بينة الزنا

 

يثبت الزنا بأحد ثلاثة امور:
 أحدها : الإقرار: وهو إقرار الزاني أربع مرات اقرارا صريحا ، وأن لا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، فان رجع عن إقراره، أو هرب كف عنه. والدليل على قصة الاسلمي و الغامدية اللتين مرتا معنا في ما سبق. وكذلك ثبت الجلد بالاقرار فعن سهل بن سعد أن رجلا جاء الى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : "إنه قد زنى بامرأة سماها، فارسل النبي صلى الله عليه و سلم الى المرأة فدعاها فسالها عما قال : فانكرت ، فحده وتركها" فهذا الحديث يدل على أن الجلد يثبت بالإقرار.
ثانيها : أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد أربعة رجال من المسلمين، أحرار عدول، يصفونه بالزنا وصفا صريحا، واشتراط الأربعة لا خلاف فيه لقول الله تعالى : "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " وقال تعالى : "والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة" وقال تعالى: "لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فاذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبونوقال سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى اتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : نعم " فهذه الأدلة قطعية الدلالة على أن إثبات الزنا لا بد له من أربعة رجال يشهدون شهادة صريحة واضحة، واصفين عملية الزنا وصفا تاما، فاذا لم يكمل النصاب أربعا لا يثبت الزنا، وإذا أخل واحد منهم بالوصف، أو وصف وصفا غير صريح لايثبت الزنا، لأن بينته جاءت نصا صريحا، فلا بد من التقيد بالنص.
ثالثها : الحبل : أي ظهور الحبل عليها ، واذا حبلت المرأة، ولا زوج لها، عليها الحد، لقول عمر: "والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء اذا كان محصنا، اذا قامت بينة، أو كان الحبل والاعتراف" . وروي عن علي رضي الله عنه انه قال : "يا ايها الناس إن الزنا زناءان: زنا سر، وزنا علانية ، فزنا السر أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية أن يظهر الحبل، او الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي" وهذا قول سادة الصحابة، ولم يظهر لهم في عصرهم مخالف، وهذا الأمر مما ينكر، ولم يوجد منكر فكان إجماعا.
 الا أنه في حالة الحبل يدرأ الحد عن المرأة اذا بينت سببا للحبل، لأنه يكون حينئذ شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، فاذا قالت المرأة إنها حبلت من إدخال ماء رجل في فرجها دون زنا، سواء بفعلها أو بفعل غيرها، أو قالت انها أكرهت على الزنا اكراها ملجئا، أو قالت غير ذلك من أسباب الحبل الي تكون شبهة يدرأ الحد عنها ولا يقام عليها، فقد روى سعيد : حدثنا خلف بن خليفة حدثنا هاشم "أن امرأة رفعت الى عمر بن الخطاب ليس لها زوج وقد حملت، فسألها عمر فقالت : إني امرأة ثقيلة الرأس، وقع علي رجل وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد". وروى البراء بن صبرة عن عمر "أنه أتي بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت، فقال : خل سبيلها ، وكتب الى أمراء الأجناد (أن لا يقتل أحد إلا باذنه). وفعل عمر وإن كان ليس دليلا شرعيا ولكنه حكم شرعي، فيجوز تقليد عمر بهذا أي يجوز للخليفة أن يأمر بعدم الحكم بالقتل بعد استكمال أسباب الحكم إلا باذنه. هذه هي بينة الزنا، ولا يثبت الزنا بغيرها مطلقا، فهي ليست داخلة تحت نصوص الشهادات، ولا تحت نصوص البينات، بل هي بينة خاصة لأمر خاص، وتعتبر جزءا لا يتجزأ من أحكام حد الزاني، فهي نص ويجب التقيد بهذا النص. وعليه لا يثبت الزنا بشهادة طبيب على بكر بانها ثيب، أو بانها زنت، أو بأنها قد وطئت، أو ماشا كل ذلك، وكذلك لا يثبت بشهادة قابلة، ولا يثبت باي شيء سوى واحد من هذه الثلاثة، حتى لو تحقق القاضى من الزنا، لان المقصود ليس إقامة بينة على الزنا، بل إقامة بينة معينة عينها الشرع، وليس المقصود إقامة الأمارات، والامور التي تثبت للقاضي وقوع الزنا، أو تجعل القناعة تحصل عند القاضي، بان الزنا قد وقع، بل المقصود هو ثبوت الزنا بهذه البينة المخصوصة، وليس ثبوت الزنا فقط ، بل ثبوته ببينة معينة . ولهذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر قناعته بان امرأة معروفة زانية ومع ذلك لم يحدها لعدم وجود البينة، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها" وأيضا فقد جاء في حديث ابن عباس عن قذف هلال بن أمية لامرأته بشريك بن سمحاء ونزول آية اللعان، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فارسل اليهما فجاء هلال فشهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله، يعلم ان أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب" ثم قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة وقفوها، فقالوا إنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا افضح قومى سائر اليوم فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أنظروها، فان جاءت به أكحل العينين سابغ الاليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سمحاء" فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لو لا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " وفي رواية البخاري "من حكم الله" ففي هذه الحادثة ظهرت الامارات بشكل واضح أنها زانية، وأظهر الرسول قناعته بانها زانية ومع ذلك لم يحدها لان الزنا يثبت بالبينة الشرعية التي جاء بها القرآن، وهو يؤيد أنه لا يحد الشخص إلا إذا ثبت الزنا بالبينة الخاصة بالزنا، أي الإقرار، أو أربعة شهود، أو الحبل.
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة