الشورى ملزمة أم معلمة؟

الشورى في التاريخ

إن تداول الرأي في الحوادث مارسته الشعور منذ أقدم العصور، مارسه العرب والفرس، والمصريون، والهنود، والرومان، والصينيون، ومارسه الملوك والفراعنة، ولم يوجد شعب ولا أمة إلا مارسته في القديم والحديث. إن ملكة سبأ عندما وصلها كتاب من سليمان عليه السلام يدعوها فيه إلى الإذعان بالوحدانية والربوبية وإلى الطاعة والإسلام دعت الملأ وهم أشراف الناس من قومها ووجوههم المقربون إليها قالت: "إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ صدق الله العظيم إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صدق الله العظيم أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ صدق الله العظيم قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ صدق الله العظيم قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ" [النمل: 29-33]. إن القرآن الكريم يقدم لنا درسا في الأخذ بنظام الشورى، إذ يقص علينا قصة ملكة سبأ عندما تلقت تهديد سليمان بالزحف على مملكتها, فلم تنفرد باتخاذ موقف لوحدها ثم تطلب تنفيذه، وإنما جمعت أشراف قومها وطلبت منهم الآراء في هذا الموضع الخطير.

الشورى واجبة

إن الشورى واجبة على الحاكم في الشريعة الإسلامية, وإلى هذا القول ذهب كثير من العلماء والفقهاء، فلا يحل للحاكم أن يتركها وأن ينفرد برأيه دون مشورة المسلمين من أهل الشورى، كما لا يحل للأمة الإسلامية أن تسكت على ذلك، وأن تتركه ينفرد بالرأي دونها، ويستبد بالأمر دون أن يشركها فيه، فإن أقدم على هذا الأمر فقد ارتكب منكرا، ينبغي عليها أن تنكره عليه، أخذا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (البخاري).

فالحاكم المستبد آثم بتركه واجب الاستشارة، والأمة آثمة لتركها واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبوسع الأمة إذا كانت متماسكة على قلب رجل واحد عزله وتحرير الأمة منه ومن ظلمه واستبداده، بل الشرع يفرض عليها ذلك، قال ابن عطية رحمه الله تعالى: «والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه».

وقال الجصاص الحنفي - رحمه الله - في تفسيره بأحكام القرآن معقبا على قوله تعالى: "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" [الشورى: 38] وهذا يدل على أننا مأمورون بها. قال الطاهر بن عاشور: «مجموع كلام الجصاص يدل على أن مذهب أبي حنيفة وجوبها». وقال النووي - رحمه الله -: «واختلف أصحابنا هل كانت الشورى واجبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كانت سنة في حقه كما في حقنا، والصحيح عندهم وجوبها، وهو المختار, قال الله تعالى "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ" والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحققو الأصول أن الأمر للوجوب ».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم, فقال تعالى: "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" [آل عمران: 159] ». ولقد ذهب إلى وجوب الشورى على الحاكم جماهير العلماء من المحدثين، وإليك بعضهم: قال الأستاذ حسن البنا - رحمه الله -: «ومن حق الأمة الإسلامية أن تراقب الحاكم أدق مراقبة، وأن تشير عليه بما ترى فيه من الخير, وعليه أن يشاورها وأن يحترم إرادتها، وأن يأخذ بالصالح من آرائها، وقد أمر الله الحاكمين بذلك فقال: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ" وأثنى على المؤمنين خيرًا فقال: "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" ونصت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ».

وقال الشيخ عبد الوهاب خلاف: «والناظر في آيات القرآن الكريم وصحاح السنة يتبين أن الحكومة الإسلامية دستورية، وأن الأمر فيها ليس خاصًّا بفرد وإنما هو للأمة ممثلة في أهل الحل والعقد، لأن الله سبحانه جعل أمر المسلمين شورى بينهم، وساق وصفهم بهذا مساق الأوصاف الثابتة، والسجايا اللازمة كأمة شأن الإسلام ومن مقتضياته.. وإذا كان المسلمون أهملوا تنظيم هذه الشورى حتى ذهبت روحها، وجرؤ بعضهم أن يقول: إنها مندوبة لا محتومة، وصمت الآذان عن سماعها، وأضاعوا البيعة ومسخوها حتى جعلوها أمرا صوريا، لا يحقق الغرض منها ولا يشعر بإرادة الأمة ».

وقال الأستاذ عبد القادر عودة - رحمه الله -:

«والإسلام يرد نظام الحكم في الجماعة إلى الشورى، لتستطيع الجماعة أن تختار الحكام الصالحين للقيام بأمر الله في الجماعة، ولتستطيع أن تعزلهم كلما عجزوا عن أداء واجباتهم أو حادوا عن الطريق القويم، كما أن نظام الشورى يحول بين الحكام وبين الاسئثار بشئون الجماعة، إذ يجعل الجماعة رقيبة على الحكام الذين اختارتهم، وقد جاء الإسلام بنظام الشورى وطبقه المسلمون قبل أن تعرفه الدول الغربية بأحد عشر قرنا على الأقل.

وقال الأستاذ عبد الكريم زيدان - حفظه الله -: «إن وكالة رئيس الدولة عن الأمة وكالة مقيدة، ومن قيودها أن يشاور الأمة، لأن المشاورة ورد بها النص الشرعي، فلا تملك الأمة التنازل عنها، لأن سلطتها محدودة بحدود الشرع فلا تستطيع أن تفوض وكيلها - رئيس الدولة - استعمال سلطانها إلا بهذا القيد، قيد الشورى، سواء صرحت بهذا عند انتخابه أو لم تصرح».

ولقد استدل القائلون بوجوب الشورى بالكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم أجمعين - والمعقول.

الأدلة من القرآن الكريم:

1- قال تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" [آل عمران: 159].

لقد نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد وما جرى فيها من أحداث وآلام حلت بالمسلمين، وكان القرار في الخروج مبنيا على الشورى، وحتى لا تنشأ فكرة استبعاد الشورى عند بعض الصحابة نزلت هذه الآية، تأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يعفو عن المؤمنين وأن يستغفر لهم ويشاورهم في الأمر, ولو كان نتيجة الشورى مرة، كما حدث في أحد. وإذا كان الله تبارك وتعالى قد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو أرجح الناس عقلا، وأقواهم رأيا- بالشورى، فالأمر في حق غيره من الحكام والأمراء والسلاطين آكد وأوجب، ومن المعروف عند علماء الأصول أن الأمر يفيد الوجوب ما لا ترد قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب، وصيغة «وشاورهم» صيغة أمر، وهي تدل على وجوب الشورى، ولم ترد قرينة تصرفها من الوجوب إلى الندب، بل جاءت النصوص الأخرى من الكتاب والسنة تؤكد هذا الوجوب وتؤيده.

قال الفخر الرازي في تفسيره: «ظاهر الأمر للوجوب، فقوله: (وشاورهم، يقتضي الوجوب).

وقال أبو حيان الأندلسي «في هذه الآية دليل على المشاورة وتخمير الرأي وتنقيحه والتفكر فيه، وأن ذلك مطلوب شرعا خلافا لما كان عليه بعض العرب من ترك الشورى، ومن الاستبداد برأيه من غير فكر في عاقبة».

وقال الأستاذ محمد رشيد رضا - رحمه الله - في تفسيره لقوله تعالى: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ": «أي في الأمر العام الذي هو سياسة الأمة، في الحرب والسلم، والخوف والأمن، وغير ذلك من مصالحهم الدنيوية، أي أدام المشاورة وواظب عليها كما فعلت قبل الحرب في هذه الموقعة (غزوة أحد) وإن أخطأوا الرأي، فإن الخير كل الخير في تربيتهم على العمل بالمشاورة دون العمل برأي الرئيس وإن كان صوابا، لما في ذلك من النفع لهم في مستقبل حكومتهم إن أقاموا هذا الركن العظيم (المشاورة)، والخطر على الأمة في تفويض أمرهم إلى الرجل الواحد أشد وأكبر».

وقال صاحب الظلال  «لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشئون لكان وجود محمد صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي من الله -سبحانه وتعالى - كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى! وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ظل الملابسات الخطيرة لنشاة الأمة المسلمة، ولكن وجود محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الوحي الإلهي ووقوع تلك الأحداث، ووجود تلك الملابسات، لم يلغ هذا الحق لأن الله -سبحانه - يعلم أنه لابد من مزاولته في أخطر الشئون، ومهما تكن النتائج، ومهما تكن الخسائر، ومهما يكن انقسام الصف، ومهما تكن كلها جزئيات لا تقوم أمام إنشاء الأمة الراشدة، المدربة بالفعل على الحياة، المدركة لتبعات الرأي والعمل، الواعية لنتائج الرأي والعمل، ومن هنا جاء الأمر الإلهي في هذا الوقت بالذات "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ" ليقرر المبدأ في مواجهة أخطر الأخطار التي صاحبت استعماله، وليثبت هذا القرار في حياة الأمة المسلمة أيا كانت هذه الأخطار التي تقع في أثناء التطبيق، وليسقط الحجة الواهية التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة، كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة، ولو كان هو انقسام الصف، كما وقع في أحد والعدو على الأبواب، لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ، ووجود الأمة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق.

2- وقال تعالى: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" [الشورى: 38], لقد قرنت الآية الكريمة الشورى بين المسلمين بإقامة الصلاة، فدل ذلك على أن حكم الشورى كحكم الصلاة، وحكم الصلاة واجبة شرعا، فكذلك الشورى واجبة شرعا(2).

إن هذه الآية قد نزلت في سورة سميت سورة الشورى، وهي مكية, ولقد جاءت مؤكدة أن تكون الشورى صفة ملازمة للجماعة الإسلامية، وسلوكا اجتماعيا لا يغادرهم قبل قيام الدولة الإسلامية وبعد قيامها، فإن كلمة أمرهم من ألفاظ العموم تشمل جميع شئونهم العامة وحياتهم المشتركة(1).

قال سيد قطب - رحمه الله - في تفسيره لهذه الآية: «والتعبير يجعل أمرهم كله شورى، لصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة، وهو كما قلنا نص مكي قبل قيام الدولة الإسلامية. فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين، إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم بعد.

والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية، والجماعة تتضمن الدولة، تنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية.

ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة مبكرا، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشئون الحكم فيها، إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية، وهي من ألزم صفات القيادة».

ويقول الأستاذ عبد القادر عودة - رحمه الله -: «الشورى دعامة من دعائم الإيمان وصفة من الصفات المميزة للمسلمين، سوَّى الله بينها وبين الصلاة والإنفاق في قوله: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" [الشورى:38] فجعل للاستجابة لله نتائج بين لنا أبرزها، وأظهرها، وهي إقامة الصلاة والشورى والإنفاق، وإذا كانت الشورى من الإيمان فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، ولا يحسن إسلامهم إذا لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة، ومادامت الشورى صفة لازمة للمسلم لا يكمل إيمانه إلا بتوفرها، فهي إذن فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين، فعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم والإدارة، والسياسة، والتشريع، وكل ما يتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة، وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها، سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم»(1).

والأحاديث القولية والسنة الفعلية الدالة على وجوب الشورى كثيرة ونكتفي بما ذكرنا خوفا من الإطالة ومن خلال الدراسة الوافية لمسألة الشورى يتضح أن القول بالوجوب أرجح من الندب والعلم عند الله.

هل الشورى معلمة ام ملزمة؟

ولقد اختلف العلماء هل الشورى معلمة أو ملزمة، ولقد اخترت في هذا البحث كونها ملزمة وهو الذي ينسجم مع أهداف التمكين، والواقع المعاش للأمة، ولقد ذهب جمهور العلماء والفقهاء في العصر الحديث إلى أن الشورى بنتيجتها للإمام ملزمة, وعليه أن يأخذ برأي الأغلبية وإن كان رأي الأغلبية يخالف رأيه الذي يرجح أنه أصوب من رأيهم، ولقد كان آخر رأي صدر عن الأستاذ المودودي في هذا الشأن أن الشورى ملزمة للأمير، وليس له أن ينفرد برأيه ويخالف رأي أهل الشورى أو أغلبيتهم.

وقال الشيخ محمود شلتوت في كتابه من توجيهات الإسلام تعقيبا على موقف السعدين سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - رضي الله عنهما - من رفض إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى ذلك: «وهذه الحادثة تضع تقليدًا دستوريًا هامًا، وهو أن الحاكم ولو كان رسولا معصوما يجب عليه ألا يستبد بأمر المسلمين، ولا أن يقطع برأي في شأن هام، ولا أن يعقد معاهدة تلزم المسلمين بأي التزام دون مشاورتهم وأخذ آرائهم، فإن فعل كان للأمة حق إلغاء كل ما استبد به من دونهم، وتمزيق كل معاهدة لم يكن لهم فيها رأي»(1).

ويقول الأستاذ عبد الكريم زيدان: «الأخذ برأي رئيس الدولة سديد من الناحية النظرية، ولكن نظرا لضرورات الواقع، وتغير النفوس، ورقة الدين، وضعف الإيمان، وندرة الأكفاء الملهمين، كل هذا يقتضينا أن نأخذ بالرأي الثاني، فنلزم رئيس الدولة برأي الأكثرية بشروط، الأول: إذا لم يقتنع رئيس الدولة برأي الأكثرية فله أن يحيل الخلاف إلى هيئة التحكيم، والثاني: إذا لم يقتنع برأي هيئة التحكيم، فله إجراء استفتاء عام حول موضوع الخلاف، الثالث: أن يعطي حرية اتباع الرأي الذي يراه في الأحوال الاستثنائية كحالة الحرب أو خطر يهدد سلامة البلاد»(2).

ولا نريد أن نتوسع في نقل الأقوال لكثرة الباحثين والعلماء الذين ذهبوا إلى أن الشورى ملزمة.

إن الله تعالى قد شرع نظام الشورى لحكم بالغة، ومقاصد عظيمة، ولما فيها من المصالح الكبيرة، والفوائد الجليلة التي تعود على الأمة والدولة والمجتمع بالخير والبركة ومن ذلك:

يتعرض الحكام والقادة والرؤساء في كثير من الأحيان والظروف إلى اندفاعات عاطفية، تكون ذات نتائج سلبية وآثار سيئة على حياة الأمة، وفي هذه الحالة تكون الشورى من أنجح الضوابط لكبح جماح العواطف لدى الحكام والقادة والرؤساء, ففي المشاورة عصمة لهم من الإقدام على أمور تضر بالأمة وقد لا يشعرون بضررها.

فوائد الشورى

الشورى نوع من الحوار المفتوح، ومن أحسن الأساليب لتوعية الرأي العام وتنويره، وتعزيز عوامل الحب والثقة بين الحاكم والمحكومين، والقائد والمقودين، والرئيس والمرءوسين، وهو خير أسلوب في الحكم لعزل الشكوك، ونفي الهواجس وإزالة الأوهام، ووقف الشائعات التي تنمو عادة في ظل الاستبداد وتنتشر في عتمة الغوغائية. تقضي مبادئ الإسلام بأن يشعر كل فرد أن له دورا في حياة المجتمع والجماعة، والشورى تتيح الفرصة أمام كل فرد لكي يقدم ما يستطيع من جهود وأفكار وآراء ومهارات لخير المجتمع، كما تتيح الفرصة أمام كل فرد ليعبر عن رأيه في الشئون العامة. إن الشورى تمنح الدفء العاطفي، والتماسك الفكري لأفراد الأمة، وفيها إشعار الفرد بقيمته الذاتية، وقيمته الفكرية، وقيمته الإنسانية، وتدفع أفراد المجتمع نحو الاجتهاد والإبداع والرضا وتتفجر الطاقات وتتكشف المواهب المغمورة في الأمة. إن الشورى تساهم في علاج ضروب الكبت الضاغطة، وكوامن الأحقاد الدفينة، وتطيح بكثير من الكظوم الخفية، وتدفع رعايا الدولة للعطاء والحرص على ترسيخ النظام، وصدق الولاء. وفي نظام الشورى تذكير للأمة بأنها هي صاحبة السلطان وتذكير لرئيس الدولة بأنه وكيل عنها في مباشرة الحكم والسلطان. وفي المشاورة امتثال لأمر الله بها، واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذه المزية أرجح المزايا المتقدمة، وهذا أهم العوامل في نجاح نظام الشورى(1). إن الشورى تمثل عملا سياسيا ضروريا لنجاح الدولة في تدبير شئون الأمة، وهي تشكل منهجا حيويا يتوقف عليه انتصار الحق في المجتمع، والتزام السداد في شئونه، كما يتوقف عليه احترام العقل في الدولة واحترام الإنسان في ظلها. وهي ضمانة سياسية لاستقرار الدولة وحمايتها من عوامل الضعف، وهي سبيل رئيسي لسلامة المجتمع من الفوضى, وسلامة الدعوة الإسلامية من العثار حين أداء دورها العظيم في العالم، وهي تتطلب انتخاب الهيئة القيادية السياسية والاجتماعية لمراقبة الخطوط الأساسية وضبطها طبقا لأحكام الشريعة التي تجسد المصالح الحقيقية للأمة. وهناك حقيقة ينبغي أن تتضح في العقول والأذهان وهي أن بقاء المجتمع قويا متمسكا بأهدافه السامية، وقيمة العليا يتطلب تعزيز الدور السياسي الذي تضطلع به الأمة بمجموعها عن طريق ممارسة الشورى التي شرعها الله للمؤمنين، فمن خلال الشورى يتأكد السلطان السياسي الحقيقي الذي يقوم بمهمة الإشراف الفعلي والعقلي على المجتمع برمته. وفي المجتمع الإسلامي تتقبل الآراء وفقا لجدارتها، وبمقدار انسجامها مع عقيدة الأمة ودستور الدولة, تلك الدولة التي من شأنها أن تمنح الأفراد قدرة على ابتكار الأفكار الجديدة، والآراء الناضجة، وأن الدولة التي تنفذ الأمور دون معرفة بالحقائق المتصلة بها، واستيعاب الظروف والملابسات المحيطة بها، ودون الالتفات إلى رأي الأمة وسماع وجهة نظرها عن طريق ممثليها إنما تقوم بمغامرة غير مأمونة في نتائجها, ولا سليمة في نهايتها, ولن تتوصل إلى حلول منطقية مبنية على أسس سليمة، ومن هنا فإن الإلمام بالواقع يمثل أمرًا شديد الأهمية في فن الحكم, فكل قرار سياسي مهما بلغت كفاءة الرئيس الذي يصدره ومكانته السياسية العالية - سوف يكون حتما وبالتأكيد قرارا خاطئا إن هو أخطأ في معرفة الواقع الذي يعالجه, وهذه القاعدة لا تنطبق على القرارات السياسية وحدها، بل تنطبق أيضا على كل قرار أيا كان نوعه وفي أي مجال من مجالات الحياة البشرية؛ في السياسة والإدارة, في الحياة العامة أو الخاصة على حد سواء، والقرآن الكريم يرشدنا إلى هذه الحقيقة في عدد من الآيات التي تؤكد على ضرورة التثبت والتبين والتأني والبعد عن الاستعجال، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" [الحجرات: 6] فهذه الآية تتضمن ضرورة الحرص على الإلمام بالحقيقة والواقع إلماما كاملا قبل إصدار القرارات في أي مجال من مجالات الحياة. فكل حاكم يريد لحكمه أن يستمر ولنظام دولته أن يستقر عليه أن يكون حريصا على الإلمام بحقيقة الأوضاع ببلاده، والشورى خير سبيل لتحقيق هذه الغاية(1). ولا مانع من تنظيم الشورى بتشكيل مجالس، أو تعيين نواب أو ممثلين لكل جماعة, وإتاحة الفرصة للاختيار بشرط أن يكون مرجعهم كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بحيث لا تتعارض توصياتهم أو قراراتهم أو تشريعاتهم مع شرع الله عز وجل(2). ولا مانع من ضبط ممارسة الشورى وفق نظام، أو منشور, أو قانون يعرف فيه ولي الأمر حدود ما ينبغي أن يشاور فيه ومتى وكيف؟ وتعرف الأمة حدود ما تستشار فيه ومتى؟ وكيف؟ لأن الشكل الذي الذي تتم به الشورى ليس مصبوبا في قالب حديدي، فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان.

طرق تطبيق الشورى

إن القرآن الكريم لم يبين وسائل الشورى، كما لم يبين وسائل تحقيق العدالة، بل ترك ذلك لتقدير الناس ينتهجون أحسن الوسائل التي توصلهم إلى المطلوب على الوجه الأكمل، وذلك يتمشى مع فكرة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، ومع فكرة يسر الدين وسلامة أحكامه من الحرج، ولذلك فسح الإسلام لأتباعه المجال لاختيار التنظيم الذي يرونه محققًا الشورى على وجهها المفيد.

إن أشكال الشورى وأساليب تطبيقها ووسائل تحقيقها وإجراءاتها ليست من قبيل العقائد, وليست من القواعد الشرعية المحكمة التي يجب التزامها بصورة واحدة في كل العصور والأزمنة، وإنما هي متروكة للتحري والاجتهاد والبحث والاختيار, أما أصل الشورى فإنه من قبيل المحكم الثابت الذي لا يجوز تجاهله أو إهماله لأن الشورى في جميع الأمكنة والأزمنة مفيدة ومجدية، والدكتاتورية أو حكم الفرد في جميع الأمكنة والأزمنة كريهة ومخربة.

إن شئون الحياة متعددة، ولكل شأن منها أناس هم المختصون فيه وهم أهل معرفته، ومعرفة ما يجب أن يكون عليه، ففي الأمة جانب القوة، وفي الأمة جانب القضاء، وفض المنازعات وحسم الخصومات، وفيها جانب المال والاقتصاد، وفيها جانب السياسة وتدبير الشئون الداخلية والخارجية, وفيها جانب الفنون الإدارية وفيها جانب التعليم والتربية، وفيها جانب الهندسة، وفيها جانب العلوم والمعارف الإنسانية، وفيها غير ذلك من الجوانب، ولكل جانب أناس عرفوا فيه بنضج الآراء، وعظيم الآثار وطول الخبرة والمران.

هؤلاء هم أهل الشورى في الشئون المختلفة، وهم الذين يجب على الأمة أن تعرفهم بآثارهم وتمنحهم ثقتها، وتنيبهم عنها في الرأي, وهم الذين يرجع إليهم الحاكم لأخذ رأيهم واستشارتهم، وهم الوسيلة الدائمة في نظر الإسلام لمعرفة ما تسوس به الأمة أمورها مما لم يرد في المصادر الشرعية ويحتاج إلى اجتهاد(1).

ولذلك ينبغي أن يعتمد في الشورى على أصحاب الاختصاص والخبرة في المسائل المعروضة التي تحتاج إلى نوع من المعرفة, ففي شئون الدين والأحكام يستشار علماء الدين.

وفي شئون العمران والهندسة يستشار المهندسون.

وفي شئون الصناعة يستشار خبراء الصناعة.

وفي شئون التجارة يستشار خبراء التجارة.

وفي شئون الزراعة يستشار خبراء الزراعة، وهكذا وهنا لابد من توجيه الأنظار إلى أنه من الضروري أن يكون علماء الدين قاسمًا مشتركًا في هذه الشئون حتى لا يخرج المستشارون في تقرير السياسات المتنوعة عن حدود الشريعة(2).

هذه إشارة موجزة عن أهمية الشورى ومزاياها وفائدتها في إقامة الدولة وتقويتها وبناء المجتمع الإسلامي المنشود والنهوض به نحو المعالي.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة