اهمية السنن في الانفس والمجتمعات

الاوسمة: 

إن معرفة أثر السنن في الأنفس والمجتمعات ضروري لمعرفة طبيعة هذا الدين وطبيعة الجاهلية المقابلة. فمن سنن الاجتماع البشري التي يشهد بها الواقع المحسوس والتاريخ المسطور: "أن الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام، والتي واجهها الداعية العظيم محمد (صلى الله عليه وسلم) بدعوته، والتي يواجهها الدعاة في كل زمان وفي كل مكان، هذه الجاهلية لم تكن قط متمثلة في نظرية مجردة، بل كانت متمثلة في تجمع حركي مستقل عن غيره في مجتمع خاضع لتصورات وقيم ومفاهيم وتقاليد وعادات، وهو مجتمع عضوي، بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك بإرادة واعية أو غير واعية للمحافظة على وجوده والدفاع عن كيانه، والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في صورة من صور التهديد".

وهذه الطبيعة المتأصلة في الجاهلية جاء الحديث عنها في القرآن المكي، في مواضع كثيرة، وجاء تصويرها في مواقف كثيرة؛ ليفهم المسلمون طبيعة الصراع بين الجاهلية والإسلام على حقيقته، وليكونوا على بينة من مباينة السبل واختلاف المناهج والتوجيهات والأهداف بينهم وبين الكافرين، ومن أمثال ذلك قوله تعالى: "وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين- ولنسكننهم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد" (إبراهيم: 13-14).
وقوله تعالى: "قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين -  قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين" (الأعراف: 88-89).
"ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام – أي العقيدة – في تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي. وأن يكون محور التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وسلطانه وشريعته؛ لأن وجود المجتمع المسلم لا يتحقق إلا بهذا، لا يتحقق بمجرد قيام القاعدة النظرية في قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم، لا يتمثلون في تجمع عضوي متناسق ومتعاون له وجود ذاتي مستقل يعمل أعضاؤه عملاً عضوياً كأعضاء الكائن الحي على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه، وفي الدفاع عن كيانه ضد العوامل التي تهاجم وجوده وكيانه، ويعملون هذا تحت قيادة مستقلة عن قيادة المجتمع الجاهلي، تنظم حركتهم وتنسقها، وتوجههم لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الإسلامي، ولمكافحة ومقاومة وإزالة الوجود الآخر الجاهلي، وهكذا وجد الإسلام.."
ومن هنا تأتي أهمية ربط عمل الدعاة بالجهد والعمل وفق السنن التي لا تحابي فرداً على حساب فرد آخر، أو مجتمعاً على حساب مجتمع آخر؛ "لقد كتب الله على نفسه النصر لأوليائه، حملة رايته وأصحاب عقيدته.. ولكنه علق هذا النصر بكمال حقيقة الإيمان في قلوبهم، وباستيفاء مقتضيات الإيمان في تنظيمهم وسلوكهم، وباستكمال العدة التي في طاقتهم، وببذل الجهد الذي في وسعهم؛ فهذه سنة الله (عز وجل) وسنة الله لا تحابي أحداً.. فأما حين يقصرون في أحد هذه الأمور؛ فإن عليهم أن يتقبلوا نتيجة التقصير؛ فإن كونهم مسلمين لا يقتضي خرق السنن وإبطال الناموس. فإنما هم مسلمون لأنهم يطابقون حياتهم كلها على السنن".
ومرجع ذلك إلى أن السنن الربانية في الحياة البشرية دقيقة كل الدقة، منتظمة أشد الانتظام، لا تحيد ولا تميل، ولا تجامل ولا تحابي، ولا تتأثر بالأماني.
 
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
2 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة