الوقوف عند ظواهر النصوص

كنت مرة في عزاء لشخص من معارفي  فأنبرى شخص من الحضور يتكلم عن تارك الصلاة وقال انه يكفر فعارضه شخص آخر وقال لا يكفر ان تركها تكاسلا على قول جمهور الفقهاء فثار الرجل الاول واحمر وجهه وقال : اقول قال الرسول صلى الله عليه وسلم وتقول قال فلان. ولعل كل منكم قد صادف في حياته هذا الموقف الا وهو ان استعمال القرآن والسنة كتبرير لفرض فتوى ضعيفة او رأي شاذ في مقابل اجتهاد صحيح وقوي له أدلته المعتبرة. لعل المقال الذي يلي هنا يشير الى جذور هذه المشكلة التاريخية مع املاحظة ان المقال الاول مقتبس والثاني من كتابتي.

الظاهر والاجتهاد: جذور الصراع

يتواصل الحديث عن الإحياء الإسلامي كمقصد مشترك للعاملين في حقل العمل الإسلامي، ولكن السؤال الذي ينبغي تقريره هنا: أين هي بالضبط السبيل التي ينبغي التزامها لإنجاز إحياء حقيقي يحقق المعالجة المطلوبة للشتات الذي تعيشه الأمة هذه المقالة محاولة للنفاذ إلى جذر المشكلة وقراءة المسالة وفق المقاربة التاريخية لأزمة الفكر الإسلامي. يمكن أن تلمس منهجين مستمرين لعلماء هذه الأمة في إعادة إحياء الإسلام، الأول منهج الفقهاء والثاني منهج الظاهرية.

والخلاف بين الفقهاء والظاهرية قديم في الثقافة الإسلامية، ويمكن إدراك بدايات هذا الخلاف منذ عهد النبوة، ثم إن مظاهر هذا الخلاف تحددت وتوضحت أيام التابعين، يوم كرّس النشاط العلمي في الإسلام عبر مدرستين اثنتين مدرسة الفقه ومدرسة الحديث، غير أن ملامح المدرستين أسساً ومناهج لم تستكمل إلا على يد عالم مهم جداً هو ابن حزم الأندلسي الذي صنف كتابه الشهير المحلى، والإحكام في أصول الأحكام، ومن خلالها رسم مدرسة محددة المعالم من الفقه الظاهري مقابل مدرسة سائر الفقهاء، الذين كانوا يعتمدون للشريعة مصادر أخرى غير التي يتوقف عندها الظاهرية، ومن المناقشات والردود بين ابن حزم وخصمائه توضحت لنا حدود المدرستين.

نشأ الفكر الظاهري منذ القرن الثالث الهجري رداً على مناهج الفقهاء في التجديد والاجتهاد وذلك على يد المفكر الإيراني داود بن علي الظاهري 201-271، فقد تقلب هذا المفكر بين العراق وإيران، وذلك بعد أن اكتملت مناهج الفقهاء الأربعة في الاستنباط الإمام أبو حنيفة 70-150هـ، والإمام مالك بن أنس 93-179هـ، والإمام الشافعي 150-204هـ، والإمام أحمد بن حنبل 164-241هـ.

وكان داود بن علي شديداً على الفقهاء، ولم يكف عن التصريح بأنه هذه المذاهب الأربعة إنما هي بديل عن الدين الواحد الذي جاء به النبي ، ولم يتورع عن القول بأن مذاهبهم في الاجتهاد إنما هي هدم للشريعة، وأن النجاء إنما هو في ترك هذه المصادر التشريعية جميعاً والوقوف عند الكتاب والسنة دون سواها من المصادر. ففي حين أقر الفقهاء مبدأ تعدد مصادر التشريع فجعلوا منها الإجماع والقياس والاستحسان والاستصلاح وسد الذرائع والعرف وشرع من قبلنا ومذهب الصحابي فقد أنكر الظاهرية ذلك كله، وعدوا التشريع بواحد من هذه المصادر افتئاتاً على الله وعدواناً على الشريعة، وقد كتب داود بن علي كتاباً مبكراً في ذلك أسماه: إبطال القياس، وكانت عبارته التي تكررت في مواضع كثيرة ثم صارت كالعنوان لدراسته: (القياس منهج إبليس، وأول من قاس إبليس بقوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)!..

والحق أن الظاهرية كتيار كانت أسبق من داود بن علي، فقد ظهر في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي من أحجم عن التفكير، ورأى أن البعثة المحمدية حسمت المسائل جميعاً بالنصوص، وأنه لا مبرر لأحد أن يجتهد إذ النصوص المعصومة تكفلت ببيان كل شيء، ولن يظهر على هذه الأرض شيء إلا وفي الكتاب والسنة بيانه فصلاً جزماً، وكان هؤلاء يتمسكون دوماً بالآية العظيمة: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" .

وإذا كان خلاف الظاهرية والفقهاء قد حدد مذاهب الأمة في الفقه، فإنه قد سبق للأمة أن انشطرت من قبل إلى مذهبين متناحرين في ما يتصل بأمر العقائد منذ أيام الصحابة وذلك إبان ظهور الخوارج، فقد اختارت الأمة مؤازرة العقل للنقل، وقدرته على تقييد النص وتخصيصه والتوقف فيه، فيما صرح الخوارج بعبارتهم المشهورة (لا حكم إلا لله). إن عبارة لا حكم إلا لله، كلمة لا تفتقر إلى المصداقية، وليس بوسع مؤمن ـ من أي مذهب كان ـ أن يتنكر لها، ولا شك أنها تختصر جهاد الأنبياء وعطاءهم، فلم يكن سعي الأنبياء والرسل منذ فجر عهد النبوة إلا لتقرير هذه الحقيقة، ولكن الإمام علياً رضي الله عنه رفض هذا الشعار الساذج وقال فيه: (كلمة حق يراد بها باطل). لقد أدرك الإمام علي رضي الله عنه أن مقاصد الخوارج تتجه إلى تعطيل العقل والتماس سائر التوجيه في الحياة من ظاهر النصوص، وهو أمر غير ممكن، شرحه بقوله: (أما إني أعلم أنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يريدون لا إمرة إلا لله، أما إنه لا بد للناس من أمير، يجبي الخراج ويكتب الديوان وينكأ العدو)!!

وبذلك فقد رسم الإمام علي ملامح الوعي بالحاجة إلى التجديد والاجتهاد في وجه التيار الظاهري الذي يرى التناقض بين العقل والشرع ضرورة، وأن المطلوب هو تحكيم الشرع نظراً لقصور معارفنا ووهن عقولنا.

إن السمة التي ميزت فكر الخوارج هي ارتكازهم على مبدأين اثنين:

الأول: تحكيم ظواهر النصوص، ولو أدى ذلك إلى نتائج متناقضة، أو معاندة لمقاصد الشريعة نفسها.

الثاني: رفض الآخر، إذ أسقطوا مقولة الاختلاف، وجزموا بتلازم الاختلاف في الرأي مع اختلاف الحق في ذاته، وقد أدى بهم ذلك إلى خيار تكفير الآخر، وهدر دمه، بل وعدم قبول توبته.

وهكذا فإن الخوارج هم الذين تبنوا الفكر الظاهري، وطبقوه عسكرياً، قبل أن ينحسر بعدئذ إلى فتاوى ورؤى يقدمها غلاة الفكر الظاهري. ولو كان لنا أن نستعير مصطلحات عصرنا الحاضر، فنحن أمام منهج واحد، تجلى في جناحين: الأول: الجناح العسكري، وهو الخوارج، والثاني: الجناح السياسي: وهم دعاة الظاهرية ومنظِّروا الفكر الظاهري.

ويقوم الفكر الظاهري على أساس أن النصوص ـ من كتاب وسنة ـ قالت كلمتها في كل شيء، وأن دور العقل ينحصر فقط في فهم هذه النصوص وفق ظواهرها، وأن قياس ظاهر النص على أمر لم يتناوله النص مباشرة إنما هو عبث وافتئات على الله ورسوله، وأن في النصوص من الإعجاز والبيان ما يقطع الحاجة إلى وجود أي مصدر تشريعي آخر، ويستدلون لهذا المعنى بظاهر بعض نصوص الكتاب والسنة:

"ما فرطنا في الكتاب من شيء" "ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء"

"كتاب فصلت آياته ثم أحكمت من لدن حكيم خبير"

"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً"

وقوله صلى الله عليه وسلم : »تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك«

وقوله صلى الله عليه وسلم : »تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً كتاب الله وسنتي«

غير أن الظاهرية لم تتبلور كمذهب شامل، يقول كلمته في المسائل كلها إلا على يد علي بن أحمد 384-456هـ، المعروف تاريخياً باسم ابن حزم الظاهري. فقد صنف ابن حزم كتابين كبيرين الأول: الإحكام في أصول الأحكام، وهو في تقرير أصول الظاهرية، والثاني: المحلى، وهو في تقرير فروع الفقه الظاهري.

ولا يملك المرء وهو يقلب صحائف هذين الكتابين إلا أن يأخذه الأسى والأسف، فأنت هنا أمام عملاق ولكنه سخر نفسه لقضية قزمة، فقد كان ابن حزم بالفعل من أقوى الناس عبارة، وأبلغهم خطاباً، ويبلغ اعتداده بفكره حداً يجعلك تجزم بأن ليس في قلب الرجل ذرة شك مما يعتقده، ويشتد في نقد خصومه لدرجة أنه يكاد يخرجهم من الملة في كل صحيفة من صحائف كتابه، وقد تكررت أكثر من عشرين مرة عبارته لخصومه: (من قال ذلك فهو كافر مرتد حلال الدم والمال).

إن حجج الظاهرية كانت حاضرة دوماً من ظاهر النص ولكن الأمة رفضت تاريخياً هذا الخيار وصارت إلى إحياء مقاصد النصوص وليس الوقوف عند ظواهرها ، وقد تجلى ذلك في اعتماد مصادر الشريعة الكثيرة كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف وسد الذرائع وغيرها وهي مصادر مبينة ومظهرة للنص وغير منفصلة عنه ولا تناقض حكم الله كما فهمها بعض الظاهريين، ومن الجلي أن الأمة اختارت مذهب الفقهاء أيام المجد الحضاري وانحسر بذلك مذهب الظاهرية .

ولكن هل مضى الأمر بهذه الصورة؟

إن قراءة سريعة للمشهد الثقافي في العالم الإسلامي اليوم تجعلك تشعر بالمرارة حيث يتنامى الخطاب الخوارجي( لا حكم إلا لله )، على حساب تيار الفقهاء الذي يلتمس غايات الأحكام ومقاصدها بدل الوقوف على ظواهرها، ويعتمد أدوات كثيرة للاجتهاد إلى جانب الكتاب والسنة .

إن الخلاف بين الفقهاء والظاهرية ليس حدثاً تاريخياً قاصراً على فترة محددة، بل إنه في الحقيقة أكبر أشكال الخلاف التي لا تزال تعصف بالأمة إلى اليوم، وتحول دون تحقيق وحدتها أو تعاونها على الأقل، أو حتى إحسان الظن بين أبنائها على أقل تقدير. وأعتقد أن تحليل هذه الظاهرة والتنبيه إليها يمثل أول الخطى التي تكشف عن الآفات الخطيرة التي تعصف بالأمة، ومعرفة الداء أول وسائل الدواء.

مخاطر من يقول انا اخذ بالقرآن والسنة فقط وما سواه عمل فكري يناقض النص.

1-    انه جعل شريعة الله قاصرة عن الاحاطة بكل الامور لان الحوادث لا متناهية بينما النصوص متناهية.

2-    ولو خرج من هذا القصور بقوله ان لكل حادثة نص تقاس عليه فمعناها انه استعمل القياس والقياس اجتهاد والاجتهاد عمل فكري.

3-    لو كانت القضية في النصوص بدون اعمال الفكر لاستوى الجاهل والعالم( فالكل يستطيع ان يطلع على الاحاديث اليوم خاصة بوجود الحواسيب) ولما احتجنا لفقهاء.

4-    كثير من الاحاديث لو اخذت على ظاهرها او بدون النظر الى مقاصد الشريعة ستؤدي بنا الى المهالك. كذلك ينبغي النظر في قواعد التخصيص والنسخ والتقييد قبل استنباط الحكم... وهذا عمل فكري.

5-    ان مصادر الشريعة الحقيقية هي اثنين فقط القرآن والسنة. اما سائر المصادر فهي مصادر تساعد على استنباط الحكم واظهار حكم الله فالقول انها اربعة "تحكم" فاما يقول اثنين افقط او يفتح المجال لكل مصدر يساعد على فهم النص وله دليل وحجية من النص. وفي مطلق الاحوال له الحق ان يرفض ان ياخذ بمصدر خامس للتشريع شرط الا يعتبر هذا المصدر خروجا عن حكم الله واعمال للعقل والهوى بدون دليل ان كان له حجية من النص.

6-    غني عن التنبيه ان من يقول ان ما سوى هذه المصادر الاربعة مكذوب او فيه شبهة التشريع بغير حق يكون قد اساء لكل المذاهب باستثناء المذهب الظاهري ( اذ كلهم اعتمد اكثر من اربعة مصادر) واعتبر ضمنيا ان فقهاء هذه المذاهب حكموا عقولهم في وجود النص.

7-    دعوني اذكر بان القاعدة التي تقول لا اجتهاد مع النص هي في مورد النص القطعي الدلالة اما النص الظني الدلالة فالاجتهاد مسموح فيه بل واجب لفهم مدلوله.

8-    ايضا هناك خوف من ان من يردد انا اخذ فقط بالقرآن والسنة فقط ان يعتبر نفسه فقيها ويفسر النص باجتهاده الشخصي.

وهذا اولا فيه انتقاص للعلماء فكأنه اتهام ضمني لهم بأنهم لم ياخذوا بالنص.

وثانيا فيه نوع من مضاهاة الخالق اذ هو يوحي لنا ان رد تفسيره للنص هو رد للنص نفسه والعياذ بالله

وثالثا هو يفعل ما نهى عنه فكأنه يقول لا تتبعوا العلماء انما اتبعوني انا. تفسيرهم غلط وتفسيري صحيح.

9- ذكرنا سابقا ان كل المذاهب اعترفت بالمصالح والخلاف بينهم اصطلاحي. اشتهر أن الإمام مالكاً هو الذي انفرد وحده بالأخذ بالمصلحة، ولكن المدقق في الأحكام الشرعية وفروعها في المدارس الفقهية كلها يرى أن الجميع يأخذ بمبدأ المصلحة المرسلة، إما صراحة أو ضمناً، أو يبيِّن قيودها. فها هم فقهاء الحنفية يقبلون المصلحة المرسلة إذا كانت ملائمة، ويؤيد ذلك ما اشتهر من اعتمادهم: الاستحسان أصلاً من أصول التشريع الإسلامي.
 وقَبل فقهاء الشافعية المصلحة المرسلة إذا كانت ملائمة للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول. واعتمد فقهاء الحنابلة المصلحة المرسلة، واعتبروها نوعاً من القياس.

10-اما دليل هذه المصالح فهو استقراء النصوص التي اثبتت ان رعاية المصالح الخمسة بترتيبها المذكور فرض علينا. وإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً حينما وجهه إلى اليمن بالاجتهاد. وافتاء الصحابة بالوقائع عند اشتمالها على مصلحة راجحة.

 

 

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة