الغاية لا تبرر الوسيلة

لم يسمح لك الحق تعالى أن تسلك أي سبيل أو وسيلة تراها ما دام هدفك من وراء ذلك هو الحق.. انما الشرعية الإسلامية تعبدتنا بالغايات. فليس لك أن تسلك إلى الغاية التي شرعها الله لك إلا الطريق المعينة التي جعلها الله وسيلة إليها. و للحكمة و السياسة الشرعية معان معتبرة، و لكن في حدود هذه الوسائل المشروعة فقط. و الدليل عدم قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض المشركين عليه بتولي الزعامة أو الملك على أن يجمع في نفسه اتخاذ الملك و الزعامة وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد، خصوصا و إن للسلطان و الملك وازعا قويا في النفوس، و حسبك أن أرباب الدعوات والمذاهب ينتهزون فرصة الاستيلاء على الحكم كي يستعينوا بسلطانه على فرض دعوتهم و مذاهبهم على الناس. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرض سلوك هذه السياسة إلى دعوته، لأن ذلك ينافي مبادئ الدعوة نفسها. لو جاز أن يكون مثل هذا الأسلوب نوعاً من أنواع الحكمة و السياسة الرشيدة، لانمحى الفرق بين الصادق الصريح في صدقه و الكاذب الذي يخادع في كذبه، ولتلاقى الصادقون في دعوتهم مع الدجالين و المشعوذين، على طريق واحدة عريضة اسمها: الحكمة و السياسة. إن فلسفة هذا الدين تقوم على عماد الشرف و الصدق في كل من الوسيلة و الغاية. فكما أن الغاية لا يقومها إلا الصدق و الشرف و كلمة الحق، فكذلك الوسيلة لا ينبغي أن يخطها إلا مبدأ الصدق و الشرف وكلمة الحق. ومن هنا يحتاج أرباب الدعوة الإسلامية في معظم حالاتهم و ظروفهم إلى التضحية و الجهاد، لأن السبيل التي يسلكونها لا تسمح لهم بالتعرج كثيراً ذات اليمين و ذات الشمال. و من الخطأ أن تحسب مبدأ الحكمة في الدعوة إنما شرع من أجل تسهيل عمل الداعي أو من أجل تفادي المآسي و الأتعاب، بل السر في مشروعية الحكمة في الدعوة إنما هو سلوك أقرب الوسائل إلى عقول الناس و أفكارهم. و معنى هذا أنه إذا اختلفت الأحوال و قامت عثرات الصد و العناد دون سبيل الدعوة، فإن الحكمة حينئذ إنما هي إعداد العدة للجهاد و التضحية بالنفس و المال، إن الحكمة إنما هي أن تضع الشيْ في مكانه.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة