بقرة جحا

 

عندما نقرر عن نكتب عن قانون جديد، وبالذات في هذه البلاد حيث تتواجد فئة خاصة لوصف بعض القوانين وهي فئة القوانين العنصرية، اشعر أنه علي ان أكون حقوقية مملحة أو مفلفلة كما يقال، لكي اسمح لنفسي بالحديث بهذا السياق أصلا وكأن هناك علاقة بين الطبخ والقانون، ولكن بما أن القانون فاشي جداً بنظري، وبما أن هذه مدونتي الخاصة، وقد رفعت شعار "مدونتك ولا جميلة الناس" فسوف اكتب ..

القانون المسمى قانون "درومي" نسبة الى شاي درومي، وهو مربي مواشي، أي حسب تصنيف المهن العربية "بقار"، وحسب لسان العرب صاحب أبقار، والذي أملكته أي قدمت له دولة إسرائيل "الديمقراطية" مساحات واسعة من المرعى ليبني عليها بشكل مدعوم مادياً وايدولجياً مزرعة وحيد في أراضي النقب الشاسعة، وهذا من اجل لجم انتشار العرب البدو على أراضيهم التاريخية.

في يوم وضحاه قامت الدنيا وأقعدت، إذ تسلل احد أبناء النقب ممن اتخذ من سرقة المواشي مهنة، إلى مزرعة البقار درومي، فما كان منه إلا ان أرداه قتيلاً بسلاحه الناري المرخص.. وأمس شرع الكنيست الإسرائيلي قانونا يسمح لكل من يقبض على متسلل أو سارق في بيته أو مصلحته أو مزرعته بالدفاع عن نفسه حتى عن طريق القتل.. لكي لا يقع من هم من فئة درومي تحت طائلة القانون فيما لو قتلوا متسللا أو سارقا في مزرعتهم... وهذا تقديسا للعمل العبري ورسالة تحضير البلاد وخلاصها من الأيدي العربية..

قصة النقب قد تكون معروفة للقاصي والداني، وبدون طول سيرة، قبل الاحتلال عام 1948 كان بدو النقب، المجموعة الاصلانية الفلسطينية تملك حسب السجلات الانتدابية 1,260,000 من أراضي النقب، وبعد تهجير الشعب الفلسطيني على يد العصابات الصهيونية وتهجير أهل النقب بشكل خاص بموجات تطهير متعددة، قامت هذه الدولة الديمقراطية بتركيز البدو في مناطق معينة، ومنعهم من العيش على أراضيهم. ومن بقي منهم يسكن اليوم قرى معترف بها لم تراعي نمط حياتهم السابق أو حقهم بالأرض، والجزء الأخر يعيش في تجمعات غير معترف بها من قبل دولة إسرائيل بدون أي خدمات حياتية أساسية مثل الماء والكهرباء .. والصراع المستمر هو على ما تبقى من الأرض... وهي لا تزيد عن خمس ما كان يملكه البدو سابقاً.

بن غوريون انتبه إلى النقب منذ البداية واختاره ليكون مسكنه بعد تقاعده ومدفنه بعد مماته، ليشكل بذلك قدوة لليهود ودفعهم للانتقال الى هذه الصحراء بدل أن يستمر العرب بامتلاكها... وأعقبه من أعقبه في سياسته وهم كثر، فعلى سبيل المثال سيئ الذكر والصيت شارون صرح في العام 2000 ما يلي: "تواجه إسرائيل مشكلة صعبة جداً في النقب، فان حوالي 900 ألف دونم من الأرض ليست بأيدينا بل بأيدي السكان البدو"..

نعود إلى البقار درومي... والذي اعتبره المثال الحي على توطين اليهود، وتمكنيهم من ارض النقب، من خلال مزرعة أبقاره العامرة وهي واحدة من عشرات المزارع المسماة مزرعة وحيد، فيما تم حجز البدو الفلسطينيين في مناطق صغيرة وهم الرعاة والبقارة الأصليين، هذا فيما لو تعاملنا مع المهن التقليدية للإنسان وفق طبيعة بيئته ومعيشته.. ولكن تشاء السياسة الإسرائيلية بعد 60 عام من الإفقار وضغط أهل النقب العرب إلى ادني مستويات العيش، لتصل نسبة البطالة في القرى غير المعترف بها إلى إضعاف النسبة في دولة إسرائيل.. ناهيكم عن مستويات الفقر والتسرب ونسب وفيات الأطفال وانعدام الفرص للحياة الشريفة للغالبية...

لم يكلف احد نفسه بفحص كيف أصبح بعض أبناء النقب البقارة الطبيعيين سارقي مواشي، وأصبح درومي مالكا لآلاف الدونمات مع بقراته!

الأسبوع الفائت فقط قررت النيابة الإسرائيلية الاستمرار بمحاكمة سبع شبان من شفاعمرو، بتهمة قتل الإرهابي ناتان زادة الذي قام بقتل 4 من أبناء المدينة بشكل متعمد وإجرامي.. فلا يحق للعربي أن يقتل من يقوم بقتله إذا كان يهودياً، بينما يسمح لليهودي بالقتل فيما لو عبر احد حدوده فقط ...!

لا ابرر السرقة بأي شكل من الإشكال، لكني أدافع عن حق السارق بالمحاكمة بدل من الإعدام الميداني...

واعتبر أن حياته أغلى من حياة البقرة، مع احترامي لكل جمعيات الرفق بالحيوان، فليس لدي موقف معادي للبقرة فأنا أحبها هولندية كانت أم عربية أم مشوية... ولكن يا بقرتي العزيزة لقد أصبحتِ ذريعة للقتل ولسلب الأرض...

فالقضية ليست قضية بقرة مهددة، بل هي قضية الأرض... وقضية المشروع الصهيوني الذي يحاول زرع درومي واقتلاع ابن النقب الفلسطيني، لم يكن قط المشروع الصهيوني مشروع خجلاً، فهو مشروع وقح وعنصري منذ البداية، والآن هذا المشروع أصبح يقيم البقرة بأكثر من قيمة الإنسان فيما لو كان عربياً...!

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة