النظريات العلمية الحديثة هل غيرت قوانين المنطق؟

يقول بعضهم ان قانون عدم اجتماع النقيضين قد يبدو بديهيا ولكن اذا عرضت كلامك على عالم فيزياء حديثة فلن يوافقك عل ذلك وسيقول ان قوانين الكوانتوم تقول بأن الجزيء ممكن ان يكون في مكانين في الوقت نفسه او على الاقل لا نستطيع ان نتحقق ونثبت مكان وجوده. بالطبع قوانين نيوتن في الحتمية تظل مطبقة على نطاق العالم المرئي ولكنها تفقد قيمتها في عالم الجزيئات.

الجواب: محور السؤال المطروح هل غير العلم في قوانين المنطق الفطرية؟ هذه القضية معقدة ومن لا يستوعب الامور الفلسفية فباستطاعته ان يتجاهلها ولكننا نعرضها فقط للرد على من يثير الشبهات في وجه الدين متسلحا بالعلم الحديث. وقبل ان نبدأ في الجواب دعونا نستعرض وبسرعة بعض القوانين العلمية الحديثة: مثل قانون النسبية وقانون ميكانيك الكوانتيك:

النسبية: اكتشف اينشتاين ان الزمن ليس مفهوما مطلقا بل هو نسبي يتوقف على سرعة الشيء المتحرك واثبت هذا الامر في عدة تجارب مخبرية منها ان تضاعف مدة حياة بعض الجزيئات اذا اطلقت بسرعة قريبة من سرعة الضوء. وقد اعطى مثالا وهميا ليقرب لنا هذه الحقيقة الى الاذهان في مسألة التوأم الشهيرة فقال : لو وجد توأمان بقي احدهما على الارض في حين سافر الثاني بسرعة قريبة من سرعة الضوء الى الفضاء ثم عاد الى الارض فسيجد الاخ الذي بقي على الارض نفسه اكبر بكثير من الذي سافر في الفضاء ذلك لأن الزمن يتباطأ مع زيادة السرعة. طبعا هذا الامر نظري لأن الانسان لا يستطيع ان يصل الى سرعة قريبة من سرعة الضوء.

ميكانيك الكوانتوم:اكتشف العلماء في القرن الماضي ان الضوء يتصرف كموجة بينما يتصرف الالكترون كجزيء ولكن العلم الحديث اكتشف بأن الضوء ممكن ان يتصرف كجزيء في بعض الاحيان وان الالكترون ممكن ان يتصرف كموجة. وما يثير الاستغراب بأنك لا تستطيع ان تعرف حقيقة وماهية الالكترون او الضوء فهو يغير تصرفه حسب الطريقة التي تنظر بها اليه. واية تجربة مخبرية لقياس واختبار الضوء او الالكترونات ستغير من طبيعتها الاصلية المجهولة لتجعلها تتصرف تحت اطار أحد هذين الاتجاهين. ومن هنا يصح ما قاله الاخ محمد بأن العلماء خرجوا بنظرية بأن الالكترون والضوء هما موجة وجزيء في الوقت نفسه او باننا على الاقل لا نستطيع ان نعرف ماهيتهما الاصلية بدون ان نغيرها. وبالمثل تتحدث هذه النظرية انك لا تستطيع ان تحدد سرعة الجزيء وموقعه في نفس الوقت فإذا حددت موقعه اثرت على سرعته فإصبحت مجهولة واذا قمت بالعكس يصبح موقعه مجهولا. والمثير في هذه النظرية بأن العلم اثبت ان هذا الغموض لا يمكن حله مهما تطورت آلات القياس لأن هناك قانونا رياضيا يحكم هذا العجز وهو قانون هايزنبرغ. وكما في قصة التوأم يقرب العلماء هذه النظرية الى الاذهان بطرحهم قضية "قطة شرودنغر" التي تكون ميتة وحية في نفس الوقت و يقولون لنفترض ان هناك علبة مغلقة بداخلها ذرة لها احتمال خمسون بالمائة كي تفنى ويينتج عن فنائها اطلاق الكترون قادر على تشغيل جهاز يكسر زجاجة من السم القاتل. حسب مبادىء الكوانتوم فإننا لا نستطيع ان نعرف نتائج التجربة دون ان نؤثر عليها فأي وسيلة لمراقبة الجزيئات ستغير من تصرفها وبالتالي فإن قانون الاحتمال المفروض على الذرة سيعمم على القطة في داخل العلبة بحيث تصبح حياتها نفسها احتماليا ايضا فهي اذا حية وميتة في نفس الوقت.

موقف الإيمان من النسبية

هل تشكل نظرية النسبية حجة للالحاد ضد الايمان بالله؟ على العكس تماما فإن احدى القضايا التي كانت تحير عقول الفلاسفة هي قضية زمن الترك فحسب قولهم "لو لم يكن العالم ازليا فمعناه ان الله انتظر زمنا لا متناهيا حتى خلق الكون وهذا مستحيل" وهنا رد عليهم الغزالي بحجة مفحمة فقال "قبل خلق الكون لم يكن هناك زمان فليس الزمان مطلقا انما هو خاصية للذات المتغيرة. كما ان الله عز وجل لا يتغير ولا يتبدل فلا يحتاج للزمن ولا يحكمه الزمن. فقضيتكم خاسرة من الاتجاهين" وبقي هذا الكلام مطمورا في دفاتر التاريخ حتى جاء انشتاين واثبت هذا الامر علميا وليس منطقيا فقط.

موقف الايمان من ميكانيك الكوانتوم

هل ينفي ميكانيك الكوانتوم وجود قانون السببية او عدم جواز اجتماع النقيضين؟ من المستحيل ان يأتي قانون علمي وينقض هذه الامور المعروفة بالفطرة لأن كل التفكير البشري قائم عليها فمن ينفي قانون السببية معناه انه تخلى عن المنطق ومعناه انه يحرم عليه استعمال كلمة "اذن" او "لذلك" ويحرم عليه ان يقول أي "استنتاج" او ان يخلص الى أي نتيجة او يبرهن أي شيء ومعناه انه غرق في السفسطة. والرد على السفسطة من ابسط ما يكون كما يقول المفتي الجسر في كتاب قصة الايمان" طالما ان المعرفة عندكم مستحيلة فكيف عرفتم انها مستحيلة؟؟؟ وكيف عرفتم ان القضايا الاولية غير مبرهنة؟ اليست هذه الامور من المعارف؟؟؟

وغاية ما في الامر ان ما قد يبدو لنا متناقضا في بعض الاحيان لا يكون كذلك لأن هناك معرفة اساسية غابت عن اذهاننا تستطيع ان تحول الامر الى ثلاث احتمالات بدلا من اثنين. وهاكم عدد من الامثلة: يقول الله عز وجل : "إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا"  وفي هذا القول شبهة تناقض ولكن التناقض يرفع حينما نعلم ان المقصود من قوله تعالى "انه لا يموت فيرتاح وفي الوقت نفسه حياته عذاب دائم لدرجة انه لا يستحق ان يقال عن حياته التعسة حياة". مثال آخر لنعتبر ان شخصا ما اتى وقال: "ان هذا الحصان ابيض واسود" فإن عرفناه جادا ادركنا انه من الممكن ان يكون الحصان رماديا او من الممكن ان يكون ابيضا ومبقعا بالاسود..." مثال ثالث : لنفترض بأن كائنات معينة لا تستوعب فكرة الزمن وجاء واحد منهم فأخبر صديقه بأن فلانا حي ثم جاء بعد ساعة واخبره بأن فلانا ميت. فإن كان هؤلاء القوم يفكرون بمنطق سيكتشفون ان الحل الوحيد للخروج من التناقض هو اضافة بعد جديد الى عالمهم وهو عامل الزمن. وهذا تماما ما تقوله نظرية الكوانتوم فتفترض بعدا جديدا يكون فيه الاحتمال الآخر قائما والمراقب (أي البشر) لا يرى الا واحدا من هذين الاحتمالين فقط. لذلك وتعليقا على ما قلته في رسالتك "العلم يقول بأن الشي ممكن ان يكون الشيء ونقيضه في الوقت نفسه  أو بأننا  لا نستطيع ان نجزم بحقيقة الشيء" اقول بأن العلم لم يقل بأن الشيء ممكن ان يكون هو ونقيضه في نفس الوقت وسكت بل زاد بعدا غير معروف لنا وله على القضية لحل هذا الاشكال وهذا العامل الاضافي لا نستطيع ان ندرك كنهه لا الآن ولا في المستقبل لأن عجزنا عن فك كنه الاشياء عجز مبدأي مبرهن عليه رياضيا فنحن لا نستطيع ان ندرك ماهية الاشياء بدون التدخل فيها. فهي تحتوي على سر منعنا الله من الوصول اليه لأنها من امره الذي اختص بعلمه وحده ولأن علم الانسان قليل لا يمكن ان يحيط بكل علم الله مصداقا لقوله تعالى "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".والروح كما يقول العلماء سر وضعه الله في مخلوقاته كي تعمل حسب مشيئته. وفي القرآن الكريم دلائل عدة على ان الله يعرف ما لم يكن كيف كان سيكون لو كان فقد وسع علمه كل شيء وهذا هو الخضر عليه السلام يعرف بوحي من الله ان الغلام لو كبر سيكفر ويعذب والديه  وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يقول "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن". فبعد كل هذا الكلام هل نرى الكوانتيك متناقضة مع وجود الله ام برهان آخر على وجوده يثبت لنا ان معرفة الانسان قاصرة مهما تطورت وسائل العلم وان الله وضع للاشياء حقائق لا تدركها معارف البشر وان لله في علمه امور اشمل مما كان ومما سيكون فهو يعلم ما لو لم يكن كيف كان سيكون لو كان.

وفي الختام انا ذكرت هذه الحقائق على وجه الاستئناس لا البرهان لأن النسبية والكوانتيك تفسير للواقع الموجود وليست بحقائق مسلمة وخاصة على صعيد الفلسفة فهي ما زالت في حكم الفرضيات ومن يدري فقد تأتي نظرية اشمل منهما توحدهما معا وتأتي بفلسفة اقرب للفهم وهذا على ما اعتقد حلم العلماء اليوم "توحيد كل النظريات العلمية في نظرية موحدة وشاملة". وكلامنا عن العلم والله هو المحور الاساسي في الحوار مع الملحدين لأنهم لا يتكلمون اليوم بالمنطق والعقل بل بقوانين العلم من نحو بأن الكون خلق صدفة وبأن الحياة وجدت من المادة وتطورت حتى اصبحت مخلوقات بسيطة حسب قوانين داروين في التطور والارتقاء الى ان تحولت الى كائن ذكي هو الانسان.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة