الوصايا العشر بين اهل الكتاب والمسلمين

كلنا نسمع بالوصايا العشر و هي قيم مشتركة في الديانتين النصرانية و اليهودية و كنت اعرف ان جوهر هذه الوصايا موزع في القرآن الكريم على مدى آياته و لكنني اكتشفت مؤخرا ان هناك عشر وصايا مجمعة في القرآن الكريم في مكان واحد.  واني اعتذر من القراء ان كانت رسالتي طويلة بعض الشيء و لكنني اختصرتها من عشرين صفحة للشيخ الشعراوي و كتبتها باسلوبي الخاص بحيث لم يكن هناك من مجال للاختصار اكثر من ذلك.

الوصايا العشر عند النصارى و اليهود

1-    انا هو الرب الهك لا يكن لك اله غيري.

2-    لا تحلف بأسم الرب بالباطل.

3-    احفظ يوم الرب.

4-    أكرم اباك و امك.

5-    لا تقتل.

6-    لا تزني.

7-    لا تسرق.

8-    لا تشهد بالزور.

9-    لا تشتهي امرأة قريبك.

10-لا تشتهي مقتنى غيرك.

و لنأت الآن الى الاطلاع على ما جاء في القرآن الكريم في سورة الانفال

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (153)

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم

        ·           حين يقول الله تعالوا ففيها اعمق من معنى مجرد الاقبال فكون التشريع سماوي يفرض على الانسان ان يتعالى عن حضيض البشرية و يأخذ الاوامر من رب العالمين جل و علا الذي هو ادرى بمصلحة عباده.

        ·           ألا تشركوا به شيئا

اول المحرمات الشرك لأن الله لا يغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

        ·           وبالوالدين إحسانا

كل نهي عن شيء امر بمقابله و كل امر بشيء نهى عن مقابله. و على ذلك فكل امر يستلزم نهيا، و كل نهي يستلزم امرا. لذلك لا يلتبس عليكم الأوامر والنواهي في حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا. بل نفهم اذن بأنه حرم علينا الشرك وحرم علينا عقوق الوالدين (من "وبالوالدين احسانا") و هذا تنوع بالاسلوب. وهناك آيتان ايضا تتكلمان عن الاحسان الى الوالدين : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا (النساء) - وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا (الاسراء) بالاضافة الى الآية التي نحن بصددها و نستطيع ان نرى ان الاحسان بالوالدين مقرون بعبادة الله دائما فهل بعد ذلك شك في المرتبة العالية التي وضعها الاسلام للام و الأب؟ (وحتى في الوصايا العشر اسجل احتلال هذه المسألة مرتبة عالية جدا من الوصايا لنخلص الى مكانة الاهل في جميع الأديان).

        ·           ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم

من المعروف ان العرب في الجاهلية كانوا يدفنون ابناءهم احياء خوفا من العار ان كان المولود انثى او من الفقر ان كان ذكرا. و املاق معناها فقر و لكن لماذا جاءت نرزقكم و اياهم هنا بينما جاءت نرزقهم و اياكم في الاسراء "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم"؟ ذلك لأنه في الحالة الاولى الاب فقير فعلا (من املاق) و في هذه الحالة يريد ان يرزق هو قبل كل شيء بينما في الحالة الثانية الاب يخشى الفقر ان جاءه الاولاد (خشية املاق)  فيطمئنه الله بأن الأولاد سيأتون و رزقتهم معهم و انت ايضا سترزق بحسنتهم.

        ·          ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن

و لم يقل لا تأتوا لأن القرب من شيء قد يغريك بالقيام بالامر فحينما اراد الله ان يحرم على ادم و زوجه الشجرة قال له "ولا تقربا هذه الشجرة". لأن القرب منها قد يغري بالاكل. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". و الفواحش تطلق بشكل عام على الزنا و ما ساق اليه و لكن هنا المعنى يعم ليشمل كل ما هو خبيث من الموبقات، فاذا اردنا ان نجتنب الزنا فعلينا الا نقرب كل ما قد يؤدي اليه من النظر بشهوة و اللمس ايضا و اجد هذه الفكرة موجودة في الوصايا العشر التي لا تكتفي بتحريم الزنا بل تطال تحريم النظر و التفكير بشهوة ايضا (9). اما بخصوص "ما ظهر منها و ما بطن" فما ظهر خاص بافعال الجوارح التي ترتكب الموبقات و ما بطن هو من افعال السرائر مثل الحقد، و الغل، و الحسد.

        ·          و لا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق

النفس هي التقاء الروح بالمادة فمعنى قتل النفس ان نفصل الروح عن المادة بهدم البنية و هذا غير الموت الذي لا يكون بنقض البنية. و الذي وهب الحياة هو الله، فلا يسلب الحياة الا هو. (الا بالحق) و بعد ذلك يشرع الله لنا ان نسلب الحياة قصاصا، فمن قتل نفسا يجب ان يقتل. "ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب" فالقصاص ليس الهدف منه الانتقام و الثأر و انما على العكس فدون قصاص سيثأر اهل المقتول من القاتل او اهله و نغرق في دوامة الثأر المتبادل التي لا نخرج منها، انما الهدف هو ردع المجتمع عن القيام بالقتل لأن هناك نوعية من البشر لا ترتدع الا بوجود القصاص.

        ·          ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون

و الوصية لا تكون الا للامور المهمة التي لا تستقيم الحياة الا بالقيام بها. و وصاكم غير شرع، فشرع تأتي بكل التشريعات و ما فيها من التفاصيل و الوصية تضم امهات المسائل في التشريع. و هذه الاوامر متفق عليها في جميع الرسالات و يسمونها "الوصايا العشر". اذن كيف نعصم من اهوائنا المتضاربة بعضها من بعض؟ لا بد ان يكون الاله واحدا حتى لا يتبع كل واحد منا هواه. اننا نعرف ان الاصل في الانسان هو الاب و الام و لذلك وصى بهما. ووصى ان لا نقتل الاولاد لأن الحياة تستمر بهم و بعد ذلك يجب ان تكون الحياة طاهرة لجميع الافراد و لا تشوبها شائبة الدنس ابدا و لا يتاتى ذلك الا اذا تركنا الفواحش و يحذرنا الله ان نقتل النفس الا بالحق لأن النفس اصل استبقاء الحياة.

ثم يجيء الحق بعد ذلك في الآية التالية ليكمل الوصايا فيقول:

        ·          لا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن حتى يبلغ اشده

هنا يفترض الله سبحانه و تعالى ان اليتيم له مال، فلم يقل "لا تأكل مال اليتيم"، بل امرك الا تقترب منه و لو بالخاطر، و لو بالتفكير، و عليك ان تبتعد عن هذه المسألة. الا بالتي هي احسن أي نثمر له ماله تثميرا يسع عيشه و يبقى له في الاصل و زيادة و لذلك قال في سورة النساء : "و ارزقوهم فيها" فلا يأخذ احد مال اليتيم و يدخره ثم يعطيه منه كل شهر جزءا حتى اذا بلغ الرشد يجد المال قد نقص او ضاع، لذلك لم يقل "ارزقوهم منها" بل قال ارزقوهم فيها أي ارزقوهم  رزقا ناشئا منها.

        ·          واوفوا الكيل و الميزان بالقسط لا نكلف نفسا الا وسعها

و هنا نتذكر الآية "ويل للمطففين* الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون* و اذا كالوهم او وزنوهم يخسرون".

يتساءل البعض لماذا استعمال كلمة المطففين في حين ان البائع الغشاش يخسر من الكمية (يقلل) و لا يطفف (يزيد) فالجواب ان كل صفقة بين اثنين فيها بيع و شراء فإن اراد و احد ان يجعل الخسران على طرف و ان يستوفي لنفسه فهو مطفف. و الملاحظ ان العلم الحديث في مجال الاجتماع و الاقتصاد توصل الى ان اية علاقة ناجحة يجب ان تكون قائمة على مبدأ الربح للطرفين win/win. لا نكلف نفسا الا وسعها لأن المكيال و الميزان اداتان تتحكم فيهما ظروف لا تدخل في نطاق الانسان. و في هذا القول اباحة للاشياء الزائدة او الناقصة التي لا تدخل في الاستطاعة.

        ·          و اذا قلتم فاعدلوا و لو كان ذا قربى

بما ان الله عز وجل تكلم عن العدل في الامور المادية لن يغفل سبحانه و تعالى الانتقال الى العدل في الامور المعنوية. لأن هذه الاخيرة دائما هي التي يتم التركيز عليها في القرآن الكريم كما سبق و شرحنا في "و تزودوا فإن خير الزاد التقوى" و في "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير". و الذي يؤثر في العدل هو الهوى فهو يحاول ان يميلك الى ناحية ليس فيها الحق، و اولى النواحي ان يكون متعلقا بك او بقرابة لك. (فانظر اليوم الى ظاهرة "الواسطة" لنرى اننا لا نطبق العدل.)

        ·          و بعهد الله اوفوا

التوصية تخصيص للتشريع لان التشريع يعم احكاما كثيرة و لذلك قال ابن عباس عن هذه الآيات "انها محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، و قيل انهن ام الكتاب من عمل بهن دخل الجنة و من تركهن دخل النار" و لم يوجد شرع جاء لينسخ واحدة من هذه الوصايا، و لذلك يقول اليهودي الذي اسلم كعب الاحبار "و الذي نفسي بيده ان هذه الايات لأول شيء في التوراة"

اذن نجد تسعا من الوصايا الى الآن خمسا منها قال الله تعالى فيها لعلكم تعقلون و اربعا فال فيها لعلكم تذكرون و الوصية العاشرة هي الجامعة لكل انواع الفضائل التكليفية انها قوله الحق.

        ·          "و ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون"

أي انه ختم الوصايا التسع بهذا القول لان الصراط المستقيم يشمل الوصايا التسع السابقة و يشمل كل ما لم يذكر هنا. و قلنا ان الخمس الاول ذيلها الحق بقوله "لعلكم تعقلون" و الاربع التي بعدها ذيلها الحق بقوله " لعلكم تذكرون" و الواحدة الجامعة لكل شيء قال تذييلا لها "لعلكم تتقون".

فما الفرق بين التعقل و التذكر و التقوى؟

ان الاشياء الخمس الاولى التي ذكرت كانت موجودة في بيئة نزول القرآن، انهم كانوا يشركون بالله و يعقون والديهم و يقتلون الاولاد و يقارفون الفواحش و يقتلون النفس التي حرم الله قتلها فأوضح لهم تعقلوها أي اذا ما تعقلتموها تجدون ان العقل السليم يمنعكم من هذه الافعال (لعلكم تعقلون). لكن الاربع الاخرى كانوا يلتزمون بها لأنهم كانوا يتفاخرون في الجاهلية بالكرم و العدل و الوفاء بالعهد والشهامة مع الضعيف فقال "لعلكم تذكرون" أي ان كنتم تفعلوها في الجاهلية فاياكم ان تغفلوها في الاسلام. ثم جاء بالوصية الجامعة "و ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" و نظرا لأن هذه الوصية تستوعب كل الاحكام ايجابا و سلبا، نهيا و امرا، فوضح لهم انه يجب عليكم ان تتبعوا الصراط المستقيم لتقوا انفسكم اثار صفات القهر من الحق سبحانه و تعالى، و اول جنودها النار (لعلكم تتقون).

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة