الورقة الثانية : د. عبد الحميد بن علي أبوزنيد

 
منذ مدة طويلة ومن خلال معايشتي لمادة أصول الفقه دراسة وتدريساً مدة تقارب عشرين عاماً وأنا تراودني فكرة الدعوة إلى تنقيح هذه المادة العلمية ، ولكن كنت أقدم رجلا ًوأأخر أخرى لما أعلمه من أن دعوى التجديد في أي ناحية من نواحي الحياة سواءً أكانت في تطوير العلوم والفنون أو التجديد في أسلوب الحياة لابد وأن تلقى الصد والرد والنقد والإعراض ، ولا بد وأن يكون مقدم الصف ورائد الفكرة هدفاً للسهام ومرمى للرماح .
وما أن رأيت الكتيب الذي دعا فيه الأخ الفاضل الدكتور حسن عبد الله الترابي إلى إعادة النظر في قواعد أصول الفقه حتى يكون هذا الفن العظيم ذا أثرٍ فعال في هذه الحياة الصاخبة بحوادثها المتجددة ، والتي لا عهد للقرون الماضية بها حتى شعرت أنه كان بدعوته هذه الدرع الواقي لكل من يدور بخلده الولوج من هذا الباب فيشارك بإظهار رأيه والإدلاء بدلوه في هذه الدعوة .
لقد كان الدكتور حسن عبد الله الترابي رائداً لهذه الفكرة وسابقاً لهذه الدعوة التي تدور في عقول كثير من علماء الأمة . وإنني أرى رأيه في هذه الدعوة من حيث الإجمال وإن كنا قد نختلف في بعض التفاصيل والجوانب ، وهذا أمر طبيعي لأنه اختلاف في وجهات نظر لا قاطع فيها ، وليس اختلافاً في أدلة قطعية وقواعد ثابتة
إن أعظم ما يستمد أصول الفقه مادته منه هو قواعد لغوية ثابتة مستمدة من لغة العرب ودلالات ألفاظها وأساليبها تعين على فهم النصوص الشرعية من كتاب وسنة ثم استنباط الأحكام الشرعية من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت بلغة العرب .
فالعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والنص والظاهر والمجمل والمبين ودلالات الألفاظ من اقتضاء وإيماء ومفهوم وإشارة وحقيقة ومجاز وأمر ونهي قواعد منشؤها لغة العرب وكلامهم ، وهي وإن كان في بعضها خلاف بين علماء النحو واللغة فليس لنا إلاّ محاولة اختبار الراجح منها وبناء النصوص الشرعية عليها وطرح الأقوال الشاذة منها التي التزم بها أصحابها في بعض الأحيان لنصرة مذاهبهم الفقهية أو العقائدية وبذلك انقلب الأمر ، فبدلاً من أن يُعتمد في فهم النصوص الشرعية على قواعد اللغة أصبح يختار المذهب اللغوي ليوافق المذهب الفقهي أو العقدي ، فكون الزمخشري مثلاً معتـزلياً اختار أن ( لن ) تفيد التأبيد لكي يثبت عدم رؤية الله جل وعلا يوم القيامة ، وكون أبي على الفارسي حنفياً اختار أن الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع للأخيرة فقط ، ولهذا أمثلة كثيرة كما أنه يوجد من قواعد الأصول ما هو ثابت بأدلة قطعية كحجية القرآن والسنة الصحيحة والإجماع واستصحاب الحال .
وإنما نحتاج بالنسبة لهذه إلى النظر في بعض القضايا الجزئية كحجية القراءة الشاذة وما يحتج به وما لا يحتج به من الأخبار وإعادة النظر في بعض الشروط الموضوعة للاحتجاج بالأخبار ، وما ينعقد به الإجماع بما يتناسب مع حال هذا العصر من مستجدات سواء أكانت في وسائل الاتصال التي تهيأ الظروف لانعقاد الإجماع أو عدم وجود الحرية التّامة لأهل العلم في إبداء آرائهم ، ثم إعادة النظر في الضوابط الموضوعية لمن يقبل رأيه ومن لا يقبل .
وهذه القواعد الثابتة إذا عقمت عن إنتاج الأحكام الفقهية للقضايا المعاصرة لم يكن عقمها لحاجتها لإعادة النظر فيها بقدر حاجتها إلى إعادة النظر في أسلوب الكتب المؤلفة في أصول الفقه وطرق تدريسه فالعقم في ظني منشأه الأول هو طرق التدريس وطرق التأليف .
فالدارس لأصول الفقه لم يعطه الوقت الكافي والإخلاص التام والتجرد الكامل ، فضن بالوقت والجهد كما أنه لم يجرد النية ، فالسلف بارك الله لهم في وقتهم فلم تستغرق شئون حياتهم من طعام وشراب وسعي في طلب الرزق إلا جزءاً يسيراً من وقتهم والباقي قسموه بين مناجاتهم لبارئهم وطلبهم للعلم كما استعانوا بطيب مطعمهم وورعهم وحسن نيتهم على تحصيل العلوم فحصلت لهم علوم مثمرة أنتجت فقهاً سيّر دفة الحكم وشتى مناحي الحياة في دولة الإسلام التي كانت في يوم ما لا تغرب عنها الشمس .
وأغناهم ذلك عن استيراد الأنظمة والقوانين ، بل كانوا مصدراً من مصادر التشريع لكثير ممن جاورهم من أمم العالم .
وأما الكتب المؤلفة في هذا العلم فهي تهتم بذكر القاعدة الأصولية وتحاول الاستدلال على صحتها بالمنقول والمعقول ولا تهتم بحشد الفروع الفقهية التي بنيت على القاعدة وبيان كيفية ربطها بها ، كما لا تهتم بذكر فروع يمكن بناؤها عليها من واقع العصر الذي نعيشه ، بل ألفت كتبٌ أخرى اعتنت بربط الفروع بالقواعد وهي كتب تخريج الفروع على الأصول وهي قليلة وغير مستوعبة فلا تبل شوقاً ولا تشفي غليلا ، فلو كانت دراسة أصول الفقه جامعة بين إثبات القواعد ، وبيان ما يترب عليها من فروع في شتى أبواب الفقه كما هو الحال في كتب القواعد الفقهية لكان ذلك أجدى وأنفع وأكثر أثراً في بناء شخصية المجتهد فتتسع مداركه ويصفو ذهنه ويسمو فكره ويكون أقدر على إلحاق ما استجد من فروع في خضم هذه الحياة الصاخبة بالأموال والأعمال والمعاملات والعلاقات الفردية والأسرية والدولية والعالمية بالقواعد الثابتة .
وإنني أشاطر الدكتور حسن الترابي الرأي فيما ذهب إليه من الدعوة إلى تجريد أصول الفقه من بعض الأبحاث والمسائل التي لم تعد مثمرة كما لم تكن مثمرة في يوم من الأيام ، بل هي مسائل ومباحث ولدت وترعرعت في أكناف الترف العلمي يوم أن كانت ردهات قصور بعض الحكام والوزراء منتدى لرواد الفكر حيث تعقد المناظرات العلمية التي كان وقت العلماء يتسع لها وتلقى التشجيع والدعم من الأمراء والحكام فظهرت مسائل أصولية مبنية على أصول الاعتزال وقف علماء الإسلام منها موقف الناقد المبطل لها ووافق المعتـزلة في بعضها من أُعجب بحجاجهم ولجاجهم وانبهر بقوة منطقهم وبراعة استدلالهم ، ولا زلنا حتى يومنا هذا نقارع المعتـزلة ونقيم عليهم الحجج تلو الحجج ونسفه أحلامهم ونفند آراءهم دون أن نراهم فما أحرنا أن نجرد أصول الفقه من مثل هذه المسائل ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
أ- مسألة تكليف المعدوم .
ب- فعل المأمور به بكمال شرطه ووصفه هل يجزئ ويسقط القضاء .
ج- إنكار وجود الواجب المخير .
د- اشتراط إرادة الآمر حدوث الفعل المأمور به في الأمر .
هـ- حكم الأشياء قبل ورود الشرع وما يبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين .
و- النسخ قبل التمكن من الفعل .
ز- عدم جواز التكليف بما يعلم الله أن المكلف لا يتمكن منه .
كما يوجد كثير من البحوث والمسائل التي دخلت إلى أصول الفقه في عصور الترف العلمي وهي تقوم مقام التواريخ ولا يستفيد منها الأصولي شيئاً في استنباط الأحكام الشرعية ولا يترتب على النـزاع فيها ثمرة ومنها :
أ – البحث في مبدأ اللغات هل هو توقيفي أو اصطلاحي .
ب – هل كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يجتهد أو لم يكن له ذلك .
ولقد كان مما وضعه علماء الأمة الإسلامية من القواعد ما هو مبني على عمومات الشريعة وبالنظر إلى مقاصدها وأهدافها .
ولقد كانت هذه القواعد ملائمة للعصور التي وضعت فيها أو قريبة من الملاءمة ومن ذلك ما وضع من شروط وضوابط لحصول الإجماع. وهي منذ أزمان طويلة يصعب تحققها في الخارج ولذا ذهب نفر من العلماء إلى أنه لا يتصور وقوع الإجماع إلا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ويحق لهم أن يذهبوا لهذا الرأي لأن الشروط الموضوعة لانعقاده لا يتصور معها إلا ذلك و على هذا لم يعد الإجماع مصدراً من مصادر التشريع منذ عهد الصحابة إلى الآن ، مع أن واقع الفقهاء منذ زمن بعيد يستعملون كلمة الإجماع في كتبهم الفقهية في غير موضعها الاصطلاحي الذي دونت شروطه وضوابطه في كتب أصول الفقه فنجدهم يقولون : أجمع العلماء على كذا إلا فلانا مع أنهم ذكروا في كتب أصول الفقه أنه لا ينعقد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين ولذا لا بد لنا من أحد أمرين الأول منهما عدم تسمية ما خالف فيه الواحد والاثنان إجماعاً أو إلغاء هذا الشرط. أما أن تبقى هذه الشروط مدونة في كتب أصول الفقه ونبقى نطلقه على ما فيه خلاف يسير فهو من التناقض الذي لا بد من إيجاد مخرج منه .
كما أنه لا بد من تسخير الوسائل العصرية المتاحة وتذليلها لخدمة هذا الأصل وذلك بقيام كل دولة من دول الإسلام بحصر ما عندها من مجتهدين ومعرفتهم بأعيانهم للرجوع لأخذ رأيهم فيما يستجد للأمة من حوادث في حاجة لحكم الشرع .
فإن حصل الإجماع كان ذلك خدمة لهذا الأصل العظيم من أصول الشريعة وإن لم يحصل كان ذلك أيضاًَ خدمة لأصل آخر عظيم من أصول الشريعة ألا وهو الاجتهاد .ومن أعظم ما يحتاج إلى إعادة نظرٍ من مباحث أصول الفقه ما يتعلق بالاجتهاد وعلى الأخص شروط المجتهد ومن يجوز له الفتيا ومن لا يجوز له .
لقد وضع علماء الأمة شروطاً للمجتهد في العصور المفضلة التي كانت تعج بألوف من جهابذة العلماء ولذا وضعوا شروطاً يمكن تحققها في آلاف العلماء في زمانهم ولكن من العسير تحققها في علماء هذه الأزمان فنتج عن هذا أن الشروط التي دونت في الكتب أصبحت معطلة لأنه يصعب تحققها في الواقع ولذا كان من الواجب التنازل عن بعض هذه الشروط وخاصة وأنها اجتهادية لا نص عليها كما أنه يحسن إضافة غيرها مما يتلاءم مع واقعنا مما استجد في حياتنا من تكنولوجيا حديثة تخدم هذا المصدر العظيم من مصادر التشريع .
في عهد الصحابة والتابعين كان يطاف بالفتوى على الجمع منهم أياماً كل يحيل على غيره تورعاً وخوفاً من أن تزل الأقدام بعد ثبوتها وتعظيماً لشرع الله واستشعاراً لعظم المسؤولية مع كثرة من تتوفر شروط الاجتهاد فيهم وكان سادة العلماء يُضربون ويسجنون على قبول القضاء فلا يستجيبون – وهم أهل لذلك – لأن الأمر غير متعين فيهم حيث يوجد من يكفيهم المؤنة ويسقط به الفرض الكفائي . ثم تغير الحال وأصبح في المجتهدين قلة فتصدى للاجتهاد من لا يعرف من أمر الشرع إلا رسمه وليس له من الاجتهاد إلا اسمه ، فلا يكاد تطرح قضية تحتاج إلى حكم الشرع فيها إلا وكثرت الدلاء ممن خلت قلوبهم من الإيمان وعقولهم من العلم فلم يعفروا جباههم تذللاً لله ولا عمروا قلوبهم بكلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فارتقوا منـزلة ليست لهم .
ومنذ عصور غابرة ظهر اهتمام بعض علماء الشريعة بفن من فنونها دون فن مع حصوله على قاعدة مشتركة بينها ، فقامت صيحات تدعو إلى أن الاجتهاد محصور فيمن ينتسب للفقه من علماء الأمة وقامت أخرى تدعو إلى أن الاجتهاد محصور فيمن ينتسب لأصول الفقه ، وادعى علماء الكلام أنهم فرسان الاجتهاد وأهله لمالهم من طول باع في المناظرات والجدل والحجاج .
ونحن في هذه الأيام تغير حالنا وأسلوب تعليمنا فانتشر التخصص بأحد علوم الشريعة بعد الشمول والعموم ، وانطلق طلاب العلم من التقليد الذي ضرب على الأمة عصوراً طويلة ، وأصبحت القدرة عند طالب العلم على سبر الأمور ومعرفة غورها وموازنة الآراء ومقابلتها ، أرى أنه بناء على ذلك لا بد من إعادة النظر في وضع ضوابط الاجتهاد وشروطه بما يتناسب والواقع الجديد الذي أصبحت شروط الاجتهاد التي وضعت قديماً يتعذر توفرها في شخص واحد ، بل يمكن توفر بعضها في شخص وبعضها الآخر في شخص آخر وقد بدأت تلوح في الأفق الآن ظاهرة أخرى جديرة بالدراسة وهي تخصص بعض أهل العلم في باب من أبواب الفقه يحيط بكل ما فيه من نصوص شرعية وفتاوى سابقة ويبحث عن كل ما استجد فيه من أنواع وصور لم تكن في عصور الأمة السابقة فيحصر همه وجهده فيما يتعلق به لأن الهمم قد كلَّت عن الإحاطة بجميع علوم الشريعة وأبوابها وفصولها من الشخص الواحد ، ولذا قد يكون هذا حلاً له وجاهته إن لم تظهر له سلبيات .
ومن الأمور المطروحة في ميدان الاجتهاد (الاجتهاد الجماعي) خاصة ونحن في عصر سَهُلَ فيه الالتقاء بما أنعم الله به على البشرية من وسائل اتصال وانتقال ينبغي تسخيرها لشرع الله .
فلا بد من وضع الضوابط والشروط لذلك ومن يُسمع قولُه ومن لا يُسمع قولُه في ذلك ، فلا يكون الباب مفتوحاً على مصراعيه لكل من هب ودب من أنصاف المتعلمين والمارقين من الدين الذين لا يعظمون شعائر الله ، وليس من حرية الفكر الذي يلوح بأعلامها دعاة الحرية أن يتولى إصدار الأحكام الشرعية من لا يكاد يقيم لسانه بفاتحة الكتاب فيفتي بشيء رآه في كتاب لا يدري قَصْدَ قائله ولا يعرف دليله ، وقد يروي المنفي مثبتاً والمثبت منفياً فيعبر عن الشيء بضده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وإنني أشاطر الأخ الدكتور حسن في دعوته للاجتهاد الجماعي لأن النظر الجماعي أسد والنتيجة فيه أحكم وأقرب للصواب والحق ، بخاصة إذا خضعت الآراء للنقاش والمناظرات بهدف الوصول للحق لا لنصرة المذهب والرأي ، كما أن هذا النقاش يؤدي إلى تقارب الآراء وتضييق هوة النـزاع والاختلاف إذا خلصت النية ونبل الهدف والآراء لا يظهر لقائليها زيفها إلا إذا عرضت على الآخرين .
كما أنني أشاطره فيما دعا إليه من تدخل ولي أمر المسلمين بإلـزام جماعة المسلمين بما رجح من الأقوال بعد النظر والنقاش في أبواب المعاملات بخاصة لأنه لا يقطع الشغب إلا هذا ، ولو ترك كل قاضٍ وما توصل إليه أصبح الناس في شغب وفوضى كل يريد أن يتحاكم إلى القاضي الذي يظن أن حكمه يوافق مصلحته ،وهذا بشرط أن يكون مَن ولي أمر المسلمين ممن كان هواه تبعاً لما ورد عن الله سبحانه ، وأما أمور العبادات وعلاقة الناس بربهم فكل يتعبد الله بما رجح عنده ولذا حرَّم العلماء على المجتهد تقليد مجتهد آخر ويجب عليه العمل بموجب اجتهاده إلاَّ إذا كان للأمر التعبدي دليل واضح ويترتب على مخالفته مفسدة كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في توعد من يخالف العمل بحديث التقاء الختانين الذي روته عائشة ومن يقول بمتعة الحج ومتعة النساء .
وقد يكون مما يحتاج إلى النظر ما يجرح به الشاهد والراوي مما ذكر في كتب المتقدمين من الأصوليين مما هو مأخوذ من العرف ولم يرد فيه نص وخاصة وأن الأعراف تتغير وتتبدل فما كان جارحاً عند قوم لا يكون جارحاً عند آخرين .
وأما ما دعا إليه الأخ الدكتور حسن من العمل بالقياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها له مناطقة الإغريق وتلقفها علماء أصول الفقه فإنني لا أوافقه على هذه الدعوة لأن القياس الفقهي يختلف تمام الاختلاف عن المنطق الصوري ولا يمت له بصلة لا في ماهيته ولا شروطه وأركانه فالمنطق الصوري مبني على إدراج جزئي تحت كلي وهم يدعون أن نتائجه قطعية إذا رتبت المقدمات ترتيباً صحيحاً لا يمكن أن تختلف النتيجة فيه .وأما القياس الفقهي فهو مبني على إلحاق فرع بأصل يوجد له حكم ثابت لوجود وصف جامع بينهما يسمى العلة وهو ظني النتيجة إلاَّ إذا كان الفرع في معنى الأصل تماماً .
وما وضعه علماء الأصول له من شروط وأركان وقوادح فإنها مرنة جداً يستطيع أن يتعامل معها كل مجتهد بما يتناسب مع مذهبه من التوسع في التطبيق أو عدم التوسع ،والذي يخشى من تقليل ضوابطه وشروطه أضعاف أضعاف ما يخشى من الضوابط والشروط الموضوعة ، فتجريده من القيود والشروط كلاً أو جزءاً عاقبته وخيمة قد تتخذ ذريعة للمروق من الدين أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك .
وقد بنى الأخ الدكتور حسن على قاعدة استصحاب حال البراءة الأصلية وأن الأصل في الأفعال الحل أن كل ما تطوقه المؤمن يقصد به وجه الله عبادة مقبولة ص 28 فقد يكون لهذه العبارة محملاً صحيحاً ولكن الناس قد تتعلق بظواهر الألفاظ وتستعمل العموم الذي فيها وإن لم يكن مقصوداً لقائله فقد تُوهم هذه العبارة أن الأمر على إطلاقه فيجد الصوفي في العبارة ما يبرر ما استحدثه من عبادات لم يقم عليها دليل شرعي ولذا أحببت أن أنبه أن هذا العموم مقيد في العبادات بقيود كقوله صلى الله عليه وسلم : ( إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ولقوله للنفر الثلاثة الذين استقالّوا عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من رغب عن سنتي فليس مني ) وغير هذه كثير .
ولكل ما ذكر فإنني أرى أن الدعوة إلى تطوير أصول الفقه دعوة جديرة بأن يتلقاها علماء الأمة وعلى الأخص المختصون في أصول الفقه بالترحاب والتفكير الجدي والتخطيط المثمر للشروع في هذا العمل بعد عقد المناظرات والندوات لتظهر جوانب الموضوع وتتضح الرؤيا ، وخيار الأمر دائماً الاعتدال فلا تقوقع ولا جمود يجعل التشريع متخلفاً وعاجزاً عن مسايرة ركب الحياة المتجدد ، ولا تهور ولا تحلل يؤدي إلى المروق من الدين فخير الأمور أوسطها ، قال تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) .
اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وألهمنا رشدنا ، ويسر لهذه الأمة من يُحكمِّ فيها كتابك وسنة نبيك ويسلك بها مسلك الخلافة الراشدة إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات