العلة الكافية والعلة الغائية

1- الدليل العقلي النظري على وجود الله (دليل العلة الكافية او دليل الحدوث)

الكون متغير كان معدوما فوجد ووفقا لقانون السببية فلا بد من مرجح رجح وجوده والا لبقي على العدم. والمرجح الذي اوجده لا يعقل ان يكون مخلوقا او متغيرا والا لوجب ان يكون له سبب هو الآخر. نستنتج من هذا ان خالق الكون الذي اخرجه من العدم هو الله المتصف بالكمال المطلق والذي لا يجري عليه زمن ولا يشبه احدا من خلقه. (مصداقا لقوله تعالى "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" )

طبعا لم يستطع الملاحدة انكار هذه الحقائق الفطرية وكل حججهم واهية في هذا الصدد فمنهم من قال:

1-    ان قواعد المنطق الفطرية لا تطبق الا في الميدان المحسوس وليس الغيب او الميتافيزياء وجوابه بسيط : وهل الكون غيب او متافيزياء ام هو واقع ملموس؟؟؟

2-    ومنهم من قال بأن الكون لا بداية له فهو بالتالي لم يخلق وجوابه بأنه يقول اذن بالتسلسل اللانهائي وهذا مستحيل كما اشرنا من قبل.

3-    ومنهم من قال بالتولد الذاتي للكون وجوابه انه وقع بالسلسلة المفرغة حين نسب علة وجود الكون الى الكون نفسه.

ورود هذا الدليل في القرآن الكريم

بعض العلماء المسلمون لا يحبون هذه الادلة العقلية ويقولون ان القرآن الكريم لم يتكل عليها في اثبات وجوده ولكن الحقيقة ان القرآن الكريم اثبت الرد على الحجج التي قلناها حين قال : "ام خلقوا من غير شيء ام هم الخالقون" ؟ فقد رد على الذين يقولون بأن لا علة لوجود الكون "ام خلقوا من غير شيء" ورد على الذين يقولون بأن الكون هو الذي خلق نفسه في قوله "ام هم الخالقون"  وهل باستطاعة الانسان ان يخلق نفسه؟ لا إذن فكيف يمكن ان يخلق الكون نفسه؟ وفي قصة سيدنا ابراهيم مع عبدة الاصنام دليل مماثل فقد نفى سيدنا ابراهيم الوهية الشمس والقمر ولكن هل اكتفى بنفي الوهيتهما فقط من دون المخلوقات ؟ وماذا لو عبد احدهم الهواء؟ لقد اعطانا سيدنا ابراهيم الحجة على كل من ينسب عملية الخلق الى اشياء متغيرة واعطانا الفارق بين الله وبين خلقه حين قال "لا احب الآفلين" فالشمس والقمر لا بل الكون باسره تتغير و تمر من حال الى آخر  فلا بد اذن ان تكون مخلوقة من الله الذي لا يتغير ولا يتبدل. ومثل هذا القول في سورة الاخلاص السورة المعجزة التي تلخص عقيدة المسلمين عند قوله تعالى "الله الصمد". قولنا هذا الانسان صمد معناه يلجأ اليه الناس ويحتاجونه وجاءت كلمة صمد معرفة ب"ال" التعريف لترشدنا الى ان الله هو الصمد الحقيقي والوحيد الذي يحتاج اليه كل المخلوقات فكل المخلوقات قابلة للانعدام ووجودها رجحته ارادة الله.

2- الدليل العقلي التجريبي على وجود الله ( دليل النظام او العلة الغائية)

لا يفوتنا ان نذكر بأن العلماء الذي يفضلون دليل النظام محقين في ان القرآن الكريم ركز على دليل آخر في حواره مع الملحدين والكفرة والمشركين الا وهو قانون النظام في هذا الكون فذكر في اماكن لا حصر لها اعجاز الله في خلقه وطلاقة قدرته. قانون النظام نفسه ارتكز عليه معظم العلماء المسلمون لأنه اقرب للفهم الى عقل العامة . قيل لإعرابي كيف تستدل على وجود الله فقال: سبحان الله :"الا تدل البعرة على البعير والخطوة على المسير؟ ارض ذات فجاج وسماء ذات ابراج الا تدل على خالقها؟" فالانسان حين يرى آلة معقدة شكلها غريب ثم يراها تعمل فيدخل من طرفها مواد خام ويخرج من طرفها الآخر بضائع مكتملة يوقن بقرارة نفسه ان لهذه الآلة مصمم اخترعها بدقة لتؤدي العمل المطلوب منها. فهل يعقل أن الانسان وهذا الكون البديع المتجانس وجد بالصدفة ؟

يقول القرآن الكريم "سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد"

فقوله سنريهم دلالة على مخاطبة الكفار وها نحن نرى ان معظم الاكتشافات العلمية تقع على ايديهم والاعجاز موجود في الكون (الآفاق)، في الجسم الانساني والفكر الانساني (انفسهم) فدلنا ان السبيل على الإيمان هو "دليل النظام" دون ان يهمل "دليل السببية" حين قال "انه على كل شيء شهيد" والتي يفهم منها بأنه الصانع الفعلي الحقيقي لكل شيء في هذا الكون. 

وفي ما يلي نبذة من ادلة العلماء المرتكزة على هذا القانون.

قصة القارب العجيب 

تحدى أحد الملحدين- الذين لا يؤمنون بالله- علماء المسلمين في أحد البلاد، فاختاروا أذكاهم ليرد عليه، وحددوا لذلك موعدا. 

وفي الموعد المحدد ترقب الجميع وصول العالم، لكنه تأخر. فقال الملحد للحاضرين: لقد هرب عالمكم وخاف، لأنه علم أني سأنتصر عليه، وأثبت لكم أن الكون ليس له إله ! 

وأثناء كلامه حضر العالم المسلم واعتذر عن تأخره، تم قال: وأنا في الطريق إلى هنا، لم أجد قاربا أعبر به النهر، وانتظرت على الشاطئ، وفجأة ظهرت في النهر ألواح من الخشب، وتجمعت مع بعضها بسرعة ونظام حتى أصبحت قاربا، ثم اقترب القارب مني، فركبته وجئت إليكم. فقال الملحد: إن هذا الرجل مجنون، فكيف يتجمع الخشب ويصبح قاربا دون أن يصنعه أحد، وكيف يتحرك بدون وجود من يحركه؟!

فتبسم العالم، وقال: فماذا تقول عن نفسك وأنت تقول: إن هذا الكون العظيم الكبير بلا إله؟! 

قصة ورقة التوت 

ذات يوم جاء بعض الناس إلى الإمام الشافعي، وطلبوا منه أن يذكر لهم دليلاً على وجود الله عز وجل. 

ففكر لحظة، ثم قال لهم: الدليل هو ورقة التوت. 

فتعجب الناس من هذه الإجابة، وتساءلوا: كيف تكون ووقة التوت دليلاً على وجود الله؟! فقال الإمام الشافعى: "ووقة التوت طعمها واحد؛ لكن إذا أكلها دود القز أخرج حريرا، وإذا أكلها النحل أخرج عسلاً، وإذا أكلها الظبي أخرج المسك ذا الرائحة الطيبة.. فمن الذي وحد الأصل وعدد المخارج؟! ". إنه الله- سبحانه وتعالى- خالق الكون العظيم! 

الخلاصة: ايهما نستعمل في الرد على شبهات الملحدين؟

يرى البعض بان هذا الدليل اقوى واوضح من الذي سبقه ولكن البعض الآخر يرى الاول اقوى لأنه دليل عقلي خالص لا يرتكز على الحواس بل على العقل فقط ويقولون بأن الإنسان قادر على استخلاصه ولو كان معلقا بين السماء والارض لا يلمس شيئا ولا يرى شيئا حتى جسده الشخصي بينما يعتمد قانون النظام على الحواس والتجربة في استخلاص الحكمة والتنظيم في هذا الكون. ولكن هذا لا يقدح به ابدا في رأيي لأن كل قوانين العلم المسلم بها مبنية على الحواس ايضا وليس على العقل وحده. والبديل الذي يطرحه الملحدون لقانون النظام هو ان كل هذا النظام قائم على الصدفة او يقولون باننا لا نملك تفسيرا في الوقت الحاضر لهذا النظام ولكن تقدم العلم سيكشف لنا اسبابه. وكاني بهم يشعرون بتهافت هذا القول لذا تراهم يفرون من هذه المسألة سريعا ويبدأون التهجم على الاديان ويستفيضون في شرح تناقضها وشرورها على البشرية. والحقيقة ان ما يتجاهلونه هو حقائق بينما ما ينتقدونه هو مجرد شبهات ونحن كمسلمين نجيب عن شبهاتهم كلها اجابات مقنعة (على الاقل بالنسبة لنا) ولكنهم لم يجيبونا يوما عن اسئلتنا بجواب يقنعهم هم انفسهم على الاقل. فمن منا على يقين ومن منا في شك؟

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة