المسؤولية الفردية في الاسلام

ذهبت طالبة شابة من جامعة فرانكفورت تقول لمدير الجامعة مستنجدة إن والديها يهددانها بالطرد، ولما سألها عن السبب أجابت: لأنها ستضع مولودا. وقالت : إنها لا تعلم اسم أو شخصية والده، لأنه كان يرتدي قناعا حيث أنها ارتكبت الفاحشة فيأيام الكرنفال أو الناشنج، وهذه الحادثة ليست إلا قصة صغيرة تقع أمثالها عشرات الألوف كل سنة في بلاد الإباحية التي أحيت تقاليد الدعارة الجماعية تحت ستار التطور والتحرر. فكانت أعياد الكرنفال أو الناشنج التي تستمر ثلالة أيام وفيها تباح كل الأعراض والحرمات،بل إنه من المخالف لاداب التقاليد أن تسير فتاة مع صديقها هذه الليلة أو تسهر زوجة بجانب زوجها. وأيام الإباحة الثلاثة تبدأ رسميا في الدقيقة 11 من الساعة 11 من اليوم 11 من الشهر 11 من كل سنة مع تفاوت بسيط في مواعيدها بين مدينة وأخرى، وفي أثناء هذه المهرجانات بهذه المناسبة تتعرى النساء من كل شيء تقريبا وهن يختلطن بالرجال حيث تجري الدعارة الجماعية ومن دون أن يعرف كل رجل ما اسم هذه التي يرافقها ومن دون أن تعرفه هي ايضا، لأن الجميع يحرصون على ارتداء الأقنعة، وفلسفة الألمان فى هذه الأعياد هي أن من حق البشر أن يخطئوا، لأنهمإذا لم يخطئوا فسيرتفعون إلى مستوى الالهة، وهذا غير معقول وأن خطاياهم ستغفر لهم حتما لأن المسيح قد دفع الثمن وصلب من أجلهم، وهم يرددون هذه الفلسفة في صحفهم ومجالسهم وفي كل مكان.

هذه ثمرة من ثمرات الفكر النصرانية التي تقول: إن الإنسان خاطىء منذ ولادته، لأن أباه آدم قد ارتكب الخطيئة، وأن المسيح عليه السلام صلب حسب زعمهم حتى يكفر عن البشر خطاياهم فهو قد تحمل خطايا البشر. وهذه الفكرة معناها أن الإنسان مسؤول عن أعمال غيره، وغيره مسؤول عن أعماله، وبين هذا وهذا تضيع المسؤولية الفردية التي يحس بها الإنسان انه مسؤول عن أعماله فقط. صغيرها وكبيرها، وليس مسؤولا عن عمل غيره بتاتا. ويترتب على الفكرة الأولى ناحيتان خطيرتان:

 الأولى: أن الإنسان غير طاهر القلب والنفس منذ نشأته بسبب وراثته الخطيئة وهذا يؤثر تأثيرا سيئا في نظرته لنفسه من حيث إنهكما ورث الخطيئة ولم يخطف، فسيعتمد على غيره في حمل خطاياه عنه .

الثانية: انه ما دام غيره مسؤولا عن ذنوبه فأنه لن يبالي بهذه الذنوب. وعندئذ تملأ الخطيئة الارض، وادرس ما يحدث في كنائس امريكا وبريطانيا وغيرهما بالذات تجد مقدار اللامبالاة في الخطيئة. وهذا اكثر الاديان اتباعا الآن في العالم.

وتوجد عند البراهمة والبوذيين والجينيين وهي ديانات لها اتباعها الكثر في العالم عقيدة شبيهة من حيث سلب مسؤولية الانسان الفردية بالديانة النصرانية. هذه العقيدة هي عقيدة تناسخ الأرواح، وخلاصة هذه العقيدة أن الروح بعدما تفارق جسدا في هذه الدنيا تنتقل إلى جسد اخر في هذه الدنيا نفسها ولا يكون هذا الجسد الثاني أو القالب الثاني بكلمة أصح إلا متفقا مع الحياة التي قد أعدها الإنسان لنفسه بأعماله وأفكاره وميوله وعواطفه فى حياته الأول. فإن كانت أعماله وأفكاره وميوله وعواطفه سيئة ولتأثيرها قد حدثت فيه مؤهلات واستعدادات سيئة، فإن روحه ستننقل إلى طبقة مبتذلة من طبقات الحيوانات أو النباتات، وأما إن كانت أعماله وأفكاره وميوله وعواطفه صالحة ولتأثيرها قد حدثت فيه مؤهلات واستعدادات صالحة، فإن روحه سترتقي إلى طبقة من الطبقات العليا. هذه العقيدة مقتضاها أني أنا الإنسان الحالى، إنسان بهذا الوضع نتيجة لسلوك غيري، وحصيلة لسلسلة طويلة من أعمال مخلوقات تبلى، وهذه المخلوقات السابقة على، هي أنا وأنا بأعمالى الحاضرة سأكون بالتالي نباتا أو حيوانا أو إنسانا.

فماذا ينتج عن هذه العقيدة؟

1- سينتج عن هذه العقيدة شعور لدى الإنسان بان الحيوان والنبات والإنسان سواء في ميزان الوجود، إذ الحيوان كان إنسانا والنبات كان حيوانا. ويترتب على هذا ألا يجوز إيذاء النبات والحيوان والإنسان، حتى ولو آذاني الإنسان، وعندنذ فإن أمة من هذا النوع تعتقد مثل هذه العقيدة معرضة للفناء والحرمان والاضمحلال، ومثل هذه العقيدة ليست صالحة ولذلك فإن أهلها يعيشون مشتتين بين واقعهم الذين يعملون، وعقيدتهم التي يعتقدون.

2- كما ينتج عن هذه العقيدة رهبانية مميتة عمليا، إذ أن أهل هذه العقيدة يعتقدون أن الشهوة هي أصل كل فساد فى الأرض وهي التي تلوث الروح بالذنوب والاثام، ولأجلها تنتقل الروح من قالب إلى قالب وتذوق وبال أمرها مرة بعد مرة. فالإنسان إذا أودى بها، وقضى عليها، ولم يشغل نفسه بمشاغل الدنيا وشواغبها وشؤونها الخلابة، أن يأمن على نفسه الافتتان والاسترسال وراء شهواتها وملاهيها. والنتيجة اللازمة لذلك – يقولون – إن من اراد لنفسه الخلاص من دورة التناسخ فعليه ان ينعزل عن الدنيا، ولا يسكن الا في الغابات، ورؤوس الجبال وكهوفها، وان من لم يفعل ذلك فعليه أن ييأس من الخلاص من دورة التناسخ، ويستعد للانضمام الى طبقات الحيوانات والنباتات.

3- ولما كانت الفكرة الأولى والثانية غير عمليتين. فالناس نتيجة لذلك إما أن يسلكوا الطريق المرسوم للخلاص من دورة التناسخ بزعمهم فعنف البشربة كلها لو سلكت هذا الطريق . وأما إنسان لن يمشي في هذا الطريق وهو بالتالى لا يبالى لأنه ليس مسؤولا عن حاضره ولا يهمه مستقبله. ويظهر انعدام المسؤولية الفردية عند البشرية بصورة أخرى؟ كلها غير معقول:

تظهر بصورة أخذ الثأر من أي قريب للقاتل، وتظهر بصورة الإيمان بأن الإنسان غير مسؤول أمام أحد عند الملحدين الفوضويين، وتظهر بصورة أن الإنسان مسؤول أمام القانون فقط فإذا استطاع أن يهرب من عين القانون فعل ما شاء. وهناك صورة أخرى تنعدم فيها المسؤولية موجودة عند اليهود. فاليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار، الذي غفر له كل شيء، فما فعلوه من جرائم أو مآس، أو مفاسد، أو مظالم، فإن خصوصيتهم هذه تجعلهم بمنجاة من عذاب الله إلا بشكل بسيط جدا جدا. هذه صور من فرار الإنسان من المسؤولية كانت يوم بعث محمد رسول الله ولا زالت وهي كلها صور غير معقولة، وأثارها خطيرة على الإنسان، والحياة الإنسانية كلها، من حيث انعدام مسؤولية الإنسان أو تصورهامما يؤدي إلى انحراف فظيع في السلوك. فماذا فعل محمد صلى الله عليه وسلم بأمر الله ووحيه: لقد كان الإعلان الذي أعلنه الإسلام هو أن الإنسان لا يتحمل إلا مسؤولية أعماله وحده، فلا يتحمل مسؤولية ذنب جد ولا مسؤولية ذنب أخ وعم، إلا إذا كان له علاقة في الموضوع، وأن الجيل اللاحق لا يتحمل أوزار الجيل السابق، وإنما الإنسان مسؤول عن أعماله وحده صغيرها وكبيرها أمام الله في الاخرة، وأمام شريعة الله في الدنيا فقال القران: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" (فاطر : 18). وقال الرسول صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". وخاطب القرآن الناس:"ليس بأمانيكم ولا أماني اهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به".

فاصبح المسلم يحاسب نفسه على الصغيرة والكبيرة. حى قال قائل المسلمين : "كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام " وأصبح الذي يقدم الإنسان أو يؤخره هو عمل الإنسان حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا اغني عنك من الله شيئا ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا". رواه البخاري ومسلم . وبذلك استقام سلوك الإنسان، وتحرر ضميرالإنسان من التواكل والاعتماد على الاخرين، وبذلك لم يعد الإنسان غير مبال في أمر الخطيئة، وبذلك استقلت شخصية الانسان استقلالا تاما، وبذلك أصبح الخير مرجوا من الإنسان، وبذلك قضي على الخرافة، وقامت الحقيقة محلها. هذه الثمرة العظيمة من ثمار دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تدل على أن محمدا رسول الله، لأنها ثمرة ما كانت لتكون لولا الوحي، وقد صاغ العقاد هذا الموضوع صياغة عالية نأخذ من فقراتها ما يلى: "وللديانة الإنسانية ضابط واحد، هو ضمير كل فرد من أفرادها. فان لم يكن لهذا الضمير حساب، وعليه تبعة، فلا ديانة لإنسان، ولا لجملة الناس. وفكرة التبعة الفردية والمسؤولية الفردية بسيطة، سهلة الفهم، تتجدد الحاجة إلى تطبيقها كل يوم، في كل بيئة اجتماعية، فلو كانت الفكرة تروج بمقدار بساطتها، وسهولة ضمها، وتجذد الحاجة إلى تطبيقها، لما خلا المجتمع الإنساني قط من مبدأ المسؤولية الفردية منذ اوائل عهد الإنسان بالاجتماع. لكن الواقع أن هذه الفكرة البسيطة قد أهملت، وظلت مهملة من عهد البداوة إلى عهود الحضارة الأولى، لأن محاسبة الفرد لم يكن لها مرجع إلى سلطان واحد، إذ كان الفرد من القبيلة يعتدي على فرد من قبيلة أخرى ويندر أن ترضى قبيلة المعتدي أن تسلمه إلى قبيلة المعتدى عليه. فإن لم تسلمه تضامنت في الدفاع عنه، ووقعت الحرب بين القبيلتين، أو تعرض كل فرد من أفراد قبيلة المعتدي لأخذ الثأر منه، وقد يتوارثون الثأر إلى الأبناء والأعقاب.

 فمضى نظام القبيلة على مسؤولية القبيلة كلها عن جميع أفرادها، ثم تطورت القبيلة وتألف الشعب من جملة قبائل متعارفة على نظامها القديم فثبتت على عاداتها لصعوبة التغيير في الجماعات التي تقوم على المحافظة، وعلى رعاية المأثورات السلفية، وبلغ من ثبات هذه العادات أن رومة التي كانت تسمى أم الشرائع، جعلت الأب مسؤولا عن الأسرة. وأباحت له التصرف في أرواحها وأموالها، وقد ناظرتها في الشرق شريعة حمورابي، فجعلت من حق الرجل الذي تقتل بنته أن يتسلم بنت القاتل ليقتلها كأنها لا تحسب عندهم إنسانا مستقلا بحياته. وكانت في الهند حضارات تأخذ بمبدأ المسؤولية الفردية، ولكنها ترجع بها إلى حياة سابقة متسلسلة من حياة سابقة على مدى الأزمنة التي لا تعرف لها بداءة منذ أزل الآزال، فهو مولود بجرائره واثامه، وكفارة تلك الجرائر والآثام الى الأجل المقدور، وليست تبعاته مرهونة بما يعمله بعد ميلاده. بل هي سابقة للميلاد لاحقة به آمادا بعد آماد". (وكان القول الشائع أن عصيان آدم جريرة لا يسأل عنها وحده بل يسأل عنها كل ولد من ذريته). "أما الدعوة الإسلامية فالمسؤولية الفردية فيها شيء جديد كل الجدة لم يتطور مما تقدمه ولم يكن نتيجة قط لإحدى هذه المقدمات. ومعجزة المعجزات فيها أنها قامت بالمسؤولية الفردية حيث يصدها كل عرف قائم، ويعوقها كل نظام مصطلح عليه في المعاملات والعقوبات. قامت بها في أعماق الجزيرة العربية، ولا قانون فيها غبر قانون الثأر، ولا شريعة لها غير شريعة القبيلة، وتعلم الناس "وأن ليس للانسان الا ما سعى" (النجم ) ان جيلا لا يؤخذ بجريرة أسلافه، ولا بؤخذ خلفاؤه بجريرته. "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون" "كل امرىء بما كسب رهين". فمرحلة شاسعة لم يعمل فيها تاريخ البشرية كله ما عمله الإسلام وحده، مبتدئا بغير سابقة، بل مبتدئا على الرغم من العوائق والموانع والمناقضات. ولم تكن هذه المرحلة الشاسعة نافلة من نوافل الرأى على حواشي العقيدة، ولكنها هي الفتح الأكبر من فتوح الضمير في جميع مراحل التاريخ. إذ لا قوام للخلق ولا للدين بغير التبعة، ولا معنى بغير التبعة لتكليف ولا حساب "

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة