الفهم المغلوط لمبدأ \"المهم العمل وليس النتيجة\"

كلنا يدرك ان الاسلام يمنح الثواب على العمل بغض النظر عن النتيجة .. فالمسلم مكلف بالعمل والنتيجة على الله.. انت مكلف ان تدعو الناس والهداية على الله.. انت مكلف ان تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر واستجابة الناس على الله.. وفي الغالب يأتي عملنا بنتيجة مثمرة ان شاء الله اذا اخلصنا النية ولكن مع الاخذ بعين الاعتبار الامور التالية:

-        النتيجة قد تأتي بعد فترة طويلة.. فقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم 13 عاما في مكة قبل ان تكلل جهوده بالنجاح في اقامة الدولة الاسلامية في المدينة.

-        النتيجة قد تأتي في مكان اخر فالرسول صلى الله عليه وسلم دعا الناس في مكة وظهرت بوادر نجاح الدعوة في المدينة.

لكن هل هناك مخاطر في الافراط بهذا التفكير؟

طبعا كأي قضية ايمانية اخرى ينبغي تجنب الغلو والافراط بهذا التفكير لما له من اضرار جسيمة على العمل الاسلامي.. على سبيل المثال ان الغلو في تقديس القضاء والقدر قد يدفع الناس الى ان يصبحوا جبريين ويتقاعسوا عن العمل بدعوى ان العمل غير ضروري ما دام كل شيء مكتوبا علينا فتصبح محاسبة المهندس عن تقصيره غير ضرورية ما دامت البناية انهارت بقضاء الله وقدره ومحاسبة الطبيب على تقصيره غير ضرورية ما دام كل شخص يموت باجله.

في حين ان الايمان بالقضاء والقدر لا يعني التواكل بل العمل مطلوب وحينما نقوم بما علينا من عمل نوكل امرنا الى الله في النتائج (اعقلها وتوكل),. ونعطي مثالا على ذلك السيدة هاجر رضي الله عنها فحين تركها زوجها سيدنا ابراهيم عليه السلام سألته: أربك هو من امرك بذلك فقال نعم فقالت اذن لن يضيعنا ومع ذلك لم تتواكل وتتكاسل بل سعت بين الصفا والمروة سبع مرات بحثا عن الماء حتى اذا تعبت وانهكت اخرج الله الماء بأهون السبل من تحت قدمي رضيعها اسماعيل عليه السلام..

اين يقع الخطأ في فكر من بالغ في تصوير ان الاهمية للعمل وليس للنتائج؟

1-    غفلوا عن التخطيط .

اذ نراهم يعملون بدون اي تخطيط لنتيجة. بينما الناظر الى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة  يرى ان الرسول صلى الله عليه وسلم قام بكل ما يتطلب الامر من اعداد للهجرة ان من حيث السرية التامة او من حيث استئجار دليل او من حيث التمويه بوضع سيدنا علي رضي الله عنه في فراشه ومع ذلك فقد ادركه المشركون وعندها نزلت معونة الله على الرسول صلى الله عليه وسلم وابي بكر رضي الله عنه فسترهم في الغار عن اعين المشركين.

2-    غفلوا عن المسار التدريجي

فحينما يكون الهدف بعيدا وصعب التحقيق علينا ان نضع اهدافا اصغر في طريق الوصول اليه فاشياء كثيرة ليست مستحيلة في ذاتها بل مستحيلة لانعدام الشروط والامكانيات لها..  وكل هدف بعيد المدى يمكن ان يقسم الى اهداف مرحلية يتم قياس النتائج على اساسها.

3- غياب عملية النقد ومراجعة الذات

فما دام العمل هو المهم وليست النتيجة فم يعد هناك من معنى للفشل ولم يعد هناك من معنى لمراجعة الذات وتصحيح المسار والمحاسبة.

امثلة عن اخطاء ترتكب بسب شيوع هذا المفوم المغلوط

1- المشاركة في مؤسسات تعادي الاسلام

الكثير من الاسلاميين يدخل في مؤسسات تعادي الاسلام من مبدأ ان العمل القليل افضل من لا شيء وان تحقيق النتائج ليس مهما بل المهم هو العمل. فترى النائب الاسلامي يدخل البرلمان الذي لا يحكم بالاسلام وهو متيقن انه لن يستطيع تحسين الوضع مقدار انملة ولكنه يبرر ذلك بأنه يعمل ما عليه وان المهم هو العمل وليس النتيجة.. وهذا منطق سقيم شبيه بمن يدخل الى كباريه ويدعي نيته ان يحوله لمسجد.. وشبيه بهذا الخطأ ما يفعله بعض الدعاة الذين يقدمون برامجا دينية على قنوات فضائية ماجنة بدعوى ان المهم هو العمل.. وفي كلا العملين يتناسى الاسلاميون الضرر الكبير الناتج عن اعمالهما ففي الاولى هم يعطون الشرعية للمجلس وفي الثانية هم يروجون لقناة فضائية منحطة تخرب الاجيال.

4- العمليات الارهابية العبثية

بعض الحركات الاسلامية تقوم بعمليات ارهابية موجهة ضد مرافق الدولة العامة  الشعب وهم يعرفون ان لا امل ابدا في التغيير عبر هذه التفجيرات العبثية بل هي تعطي نتائجا عكسية اذ تؤلب الشعوب ضد مرتكبيها وضد الاسلام نفسه ومع ذلك فالقائمين على هذا الفكر لا يبالون بهذا المنطق البسيط جدا بدعوى ان المهم هو العمل لخلع النظام الظالم ولا يهم النتيجة التي قد تتاخر.. لكن يحق لنا ان نسأل هل هي فعلا قضية وقت ام ان المنهج في الاساس خاطىء فاذا كان الناس لا يتقبلون الاسلام من رجل فظ غليظ القلب فكيف يتقبلون الاسلام من رجل يهدد حياتهم وحياة اولادهم؟؟

5- التركيز على الكافر المكابر

من نتائج هذا الفهم المغلوط ايضا ان كثيرا من الاسلاميين يركزون على مجادلة الكافر المكابر الذي لا يبغي الا االجدال ويهملون ضعفاء الايمان و الباحثين عن الحق والحيارى مع ان هؤلاء ممكن يهتدوا بكلمة.. وما يدفعهم الى هذا التصرف المغلوط الا لا مبالاتهم بتقييم نتائج عملهم.

6- غياب مشروع الحركات الاسلامية

اكثر الحركات الاسلامية ينادون بتطبيق الاسلام وان الاسلام هو الحل ولا يعدو كلامهم ان يكون اكثر من شعار فارغ من أي معنى. فهم في الحقيقة لا يحملون أي مشروع مبني على دراسة استراتيجية واقعية مستوحاة من اسس الدين لذا  ترى هؤلاء يجرون اثواب الخيبة اذا صودف وان استلموا الحكم.

7- التنفير في الدعوة

ما دام تحقيق النتائج غير مهما.. فلا يهتم احد من الحركات الاسلامية بقياس مدى نجاح دعوته بين الناس وكم من الضالين اهتدوا على يديه وفي غياب هذه الاحصائية والاهتمام لا نستغرب ان رأينا شيوع التنفير من الدين واخراج الناس من الدين بدل ادخالهم فيه.

8- شيوع ثقافة بيع الاحلام الوردية

بعض الدعاة وعد الناس انه سيحقق نهضة في غضون عشرين سنة ووعده هذا استند ان المهم هو العمل وليس النتيجة وان لا احد سيحاسبه ان تخلف كلامه لكن السؤال الا يعتبر هذا نوعا من خداع الجماهير؟ بعد خمس سنين الا ينبغي ان نكون قطعنا جزءا من خمس من الطريق نحو النهضة؟؟ فهل هذا هو حالنا فعلا ام ان حالنا هو "مكانك راوح"؟. قد يبرر الدعاة تصرفهم بانه محاولة لبث التفاؤل والروح الايجابية بين الناس لكن المبالغة في استعمال هذا المنطق ستورث الناس ضعف الثقة بكلام الداعية الذي سيصبح فاقد المصداقية عندهم كحال الانظمة العربية امام شعوبها.

الخلاصة

طبعا كل ما اعطيناه سابقا من امثلة ظاهر البطلان شرعا وفي ذلك ادلة لا تحصى ولكن احببت ان اتناول الموضوع من الناحية الفكرية للاشارة الى تشوه فكري مشترك عند كل من مر معنا الا وهو غياب أي فكر استراتيجي ينظر نظرة موضوعية للنتائج واحتمال تحققها. وللدكتور بكار مقال مهم في هذا الموضوع "المهم العمل وليس النتيجة" نقتبس منه المقطع التالي : وعلينا بعد هذا وذاك أن نفرق بين خسائر نتجت من حرّاء عقبات الطريق وتكاليفه الطبيعية ، ومن جرّاء اجتهاد مؤصل قام به من يسوغ له الاجتهاد ، وبين خسائر حدثت نتيجة مغامرات غير محسوبة ، أو نتيجة ضعف في المعلومات اللازمة أو نتيجة اجتهاد لا يستند إلى أية حجة من شرع أو علم أو خبرة ، أو من جرّاء فتاوى من أشخاص هم أبعد شيء عن المجال الذي اجتهدوا فيه..

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة