بين الإلتزام والتشدد

 

 

أصبح لدى الكثير من المسلمين مفهوم خاطئ عن التشدد وبات جليا الإلتباس لديهم ما بين الإلتزام والتشدد، وأصبح الموضوع يزعجني فأردت أن أكتب به مقالا لعل الفكرة تتوضح لدى البعض.

تعريف التشدد: يمكننا أن نقول أن التشدد في أي شئ هو الغلو في تنفيذه فوق الحد المطلوب وغير مواضعه الصحيحة، وعرفنا في المثل: أن كل ما زاد عن حده إنقلب إلى ضده.

أما في المصطلح فقد ورد التشدد بكلمة التنطع، والمتشدد هو المتنطع وقد ذمهم الرسول صلى الله عليه وسلم في أحادثيهم المتواترة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ . قَالَهَا ثَلَاثًا "رواه مسلم ، وفي رواية أخرى لنفس الراوي : " ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ، ألا هلك المتنطعون"

لقد كان الغلو في العبادات مذموما، وظهر بعض الناس ممن يزيدون على أنفسهم المشقة في العبادة ظنا منهم أن يفعلون خيرا، ولكن الله خالقنا أعلم بنا وما أمر به رسولنا ما خرج عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فلماذا يشق أولئك على أنفسهم وما المبررات لذلك ؟
 

من صور إلتباس مفهوم التشدد عند الناس:

1-  أصبح الملتزم متشددا..

فذلك الحامي لمحارم الله والملتحي اوالذي يهاجم البدع ينظرون له وكأنه متشدد في الدين في حين هو بمراتب عاليه لما يصبر عليه من أذى وتعليقات ونظرات الناس. والمسلم العاقل يغبطه على أفعال كهذه ويتمنى من الله أن يرزقه ما رزقه. فلا تهاجموا أي ملتزم واتقوا الله في أنفسكم. عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده . ولا امرأة . ولا خادما . إلا أن يجاهد في سبيل الله . وما نيل منه شيء قط . فينتقم من صاحبه . إلا أن ينتهك شيء من محارم الله . فينتقم لله عز وجل" رواه مسلم. قال العرباض بن سارية رضي الله عنه : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، ثم أقبل علينا ، فوعظنا موعظة بليغة ، ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . فقال قائل : يا رسول الله ! كأن هذه موعظة مودع ، فما تعهد إلينا ؟ فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة" رواه ابي داوود وأجمع على صحته كل من: المنذري والبزار وابن عبدالبر وابن تيمية.
 

2-اتهام العلماء بالتشدد

  يتهم الناس الكثير من الشيوخ والعلماء بالتشدد بلا علم وكل حجتهم أنهم سمعوا الناس يقولون عنهم هذا. أهديت مرة كتابا لشخص مسلم ولكن من حزب معين فقال لي هذا شيخ لا أطيقه وكان السبب عندما سألته هو أقوال الناس وأهل طائفته تحديدا اي "عذر أقبح من ذنب".هذه الزمرة ككرة الثلج تتدحرج على منحدر وتكبر عن طريق لم الثلج الهش (المقلدين) معها ولكنها إن اصطدمت بصخرة (المسلم الموضوعي) تهشمت وتقسمت إلى مئة ألف جزء.  السؤال الذي يطرحه المسلم الموضوعي: من أين لك بهذه الإفتراءات ؟ إن كان الجواب : هكذا سمعت ... فأفحمه بالحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم :"كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم.

فإذا بدأ بالذوبان وقال: حسننا لا أدري : فقل له :  قال الله تعالى :(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) الإسراء : 36
 

3-قذف عالم بالتنطع لفتوى اجتهد فيها

 قذف عالم بالتنطع لفتوى من الفتاوى التي أفتاها التي ربما كانت خاطئة لسبب تفسير خاطئ أو فهم خاطئ ولكن وفي جميع الأحوال فهو اجتهد وأخذ أجره من الله أما أنت يا من تقذفه فلم تنل إلا الذنب ويا أخي لا تتحدث عن أحد وأنت لم تطل عشر ما فعله.
 

4- حصر التشدد بجماعة معينة

  لهذا الإلتباس مروجين يحبون أن يحصروا جماعات معينة بهذه التهم وينسبون لأنفسهم الليونة في الدين وتجد أحدهم يقول إن صلاة من يمسح على الجورب لا تقبل !! فلم أعد أعرف من المتشدد ومن اللين.

يقول العلامة عبدالرحمن المعلمي اليماني في كتاب التنكيل : لا يمكن أن يستولي الخطأ على فرقة من الناس يثبتون عليه ويتوارثونه إلا باتباعهم الهوى، ولهذا نجد علماء كل مذهب يرمون علماء المذاهب الأخرى بالتعصب واتباع الهوى، وأكثرهم صادقون بالجملة، ولكن الرامي يغفل عن نفسه، وكما جاء في الأثر (( يرى القذاة في عين أخيه . وينسى الجذع في عينه)) ... انتهى حديث العلامة.
 

5- التشدد في العبادات

  يكون التشدد في العبادات أحيانا فتجد بعض الناس يطيل صيامه فلا يفطر إلا للعشاء ظنا منه أن يحتاط بذلك ويكسب الأجر ويجهل أننا أمرنا بتعجيل الفطر وأن ما يفعله يأثم به ويهلككه.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، فقالوا : أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني"

ومثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم ، وأن يقوم قائما ولا يجلس ، ولا يستظل ، ولا يتكلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مروه فليجلس ، وليستظل ، وليتكلم ، وليتم صومه ) رواه البخاري
 

6- مسكها حنبلية:

 كلمة نسمعها كثيرا في مجالسنا أن فلاننا مسكها حنبلية والمقصود بها أي أنه أصبح متشددا في الدين يختار من الطرق أصعبها، وأحمد بن حنبل ذلك الإمام العالم رحمات الله عليه برئ من هذا النسب وكان أولى بمن يقول ذلك أن يرجع إلى سيرته ويقرأ على الأقل قصة فتنة خلق القرآن التي سجن بسببها مدة 16 عاما وكان باستطاعته أن ينقلب على ولاته في أي وقت لكثرة مؤيديه في الخارج ولكنه أصر على أن يقنع حتى ولاة الأمور بأن القرآن ليس مخلوقا كما يدعي بعض حاشية الخلفاء في ذلك الوقت واستطاع بالنهاية ونجح رحمه الله وأرضاه.
 

7- الدين يسر والأصل في الشئ الحلال:

لقد أبدع المسلمون في هذا الزمان بأن يفهموا الأشياء فهما خاطئا، الجملة الماضية صحيحة مئة بالمئة ولكن القليل من يعرف أن لها حدودا ولم يعرف أن هناك منهجية ليست بالسهلة في عملية التحريم والتحليل وأن الفقه الإسلامي من أعظم وأصعب العلوم الشرعية، ولكن الأغلبية من هذا الجيل تريد الشئ كالماء المستساغ دون أن يبذلوا دقيقة في بحث أو تحقق ولكنهم بالمقابل قد يمضون ساعات على التلفاز في أشياء تافهة بلا كل ولا ملل.

أنظر لحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : " مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنْ الْآخَرِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ " رواه البخاري ومسلم.

يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"

" قوله : ( بين أمرين ) أي : من أمور الدنيا ، يدل عليه قوله : ( ما لم يكن إثما ) ؛ لأن أمور الدين لا إثم فيها ، وقوله : ( ما لم يكن إثما ) أي : ما لم يكن الأسهل مقتضيا للإثم ، فإنه حينئذ يختار الأشد . وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط : ( إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط ) " انتهى.

وبإجماع العلماء يقولون أن اتباع الرخص لمجرد أنها أيسر محرم، ويجب على المسلم سماع الفتاوى من عدة أشخاص ثم اتباع صاحب الحجة الأقوى حتى يثبت نفي مقاله بنص أو دليل شرعي أقوى من الذي استدل به، والدليل أقوى من الإجتهاد أو القياس .. ورأي الصحابة أرجح من رأي التابعين ورأي التابعين أرجح من رأي تابع التابعين وهكذا، أما أن يخرج معاصرين يحللون ويحرمون بحجة إختلاف الأزمان والأماكن فهذا لم ينزل الله به من سلطان. عن أي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول  الله صلى الله عليه وسلم:" لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود , فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" صححه المحدثان أحمد شاكر و محمد بن عبد الهادي وقال ابن تيمية وابن كثير أن إسناده جيد.
 

8- اتقاء الشبهات ( تشدد) :

النفس تميل بطبعها للشئ الأسهل فإن خرج بعض الروبيضات يحللون ويحرمون ويضعون الرخص فليس من اتبع أقوالهم برئ الوزر حين يتبعهم كما يظن البعض حين يقول ذنبي في رقبته، فهل إن قال لك يوما حبيبك المرخص انتحر ستنتحر؟ وينتج من كل هذا أن يغلب الظن على المسلم أن اتقاء الشبهات تشدد. للأسف طائفة كبيرة من الناس أصبحت تتهم الذي يتقي الشبهات بالتشدد. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما مشتبهات ، لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات ، فقد إستبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه" رواه بخاري ومسلم. وفي حديث آخر " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " رواه بخاري ومسلم.

وفي حديث آخر : " أنه لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى ما لا بأس به حذراً لما به بأس " رواه بخاري ومسلم.
 

الخاتمة

     وأخيرا فللمرة الألف نقول لكم أن التعميم قاعدة خاطئة قد تجد من كل بلد صالحها وطالحها والمسلم المعتدل به والمتنطع والمتراخي والمبتدع فلا تقذف جماعة كاملة بالضلال لأجل أفراد لا يمثلوهم بمجملهم. وبهذه النقطة أختم.

بالمختصر المفيد :

اعتقد الكثير من الناس أن الملتزم متشدد وأن الذي يحذو حذو الصحابة والتابعين متشدد لفهم خاطئ نتج بسبب أنتشار مفاهيم خاطئة بناها ونشرها بعض ضعاف القلوب ورجائي من الجميع أن يتأكد قبل أن يتهم أي شخص أو جماعة فإذا وجده فعلا متنطع فليذهب لنصحه بدلا من أن يهاجمه. والله أعلم والله الهادي إلى سواء السبيل

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة