بين التجربتين ضاع الكثيرون

 

مما لا شك فيه أن صراع الكبار يدفع ثمنه الصغار , وأنه عندما تكون محسوباً على جهة فإنك تتحرك معها صعوداً وهبوطاً , والواجب على المسلم أن يكون مع الله حتى يكون منتصراً دائماً , فالشيوعية على سبيل المثال أشعرت العامل أنه هام بل هام جداً وأنكرت جهد رب المال فسوت بزعمها بينهم فنشأ عن ذلك حقد لا يكمن تجاوزه أبداً , لأن كلا من العامل ورب العمل يعد الطرف الثاني خصمه , ولا يمكن لعمل أن ينجح ويزدهر إلا إذا توافرت فيه النيات الطيبة وتكاتفت في سبيله جميع الأيدي , وهذا ما لم تستطع الاشتراكية إيجاده فقد سحقت الغني ومصت دمه ثم أعطت النذر اليسير للفقير ففرح بالفتات وطاش صوابه , فما طالوا عنب الشام ولا بلح اليمن , لم يستطيعوا الاستفادة الحقيقية من العامل لأن المال جاءه من غير تعب 

ومن أخذ البلاد بغير حرب***هان عليه تسليم البلاد

وبالمقابل سحقوا رب المال وسووا بينه وبين العامل وهذا خطأ فالله عز وجل عندما خلق الخلق لم يجعلهم متساوين في المناصب والأرزاق بل ولا بالأفضلية عنده تعالى , فميزان الأفضلية هو التقوى , والحكمة من جعل الناس في مناصب مختلفة كي يخدم بعضهم بعضاً , وإلا لو كانوا متساوين في الرتبة لفسد الكون , فمن يخدم الناس لو صار الجميع أمراء ؟؟ ومن يقود الناس لو صار جميع الناس خدماً ؟؟ وكما قال الشاعر :

الناس للناس من بدو وحاضرة***بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

قال تعالى : "ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات ليتخذ بعضكم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون"

فلو أن النظام الشيوعي ترك صاحب المال وشأنه , ووزع أموالاً أخرى تملكها الدولة - وما أكثرها – على الفقراء لكانت النتيجة أفضل وأسلم .

أما النظام الرأسمالي فقد قدس رب المال وأعطاه ما يريد وزيادة , وأطلق له يده كما يريد , والنفس البشرية بطبعها تميل إلى الاستبداد والظلم إن لم يستطع الإنسان كبح جماحها وردها عن غوايتها , ولا يستطيع أي قانون أرضي أن يقوم بهذا الكبح , لا يستطيع هذا إلا قانون سماوي يلتزم به أهل الأرض .

بالطبع ليست هذه كل خصائص الاشتراكية أو الرأسمالية لكنها الأبرز , لكن المؤسف في الأمر أن أتباع كل تجربة يرتفعون معها إذا ارتفعت وينخفضون أدنى منها إذا انخفضت , والمؤسف أيضاً أن نتائج هذه الأنظمة لا تظهر إلا بعد عقود من الزمن وعندما يثبت فشلها تنهار مجتمعات بكاملها وتكون الضحايا بالملايين .

ومن المؤسف أيضاً أن الكثير منا يحمل في قلبه الكثير من الاشتراكية أو الرأسمالية دون أن يشعر فلو ذهبت إلى كثير من معاملنا لرأيت أن رب العمل يضطهد العامل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً , وبالمقابل يرد عليه العامل بأن لا ينتج كما يجب بل لو استطاع أن يحرق المعمل بكامله لما توقف للحظة واحدة , في مثل هذا الجو المشحون بالحقد وبانتظار لحظات ضعف الآخر لينال منه لا يمكن أن يكون هناك عمل ناجح أبداً .

وعندما تضيق الدنيا على المسلم وتنتهي الحلول الوضعية من بين يديه يلجأ إلى دينه فإذا به يرى حلاً لكل مشاكله ويرى في توجيه نبي هذا الدين أفضل توجيه , فترى هذا الدين يقول للعامل : اتق الله في عملك واعمل بأعلى طاقاتك , حتى وإن تدنى راتبك فيجب أن لا يتدنى إيمانك الذي يفرض عليك أن تعمل على أحسن وجه ويأتي النبي صلى الله عليه وسلم ليقول له : " إن الله يحب إذا عمل أحدكم العمل أن يتقنه" بغض النظر عن المردود  الذي يحصل عليه من ذلك العمل , فإن لم يعجبك الأجر ففتش عن غيره ولكن ... إياك أن تخون الأمانة .

ويقول الإسلام بالمقابل لرب العمل اتق الله في العامل واعلم أن الذي رفعك وخفضه هو الله , وهو القادر على أن يقلب الموازين متى شاء ذلك , فاتق الله فيه وأحسن إليه .

النبي صلى الله عليه وسلم سمع يوماً أبا ذر يعير غلاماً له بأمه – والغلام في ذلك الوقت هو من سقط المتاع فقد كان يعامل قبل الإسلام معاملة أسوأ من معاملة البهائم فقد يصرف الرجل على فرسه ما لا يحلم به عبد مملوك – فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم" لو أن كل إنسان تعامل مع العامل عنده بهذه الطريقة لكانت حالنا أفضل بكثير , يقول راوي الحديث فرأيت أبا ذر بعد ذلك بالربذة ومعه ذلك العبد وقد لبس من نفس الثوب الذي يلبسه سيده !! .

يجب أن يفهم العامل أن رب العمل لم يصبح هكذا بين عشية وضحاها وأن الشجرة الكبيرة لم تصبح كذلك إلا بعد أن صمدت طويلاً ويقولون من ثبت نبت , وهذا حقيقي أما أن يتمنى الإنسان الوصول إلى الثراء والنعمة والترف دون تعب أو عمل فهذا خطأ وجرم كبير

وما نيل المطالب بالتمني***ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

وكلمة أخيرة لرب العمل :

لا تهين الفقير علك أن***تركع يوماً والدهر قد رفعه

وكلمة أخيرة للعامل :

إن مصدر الرزق هو الله فاطلب منه ودع عنك من سواه "وفي السماء رزقكم وما توعدون"

لا تسألن بني آدم حاجة***وسل الذي أبوابه لا تحجب

الله يغضب إن تركت سؤاله***وبني آدم حين يسأل يغضب

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة