الغيبيات و الزمن

الغيبيات  و الزمن

تعرضنا في الرسالة السابقة لموضوع الغيبيات و ما يتعلق منها بالذات الالهية. و اليوم سنحاول تتمة هذا الموضوع و نتطرق الى مواضيع اخرى غيبية منها ما يتعلق بالروح، الجنة و النار، الصفات الالهية ، الكون ، الزمن و القضاء و القدر. و سأحاول ان ابسط الموضوع قدر المستطاع متجنبا الدخول في الامور التي اختلف العلماء فيها بين الخلف و السلف لأن الموضوع ليس العقيدة الاسلامية بل فلسفتها و ضوابطها و مسلماتها.

في الحلقة السابقة استعملنا مثل "طارق الباب" لنبين انفصال عالم الغيب عن عالم الشهادة و اليوم سنحاول قدر المستطاع الاستغناء عن هذا المثل لأن الفكرة قد رسخت في اذهاننا. هناك عالم للغيب و عالم للشهادة و هناك العلاقة بينهما (التي صورناها بعملية الطرق على الباب). و قد قلنا باننا نملك قوانين عالم الشهادة بمعنى ان التفكير المنطقي و الحواس يساعدنا على استخلاص الحقيقة منه بسهولة في بعض الاحيان او بالاستقصاء في احيان اخرى (مثلا معظمنا لم ير الصين و لكننا نستطيع التحقق من وجودها بالعلم لأنها ليست من امور الغيب المطلق بل تدخل من ضمن عالم الشهادة). و قلنا باننا نستطيع عقلا استخلاص بعض الحقائق الاساسية عن عالم الغيب من خلال العلاقة بين عالم الغيب هذا و عالم الشهادة (مثاله ما استنتجناه من صفات اساسية عن الطارق من خلال عملية الطرق على الباب). اما كل الغيبيات التي لا علاقة لها بعالمنا المشاهد فلا وسيلة عقلية الى الاهتداء اليها الا بمن يرى هذا الغيب كله وهو الله (لن ندخل في قضية اثبات وجود الله لأني اخاطب المؤمن في هذه الرسالة).

الزمن عند فلاسفة القرون الوسطى

قضية الزمن حيرت الفلاسفة و العلماء و خاصة الذين حاولوا الخوض في قضية ازلية الكون. بالنسبة لعلماء القرون الوسطى كان الزمن و المكان مطلقين بمعنى انهم لم يستطيعوا تخيل انعدام وجودهما في اية حالة. جاءوا الى الغرفة و قالوا نستطيع ان نفرغ الغرفة من الأثاث و الجدران و النوافذ و الابواب، نستطيع ان نفرغ منها الهواء و النور (على الاقل عقليا) و لكن العقل بعد ذهاب كل هذه الامور لا يستطيع الغاء المكان نفسه. المكان سوف يبقى حتى بعد زوال الغرفة و محتوياتها. و الامر نفسه بالنسبة للزمن نستطيع تفريغه من كل الاحداث الماضية و الحاضرة و المستقبلية و لكن هو نفسه سيظل حتى و ان زالت كل الاحداث.

تعريف الازلية

الازل تعريفا هو ما لا بداية له، و بما اننا نتحدث الى المؤمنين هنا فلن نجادل في ازلية الله و لكننا سنتحدث عن ازلية الكون و هو امر خاض فيه الكثير من الفلاسفة حتى المسلمين انفسهم فوجد بعضهم ان الكون ازلي اذ لو لم يكن كذلك فمعناه انه خلق في لحظة معينة من الزمن و معناه ان الله انتظر فترة لا متناهية (هي الفترة ما بين اللابداية و لحظة خلق الكون) لخلقه و هذا مستحيل. ولكن بما ان هذه النظرية كفر بواح (اذ انها تنفي عملية خلق الله للكون) فقد هذبوها بقولهم ان الكون لم يكن مستقلا بنفسه بل صدر صدورا طبيعيا عن الله (نظرية الفيض). على ان هذا العذر ليس بافضل مما سبقه اذ انهم اثبتوا الخلق لله و لكنهم نفوا عنه صفة المشيئة حين قالوا ان وجود الكون مساوق لوجود الله و الله عز وجل يقول في قرآنه الكريم (و يخلق ما يشاء و يختار) فهو عز وجل ليس مجبورا على شيء مطلقا.

خرق الضوابط( استعمال الخيال و الخوض في الغيبيات)

ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا"

خرق الضوابط (رفض المدلول الظاهر من كلام الله)

و هنا نتحدث عن الفلاسفة المسلمين، اذا كنتم تؤمنون بالاسلام فكيف تصرفون اذهان الناس عن كلام الله بخصوص خلق الكون؟ هناك العديد من الآيات التي تتحدث عن خلق الكون : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب

و الكثير من الآيات و الاحاديث التي تدل على كون هذا الخلق كان باختيار منه لا صدورا طبيعيا: بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون - و يخلق ما يشاء و يختار.

ماذا يقول العلم الحديث بخصوص خلق الكون

بعد ان خاض كثير من الفلاسفة في ازلية الكون و رسخ هذا الاعتقاد عند العلماء الملاحدة في القرنين السابقينأولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون"

ماذا يقول المنطق الصحيح بخصوص الزمن

بينا في ما سبق بأن الفلاسفة تخطوا حدود العقل البشري حين خاضوا في ماهية الزمن و فرضوا وجوده حتى دون وجود المتغيرات و هذا غوص في غيبيات. و كان اول من رد عليهم هذه الشبهات الامام الغزالي رحمه الله فخطأهم من ناحيتين:

1- الزمن ضرورة عقلية نحتاجها لرصد المتغير و قبل وجود الكون كان هناك عدم مطلق و بالتالي لم نكن بحاجة للزمن. و بتعبير آخر فأن الزمن بدأ مع بداية الكون و بالتالي عبارة "قبل الكون" التي استعملناها لا تؤخذ بمعناها الحرفي كظرف زمان في هذا الموضع.

2- ليس الله متغيرا و لا صفاته متغيرة حتى يحتاج للزمن ، هو ازلي بمعنى انه لا بداية له و ليس بمعنى كونه موجودا منذ زمن غير نهائي كما يتوهم البعض. و من هذا المنطلق فلا معنى لقولهم ان الله انتظر فترة لا نهائية حتى خلق الكون فليس الله محكوما بالزمان في الاصل حتى ينتظر و كل ما نتوهمه بهذا الخصوص محض خيال.

3- هل خرق الامام الغزالي الضوابط التي تكلمنا عنها؟ كلا

- اولا: استند على كلام الله الواضح بخصوص خلق الكون ليستدل منه أن الكون ليس ازليا و استند على كلام الله تعالى عن صفاته ليستدل على خلق الكون بالمشيئة و ليس بالجبر او بالصدور (الفيض).

- ثانيا: استنكر دخول الفلاسفة في ماهية الزمن و فرض وجوده حتى دون وجود المخلوقات و هذا شيء لا يدل عليه العقل السليم لأنه خوض في غيبيات لا نستطيع الاستدلال عليها او وقدم نظرية لا تستند الى غيبيات بل الى العالم المشاهد.

- ثالثا: لم يجزم بقوله بنسبية الزمن الا ردا على شبهات الفلاسفة فهو قدم لهم حلا منطقيا لما استعصى عليهم فهمه دون ان يكون قاصدا البحث في ماهية الزمن بقدر حرصه على تبيان وجود طريق سوي لتفسير قضية الخلق وفق ما ورد في القرآن الكريم. و ترك للعلم مهمة اثبات ما اكتشفه بادلة مادية لا بادلة عقلية فقط في القرن العشرين.

ماذا يقول العلم الحديث عن الزمن؟

مع ظهور نظرية النسبية اكتشف اينشتين ان الزمن ليس مطلقا انما هو خاصية من خاصيات الجسم المتحرك تماما كاللون و الحجم. و بدون وجود الجسم المتحرك لا معنى للكلام عن الزمن تماما كما لا يوجد معنى للكلام عن اللون ان لم يكن هناك ذات تتصف بهذا اللون. و للدلالة على هذا الامر اكتشف اينشتين ان الزمن يتقلص و يتمدد تبعا لسرعة الجسم فاذا اقترب هذا الجسم من سرعة الضوء تباطىء الزمن لدرجة كبيرة جدا. و كلنا يعرف القصة الرمزية للتوأمين الذي يغادر احدهما الى الفضاء بسرعة نقارب سرعة الضوء فيعود ليرى اخاه قد تقدم بالعمر فيما لا يزال هو محتفظا بشبابه. واسفاه على من كذب الله عز و جل لأنه لم يستطع التخلص من وهم ازلية الكون!!!!

الابدية

طبقا للاسلام فما من مخلوق لا يدركه الفناء حتى ملك الموت نفسه و يحصل هذا يوم القيامة "كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الاكرام". و يومها يقول الله عز وجل "لمن الملك اليوم" و يجيب نفسه "لله الواحد القهار". على ان الانسان يصبح خالدا خلودا ابديا بعد هذا الفناء (سواء في الجنة او في النار). و هنا السؤال الذي يطرح نفسه، كيف قبلنا ابدية المخلوقات من البشر و الجنة و النار" كيف يقول الله عز وجل "اتى" بصيغة الماضي و "لا تستعجلوه" بصيغة المستقبل؟ الجواب بكل بساطة ان كل ما وعدنا الله به هو موجود في علمه الازلي (و نذكر "ازلي" معناها غير متعلق بزمن) حتى لو لم يظهر في دنيانا بعد. "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون" الامر الالهي "كن" من متعلقات صفات الله (الكلام، المشيئة، القدرة، الارادة الخلق) و هذه كلها صفات ازلية كسائر صفات الله اما متعلق هذه الكلمة فحادث و هو المخلوقات.

سنستعمل نفس المثل الذي استعملناه بخصوص الزمن لتفسير فهم الانسان للروح. العقل الانساني لا يقبل ان يكون الانسان الحي مطابقا للانسان الميت فمن البديهي بان هناك شيء ما قد ترك هذا الجسد حين الوفاة. و هذا ما نسميه الروح و هذا اقصى ما نستطيع ان نعرفه عنها. هل هي مادة لطيفة ام قوة ام قانون، لا نعرف و القرآن الكريم لا يخبرنا عن غيبية هذه الروح فيقول "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" و مع ذلك نجد الكثير من الفلاسفة يحاولون تحليل الروح و اثبات  التي تعيش بين جنبيه و يحاول الاحاطة بالذات الالهية!!!!

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة