غير عادية.

2- يتمثل الثبات في موقف عمر -رضي الله عنه- من جبلة بن الأسهم الأمير الغساني, حين لطم رجلا من المسلمين وأبى الرجل إلا أن يقتصّ منه, فطلبه عمر للقصاص, ففرّ الأمير متكبرا مرتدا حتى لا يقتصّ منه واحد من عامة الناس, إلا أن عمر لم يبال به رغم تشفّع بعض الناس لدى عمر في أمره ومساومته في شأنه, متعللين بأنه قد يرتد عن الإسلام, إلا أن عمر فرّط في شخص ولم يفرّط في مبدأ, لأن التفريط في مبدأ العدل والمساواة أضَرُّ من ارتداد شخص عن الإسلام مهما كان مركزه الاجتماعي.

بينما تتمثل المرونة في موقف عمر من بعض من ارتدوا عن الإسلام لظروف خاصة, فلحقوا بالمشركين, وإنكاره على أنس بقتلهم, حيث قال: "كنت اعرض عليهم الإسلام, فإن أبوا استودعهم السجن" [رواه البيهقي في السنن الكبرى].. ومعنى هذا أن عمر لم ير عقوبة القتل ملازمة للمرتدّ في كل حال, وأنها يمكن أن تؤجل أو تسقط إذا قامت الضرورة لإسقاطها أو تأجيلها. ولعل عمر قاس هذا على ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ولا تقطع الأيدي في الغزو, وذلك خشية أن تدرك السارق الحميّة فيلحق بالعدو". وتتمثل المرونة أيضا بتأخير عمر فريضة الزكاة عن أرباب الماشية في عام الجدب, تيسيرا على الناس, على أن يأخذها منهم بعد أن تتحسن ظروفهم. وتتمثل مرونته -رضي الله عنه- أيضا لما قيل له في شأن نصارى بني تغلب: إن لهم بأسا وشدة, وهم عرب يأنفون الجزية, فلا تعن عليك عدوهم بهم, وخذ منهم الجزية باسم الصدقة.. وكانوا هم طلبوا أن تؤخذ منهم الصدقة مضاعفة على ألّا تُسمّى جزية, وقد امتنع عمر عن ذلك أول الأمر, ثم وافق عليه, وقال: "هؤلاء حمقى.. رضوا بالمعنى دون الاسم!".

فهذه دلائل شتى من سيرة وخير القرون من أجياله -صلى الله عليه وسلم- يتجلى فيها الثبات والمرونة جنبا إلى جنب دون تعارض أو تصادم؛ لأنه ثبات فيما يجب أن يبقى ويدوم, ومرونة فيما ينبغي أن يتغير ويتطور.

التدرج في التنفيذ

إنّ من تيسير الإسلام على البشر أنه راعى معهم سنة التدرج فيما يشرعه لهم من الأحكام، فتجده حين فرض الصلاة والصيام والزكاة فرضها على مراحل ودرجات حتى انتهت إلى الصورة الأخيرة.   فتجد الصلاة حين فرضت فرضت ركعتين ركعتين، ثمّ أقرت في السفر على هذا العدد وزيدت في الحضر إلى أربع، أعني الظهر والعصر والعشاء. والصيام فرض أولا على التخيير، من شاء صام، ومن شاء أفطر وفدى: أي أطعم مسكينا عن كل يوم يفطره... والزكاة فرضت أولا في مكة مطلقة غير محددة ولا مقيدة بنصاب ومقادير وحول, بل تركت لضمائر المؤمنين وحاجات المجتمع والأفراد، حتى فرضت الزكاة ذات النصاب في المدينة. والمحرمات كذلك، لم يأت تحريمها دفعة واحدة، فقد علم الله تعالى مدى سلطانها على الأنفس وتغلغلها في الحياة الفردية والاجتماعية, وليس من الحكمة فطام الناس عنها بأمر مباشر يصدر لهم، إنما الحكمة إعدادهم نفسيا وذهنيا، حتى إذا جاء الأمر الحاسم كانوا سراعا إلى تنفيذه... ولعلّ أوضح مثال على ذلك: تحريم الخمر والتدرج في إلغاء نظام الرق، حيث ضيّق روافد الرق ولم يلغه دفعة واحدة، لأنه كان نظاما سائدا في العالم كله، وكان يترتب على إلغائه دفعة واحدة زلزلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.. فكانت الحكمة بتضييق روافده وتوسيع مصارفه... وهذه السنة الإلهية في رعاية التدرج ينبغي أن تتبع في العصر الحاضر الذي ترزح فيه الأمة تحت سياط الجور والظلم والطغيان في ظل غياب دولة الإسلام، فعندما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة واستئناف الحياة الإسلامية متكاملة، فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجرة بقلم أو بالفرض والإلزام والمواجهة الفاشلة للنظام، وإنما يتحقق ذلك بطريق التدرج والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية... وهذا مسلك ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ظلّ ثلاثة عشر عاما في مكة وهو ينشئ الجيل المؤمن الذي يستطيع تحمل عبء الدعوة ونشرها... ولهذا لم تكن المرحلة المكية مرحلة تشريع وتقنين, وإنما مرحلة تربية وتكوين، وهذا هو جهاد المرحلة كما سمّاه القرآن.  " ما رأيت جرما أشدّ ممّن يشتغل بالفقه بمنأى عن مقاصد الشرع ...." أجمع علماء الشرع على أنّ الشريعة الإسلامية إنّما أنزلت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد ، فهي عدل كلها ورحمة كلها وحكمة كلها ومصلحة كلها ....  وفي ذلك يقول ابن قيم الجوزية : " ...إنّ الشريعة الإسلامية مبناها وأساسها على الحكم مصالح العباد في المعاش والمعاد ... فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة الإسلامية ...( انظر إعلام الموقعين 3/ 14-15)  وهذا كلام عظيم ينبغي أن نعضّ عليه بالنواجذ ونواجه به الجامدين الذين أعمى التعصب أو الجهل بصيرتهم عن هذه النظرة الشرعية المقاصدية وراء كل حكم شرعي شرع الشارع الكريم ، ممّا حدا بهم إلى التضييق والتعسير والغلو والتشديد وعدم الواقعية والضرر البليغ بالدعوة والتشويه للإسلام وصورته ... وهذا يظهر جليا في موقفهم من قضايا المرأة والسياسة وخصوصا العلاقات الدولية والعلاقة بغير المسلمين ... فهم ما زالوا جامدين على ظواهر نصوص دون فهم لفحواها ومقصودها لشرعي : فرذّوا شهادة المرأة مطلقا...بسبب فهم عقيم لبعض النصوص الجزئية !!

نماذج عملية من فقه الصحابة رضوان الله عليهم لمقاصد الشريعة

إن المستقريء لآثار الصحابة وخصوصا الخلفاء الراشدين بتأمل وعمق ، يخرج بنتيجة واحدة قط وهي :" أنّ كلّ حكم شرعي لا بدّ أن يكون وراءه تحقيق مصلحة ضرورية أو حاجية أو تحسينية ..

فهم رضوان الله عليهم لم يهدروا مقاصد الشريعة وأهدافها في غمرة الحماسة للنصوص الجزئية ، بل ربطوا الجزئيات بالكليات والفروع بالأصول والأحكام بالمقاصد .

فهذا معاذ بن جبل الذي بعثه الرسول صلّى الله عليه وسلّم قاضيا وواليا إلى اليمن ، وأمره فيما رواه أبو داود في كتاب الزكاة حديث رقم ( 1599):" أن يأخذ الحبّ من الحبّ والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر " نجده رضي الله عنه لم يجمد على ظاهر النص ، بحيث لم يأخذ إلا الحبّ من الحبّ والبقرة من البقر... ولكنّه نظر إلى المقصد من الزكاة وهو : سدّ حاجة الفقير وتطهير الغني والمساهمة في رفع كلمة الإسلام .. لذا لم ير بأسا بأخذ قيمة العين الواجبة في الزكاة ، أي ما يساوي قيمة الحبّ مثلا من مال آخر كنقد أو ملابس وغيره ..لذا روى البخاري عنه أنّه قال لأهل اليمن : ائتوني بخميس أو لبيس ( ملابس) آخذه منكم مكان الصدقة فإنّه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة " . ومثل ذلك أيضا ما فعله أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه في ضآلة الإبل "أي الإبل الضائعة " فقد سئل الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن التقاطها فلم يأذن بذلك بل وغضب على السائل ، وهكذا ظلّت إلى عهد عثمان رضي الله عنه حيث رأى رأيا آخرآ ، فقد أمر بأن تعرّف ثمّ تباع فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها ...وذلك لما رآه من تغيّر أخلاق النّاس واتساع رقعة الدولة الإسلامية ودخول عناصر جديدة فيه واتساع العمران ممّا يساعد على إمكان إخفائها أو نقلها وبيعها في مكان آخر فرأى عثمان أنّ التعريف والبيع لحساب المالك أحفظ لأموال النّاس وأرعى لمقاصد الشرع ..وحاشاه أن يقصد مخالفة النص الناهي عن الإلتقاط، بل فهم منه أنّه فتوى في ضوء ظروف وأوضاع معيّنة ، فلمّا تغيرت تلك الظروف التي بني عليها الحكم كان من الواجب أن يتغيّر الحكم وإلا ضاعت أموال النّاس نتيجة التمسك بحرفية النصّ . والأمثلة على ذلك كثيرة فالمقام يضيق بي ذرعا بذكرها ، إلاّ أنّ مفادها واحد وهو : أينما وجد شرع الله فثمّ المصلحة .... فيا ليت أنّ طلبة العلم والمشتغلين بحقل الفتوى والتدريس والوعظ والدعوة يجعلوا ذلك نصب أعينهم في توقيعهم عن الله وعملهم في سبيل الله ، كي يستطيع فقهنا الإسلامي أن يلبي رغبات النّاس ومتطلباتهم المستجدة ونوازلهم الطارئة وحوادثهم المتكررة ...

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة