الموضوعية في الإسلام

 

تُعبِّر الموضوعية عن إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوبها أهواء أو مصالح أو تحيزات، أي تستند الأحكام إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل، وبعبارة أخرى تعني الموضوعية الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجودًا ماديًا خارجيًا في الواقع، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المدركة) إدراكًا كاملاً.  

والمتأمل في كثير من الأطروحات على الساحة الفكرية والسياسية في العالم يلحظ غياب منهج الموضوعية تماما ، ويلمس تحيز كل كاتب أو مفكر إلى رؤاه الشخصية أو ( شخصنة الأفكار ) مستندا في ذلك على الأيديولوجية أو المرجعية الفكرية والعقيدة السياسية التي يؤمن بها .. مما يضيع عليه فرصة قبول الآراء الصائبة عند الآخرين المخالفين له ، ولو كانت حقائق ثابتة علمية كانت أو دينية ، ويشوش على المتلقين ..

فهل عرفت الثقافة الإسلامية الموضوعية وهل تعتبر الموضوعية قيمة من قيم البحث العلمي والفكري والعقلي في الإسلام ؟ رغم اتفاقي المسبق مع أن مصطلح الموضوعية ربما كان مصطلحا مستحدثا ، إلا أن مكونات الموضوعية تعتبر قيما أصيلة في الإسلام

1 – عدم التعميم :

" لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ " (آل عمران113) (ليسوا) أي أهل الكتاب (سواء) مستوين (من أهل الكتاب أمة قائمة) مستقيمة ثابتة على الحق كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وعن أصحابه (يتلون آيات الله آناء الليل) أي في ساعاته (وهم يسجدون) يصلون ، حال.  يقول ابن كثير في تفسير الآية بعدما عرض لأقوال الصحابة فيها: ليسوا كلهم على حد سواء فمنهم المؤمن ومنهم المجرم. " وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً " (آل عمران75).  تكرر قوله تعالى في أهل الكتاب (فريق منهم) ، وكذلك تكرر قوله تعالى : طائفة  " وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ" (النساء113)، " وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ " (آل عمران69 )

2 – الدقة في التصنيف وعدم وضع الأخر كله في سلة واحدة.

 فالله تعالى صنف غير المسلمين في أكثر من آية وفي أكثر من مناسبة: فغير المسلمين يصنفون بين أهل الكتاب وهم يهود ونصارى ومنهم مشركون، والصابئين، والكافرين، وهناك فصيل آخر أو صنف آخر وهم المنافقين ولم يصفهم الله تعالى بالكافرين، وإن وصف أعمالهم بالكفر، وإن اشتركوا في المصير في الآخرة ، فإن معاملتهم في الدنيا تختلف بحسب تصنيفهم وأنواعهم، فالآخر غير المسلم ليس كله سواء وليس من معنا فهو ضدنا .. ولكن دقة التصنيف وما يترتب عليها من خلافات في المعاملة تصل إلى حد التزاوج والمصاهرة مع بعض هذا الآخر – وهي علاقات اجتماعية شديدة الحميمية – وإباحة الاختلاط به وبره " أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ " (الممتحنة8)، وطعامهم وشرابهم حلال، ومنهم من يحق له عقد أمان، ومنهم من هو حربي مقاتل وعدو صريح ..

3 – الإنصاف والعدل :

"وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" (المائدة8 ) "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ" (النساء 58)

4 - قول الحق (المصداقية) :

  " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ " (النساء 135 )

5 – التجرد عن الهوى والميول النفسية والقضايا الظنية:

" فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدلوا " (النساء135) "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ " (ص26)،  " وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ " (البقرة120 ) " بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ " (الروم29) " وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً" (النجم28)

6 - التثبت والتوثيق وعدم الانجراف وراء الأقاويل المرسلة والشائعات:

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " (الحجرات 6)، وفي تفسير القرطبي أن حمزة والكسائي قرءاها ( فتثبتوا ) من التثبت ، قال قتادة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : التثبت من الله ، والعجلة من الشيطان ( بن كثير ) ، ويقول بن كثير في تفسير الآية : ومن هنا امتنع طوائف من العلماء عن قبول رواية مجهول الحال ، والمسلمون وضعوا منهج التوثيق العلمي في قبول الروايات وبالتالي توثيق العلم ووضعوا فيمن تقبل الرواية عنهم شروطا منها : العدل وهي الأمانة في الدين ، الضبط وهو كمال العقل وسلامته ، وتمام الحفظ حتى لا يتوهم أو يخطئ في النقل ، واتصال الرواة أي الاتصال والتلقي ، والدقة في القول : سمعت أو رأيت أو قال رسول الله ، وكلها شروط للتوثيق والأمانة العلمية والدقة ، ومن ذلك جاء تعريف الحديث الصحيح : هو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط تام الحفظ عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ أو علة .

7 – مبدأ نسبية الصواب وتعدد أوجهه مع ثبات الحق ، فالحق ثابت والصواب متعدد :

ومن ذلك قول الإمام مالك : قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب ، وهذه الجملة تعتبر قاعدة من أهم قواعد الاجتهاد الفكري ، فقالها إمام من أئمة الاجتهاد عند المسلمين وهو يميز بمنتهى الدقة بين الحق وهو المصطلح الأكثر شيوعا في الثقافة الإسلامية – لاسيما في عصره – لذيوعه في القرآن والسنة ، وبين مصطلح الصواب باعتبار اختلاف المصطلحين ، فالحق ثابت لا يتعدد ، والصواب نسبي ، وإن أي متأمل لهذه القاعدة يعلم من هو مؤسس نظرية النسبية ، ولاشك أن الفكر والإبداع هو في النهاية اجتهاد عقل بشري وهو قابل الصواب والخطأ ، وهذه النظرية وحدها كفيلة بهدم التعصب المقيت والتحيز الأعمى ، وتدعو إلى الموضوعية بمفهومها العام ..

مع ملاحظة ترابط وتماسك وتشابك تلك القيم فكل قيمة مترابطة بالأخرى وتؤدي إليها، وقد جمعت آيات القرآن الكريم بين أكثر من قيمة بشكل متداخل مثل

العدل المصداقية قول الحق ولو على النفس والأقربين التجرد عن تحقيق المصلحة الشخصية-غنيا أو فقيرا النهي عن إتباع الهوى

في أية واحده هي قوله تعالى :  " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً " (النساء135)

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة