المعاملات في الإسلام

نشأ مصطلح المعاملات مع نشأة الفقه الإسلامي ليدل على الأحكام التي نص عليها الشارع في تنظيم الصلات بين المسلم ونفسه. وبينه وبين غيره أفراداً أو جماعات وبيان ما ينطبق عليها

 والمعاملات أوسع الأقسام التي يشملها مفهوم الإسلام، لأن العقيدة والعبادات محدودة فيه، لعدم جواز الزيادة أو النقص فيهما بقياس أو اقتباس أو غيرهما، والأمر ليس كذلك في المعاملات وأحكامها لأنها قابلة للزيادة بطرائق الاجتهاد المختلفة من قياس واستحسان وترجيح للمصلحة العامة أو الخاصة.

 وعلاقة الإنسان بنفسه وبغيره من مخلوقات الله متطورة زماناً ومكاناً. وهذه العلاقات تكاد تكون مستقرة في المجتمعات البدائية ما دامت في طور السكون، فإذا تطورت ودخلت طور المدنية والحضارة بتعقيداتهما وتشعباتهما ازدادت معاملاتها تعقيداً وتشعباً، وهذا ما عرفه الفقه الإسلامي في تاريخه منذ عصر الرسالة إلى اليوم.

 إن الإسلام ينظر إلى الفرد عضواً في جماعة، وأنه كائن اجتماعي، أي أنه محتاج إلى غيره في جميع مراحل حياته، والجماعة التي هو عضو فيها بحاجة إليه أيضاً، فلا يكون ثمة وجود لها من غير أفرادها، ولا يمكنها أن تنمو وتتكاثر وتعلو وتتقدم إلا بجهودهم الفكرية والمادية، فلا بد من تنظيم الصلات بين الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه، وهذا ما جاء به الإسلام، فقد حرم منذ البداية قتل الإنسان نَفْسَه أو قتل غيره إلا بحق، وأوجب التضامن والتكافل بين المسلمين في السراء والضراء، والتواصي بالحق والمرحمة فيما بينهم ومع غيرهم أيضاً، وحرم الاعتداء على الأعراض، والاعتداء على الأموال، وأوجب اللين وحسن المعاشرة للوالدين والأقربين والجوار، وأوجب الإنفاق على الوالدين وإيثارهما والإنفاق على الزوجة والأبناء والأقارب والجوار المحتاجين واليتامى والمساكين وأبناء السبيل والغارمين.

 ومنذ أن أقام الإسلام دولته ومجتمعه في المدينة المنورة أضاف إلى ما سبق معاملات جديدة، فشرّع قتال من يعتدي على المسلمين ومنع المسلمين من الاعتداء، لقوله تعالى: )وقَاتِلوا في سَبِيلِ اللّهِ الّذيَن يُقاتِلُونَكُم وَلا تَعْتَدوا، إن اللَّهَ لا يُحِبّ المُعْتَديِن( (البقرة 190)، وأُنزلت آيات كثيرة أبانت حالات قتال المشركين والكفار، وشروط هذا القتال، وشروط المهادنة والسلم والمعاهدات ومعاملة الأسرى وفدائهم، مما هو مفصل في كتب الفقه. كما شرع الإسلام أحكام المعاملات التجارية والمدنية كالبيع والشراء والمداينة، والإيجار والاستئجار، وما تنتجه الأرض وأحكام الجوائح، وأحكام الزواج والطلاق والعدة والحضانة، وأحكام العقود وشروط صحتها وبطلانها، والنيابة فيها كالتوكيل والقوامة والولاية وغيرها مما لا يتسع له في المجال.

 وأحاط الإسلام المعاملات وأحكامها بمؤيدات يدخل بعضها في صميم العقيدة الإسلامية، فالجزاء عند الله دنيوي وأخروي، والجزاء الدنيوي بيّنه الله في الحدود التي سنها للناس، أما الجزاء الأخروي فهو التأكيد أن الله سيحاسب الناس على تصرفاتهم يوم الحساب إن خيراً فخير وإن شراً فشر، قال  الله تعالى: )فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، ومَنْ يَعْمَل مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ( (الزلزلة 7-8).

 ولهذه المسألة كذلك علاقة بالأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وبالأوامر والنواهي المبينة في القرآن الكريم.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة