الغيبيات والذات الالهية

الغيبيات والذات الالهية

 

كلنا نعرف العقيدة الاسلامية المتكونة اساسا من الايمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و القدر خيره و شره. و بالطبع تتفرع منها امور كثيرة ايضا. والسؤال: هل هناك من اصول و ضوابط لهذه العقائد خاصة عندما يتعلق الامر بالغيبيات مثل الذات الآلهية و القدر و النار و الجنة و الجن و الروح... و سؤالنا هذا مرده الى اختلاف النظرة بين المسلمين من جهة و بين النصارى و اليهود و الهندوس و البوذيين من جهة اخرى. فلا ريب بأن هذه الاديان تملك افكارا هي الاخرى عن هذه الغيبيات و لا تنكرها جميعها. و ان كانت المناظرة ممكنة بين هذه الاديان فهي ليست من ضمن امكانية كل البشر و بالتالي وجب ان يكون الحق ظاهرا حتى قبل المناظرة استنادا الى قوانين محددة و سهلة (والا كيف يحاسب العامي على كفره ان كانت قضية الايمان بهذا التعقيد؟). و اعطي مثالا على ذلك عقيدة التثليث فهل يمكن للمسلم العامي ان يدحضها عقليا بسهولة؟ سيقول للنصراني بأن الله واحد فيرد النصراني و نحن نعترف بذلك و لكن له ثلاث اقانيم فإذا حاول المسلم المجادلة بهذا الموضوع ادخله المسيحي في متاهات لفظية و فلسفية لا حصر لها... و نفس الامر يتعلق بفكرة التقمص عند الهندوس التي ستدخل في غيبيات الروح و تحولاتها على نحو لا يدحض عقليا بسهولة. والفكرة التي سنستعملها لتبيان الاختلاف العقدي الاساسي بين المسلمين وغيرهم هي فكرة طرحها الشيخ الشعراوي رحمه الله وتتحدث عن رجل يطرق الباب ولا نعرف هويته..  لذلك دعونا نطابق بين هذا المثل والعقيدة.

1-    ما يقع خارج الباب هو غيب.

2-    ما يقع داخل بيتي ليس غيبا لأني اراه.

3-    عملية طرق الباب هي العلاقة بين الغيب و بين عالمنا.

و موقف العقيدة الاسلامية برأي الشيخ الشعراوي هو:

1-    امكان ان يستنتج الشخص الذي يسكن البيت بأن هناك ذاتا واعية تطرق الباب، فهذا من ضمن نطاق العقل،  اذ يستحيل ان يقرع الباب من غير سبب (و في هذا رد على الملاحدة الذين ينفون وجود الخالق) و يستبعد ان تقوم الصدفة باصوات متناسقة منظمة تشبه طرق الباب (و في هذا رد على من نسب هذه الامور الى الطبيعة غير العاقلة )

ام خلقوا من غير شيء ام هم الخالقون ؟ (دليل السببية)

سنريهم آياتنا في الافاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق (دليل النظام)

2-    بامكان الشخص داخل البيت ان يحدد بعد الصفات الايجابية في الطارق و التي تتبين من عملية طرق الباب فباستطاعته ان يكتشف مثلا انه منظم من وقع الطرقات المتناسق او انه قوي من وقع صدى الصوت و بعض الصفات السلبية مثل سلب صفة الجمود عنه... (و في هذا تفسير لامكانية الوصول الى بعض صفات الله الايجابية مثل الخلق و القدرة و الارادة او السلبية مثل تنزيهه عن مشابهة المخلوقين عبر التأمل المنطقي في هذا الكون و سائر المخلوقات).

لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (دليل عقلي منطقي على صفة الوحدانية)

3-    مع قوة الاستدلالات السابقة في النفس فهناك قرينة اخرى قادرة على ترسيخ هذه الامور في النفس و هي اخبار الطارق بنفسه عن هويته و عن صفاته التي سبق و حددها العقل بالاضافة الى اعمال اخرى قام بها (و هذا يتجسد بالرسالة السماوية التي يتكلم فيها الله عن نفسه و يرسخ ما اكتشفه العقل السليم من صفات كمال الله مثل الارادة و العلم و القدرة بالاضافة الى ذكر مخلوقاته الغيبية التي لم نرها جهارا بعد مثل يوم القيامة و الجنة و النار و الملائكة و الجن...)

ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (دليل على ان اكثر الناس لا يجادلون في الوهية و ربوبية الله و لكنهم يجادلون في هويته و طرق عبادته و يخوضون في ذاته بغير علم بينما كان الاولى ان يستمعوا لما يقوله هو عن نفسه)

4-    ليس بامكان الشخص داخل البيت ان ينسب عملية طرق الباب الى شخص آخر داخل البيت ايضا يقف عشرات الامتار بعيدا عن الباب فهذا كذب فاضح لأن هذه النسبة ليست من متعلقات الغيب (و من هنا نستنتج استحالة عقلية لالوهية المحسوسات سواء كانت اصناما ام بشرا لأننا خبرنا صفات هذا المخلوقات بعقلنا و حواسنا)

ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (دليل على ان البشري لا يصلح للالوهية)

5-    اي خوض في هوية الطارق او محاولة استكشاف كنه ذاته و استعمال المخيلة لتكوين صورة عنه دون ان يكون ذلك استنتاجا مباشرا من المعطيات المتوفرة لدينا هو ضلال مبين (و من هنا نفهم لماذا نرفض عقيدة التثليث او اي نظرية فلسفية اخرى تحاول تشريح الذات الآلهية والاحاطة بها و تشبيهها بالمخلوقات)

وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون (الخوض في جنس الملائكة مسألة غيبية لا مكان للعقل فيها، هل شهدوا خلقهم ام اخبرهم الله عن هذا الامر؟ الجواب هو "لا")

6-    في الحالتين السابقتين يتضافر عامل مهم يؤكد بطلان هذه النوعية من طرق التفكير و هو عدم ادعاء من تنسب له عملية طرق الباب هذه التهمة. فلا النار ادعت الالوهية و لا الصنم ادعى الالوهية و لا المسيح ادعى الالوهية. و بالمثل لم يقل الله للنصارى بأنه ثالث ثلاثة (حتى حسب اعتقادهم) بل بنوا اعتقادهم هذا على هوى في نفسهم يفسر لهم شخصية المسيح بطريقة مقبولة تتلائم و ايمانهم. و بالمثل لم يدعي اي من الفلاسفة، الذين خاضوا في صفات الذات العلية و ربطوها بالعالم و المخلوقات بطرق من نتاج مخيلاتهم، بأن الله اوحى لهم بهذه الادعاءات. انما كان دليلهم العمل العقلي الخالص و هذا عذر مردود لأن العقل لا يستطيع الخوض بالغيبيات و تشريحها.

وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (لم يدع المسيح الالوهية و حتى بنص اناجيلهم المكتوبة باقلام البشر لا يوجد كلام صريح في هذا الامر)

7-    بالإضافة الى العقل السليم الذي يمنعنا من الخوض بالغيبيات و الرسالة التي تؤكد صحة ما وصل اليه العقل فهناك الفطرة و التي تتمثل بكون الانسان الذي نشأ في بيت نقي خال من الاراء المسبقة و الغوغائية و الحجج العاطفية قادر على الوصول الى حقيقة الطارق على الباب بطريقة اسهل ممن  نشأ في بيت يعج بالضوضاء و يمارس اهله جميع الضغوط النفسية و العقلية و المادية عليه ليصدقهم في ما يدعوه من تخيلات غيبية او من تقليد اعمى او جهل مستشر. بمعنى أخر فأن هذا الشخص المنفرد المتفكر سيصل بطريقة اسرع الى المبادىء المتجردة التي سبق و اشرنا اليها في ما سبق.  و مثاله في حالتنا ما رواه ابن طفيل عن شخص نشأ في جزيرة و ربته ظبية بعد ان مات اهله فعرف وجود الله و صفات كماله من خلال التفكر في المخلوقات و توقف عند هذه الحقيقة و لم يتابع الخوض في ما لا يحده العقل واذا بعقيدته المبنية على الفطرة السليمة توافق ما تقوله الرسائل السماوية.

فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون - وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين(كناية عن الفطرة السليمة الموجودة في داخل كل منا)

خلاصة

 

لا ننسى بأن المثل الذي اعطاه الشيخ الشعراوي هو لتقريب الفكرة الى الذهن فقط ولله المثل الاعلى بحيث لا نستطيع تطبيق كل قواعد العقيدة من خلال هذا المثل انما قصد به ايضاح نقطة الخلاف الاساسية بين الاسلام و غيره من الأديان و العقائد. الاسلام دين ارسله الله الى البشرية و يؤيده العقل و المنطق و الفطرة دونما ضرورة للخوض في الغيبيات و الخيال.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة