السؤال بين المندوب والممنوع

سؤال خطر على بالي وخطر على بالكم جيمعا ولا شك.. هل الاسلام يحث على السؤال ام يدعونا للتوقف عند ما نتعلمه؟ للوهلة الاولى تبدو الآراء مختلفة... ولكن بعد التمعن توصلت للتفريق بين ما هو محبب وبين ما هو مكروه..

الاسئلة المندوبة

1- الاسئلة التي تزيد القناعة واليقين.

فهذا إبراهيم عليه السلام، يدعو ربه:"..ربّ أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن ؟! قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي.." (البقرة:260) وهذا موسى، عليه السلام، يرجو ربه:"ربّ أرني أنظر إليك" ولكن أنّى لبشر أن يطيق ذلك في قانون الدنيا. ومن هنا لا بد من تقريب هذه الحقيقة إلى موسى، عليه السّلام، ليقتنع ويطمئنّ قلبه: "..قال لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني" (الأعراف: 143)، فالاستسلام الحقيقي هو استسلام العارفين، والانقياد الجوهري هو انقياد المقتنعين، ولا فلاح لمنهج ولا فكرة لا تقيم بناءها على أساس من المعرفة والاقتناع.

2- معرفة الحكمة من الامور والتخلص من قيود التبعية العمياء

يحتاج الناس إلى البرهان، وإلى معرفة الحكمة من وراء التشريع، حتى في الشعائر التعبديّة.أمّا قول العلماء إنّ العبادات لا تعلل، فإنها قضية أخرى لا علاقة لها بالحكمة. وحتى عندما يعجز العقل البشري عن إدراك الحكمة فإنّه بالإمكان تقديم الدليل على هذا العجز، وعندها تتحقق القناعة المطلوبة، كما حصل عندما طلب موسى، عليه السلام، أن يرى الله تعالى. إذا كنّا بحاجة دائمة إلى استجلاء الحكمة من وراء النص الديني، وإذا كانت الملائكة قد تساءلت عن الحكمة:" أتجعلُ فيها من يفسدُ فيها ويسفك الدماء"، فماذا يمكن أن نقول في أولئك الذين يريدون أن يجعلوا من الشعوب أغناماً تُقاد، وماذا نقول في الديكتاتوريّات التي ابتليت بها الأمّة فكانت صوراً مكررة لفرعون وهو يقول:" ما أريكم إلا ما أرى"؟!

الاسئلة المحظورة

"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم .عفا الله عنها والله غفور حليم . قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين"

مقدمة: اسباب التزول

وروي أنه لما نزلت آية الحج سأل سائل:أفي كل عام? فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السؤال لأن النص على الحج جاء مجملا: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا" والحج مرة يجزي. فأما السؤال عنه أفي كل عام فهو تفسير له بالصعب الذي لم يفرضه الله. وفي حديث مرسل رواه الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا". قالوا:يا رسول الله أفي كل عام ? فسكت . فقالوا: أفي كل عام ? قال: " لا. ولو قلت نعم لوجبت " فأنزل الله: "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". . الخ الآية . وفي حديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم:" . . . فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا " فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله? قال: " النار" فقام عبدالله بن حذافة فقال: "من أبي يا رسول الله ? " فقال:" أبوك حذافة " . . قال ابن عبد البر: عبدالله بن حذافة أسلم قديما, وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية, وشهد بدرا, وكانت فيه دعابة ! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قال: من أبي يا رسول الله? قال: "أبوك حذافة " قالت أمه: ما سمعت بابن أعق منك. أأمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس?! فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به . .

وعلى هذا تكون الاسئلة لمحظورة هي:

1- السؤال فيما لم يفصله الله (خاصة في عهد النبوة)

جاء القرآن لا ليقرر عقيدة فحسب, ولا ليشرع شريعة فحسب. ولكن كذلك ليربي أمة, وينشىء مجتمعا, وليكون الأفراد وينشئهم على منهج عقلي وخلقي من صنعه . . وهو هنا يعلمهم أدب السؤال, وحدود البحث , ومنهج المعرفة . . وما دام الله - سبحانه - هو الذي ينزل هذه الشريعة, ويخبر بالغيب, فمن الأدب أن يترك العبيد لحكمته تفصيل تلك الشريعة أو إجمالها. هناك أمور تركها الله مجملة أو مجهلة; ولا ضير على الناس في تركها هكذا كما أرادها الله . ولكن السؤال - في عهد النبوة وفترة تنزل القرآن - قد يجعل الإجابة عنها متعينة فتسوء بعضهم , وتشق عليهم كلهم وعلى من يجيء بعدهم. لذلك نهى الله الذين آمنوا أن يسألوا عن أشياء يسوؤهم الكشف عنها; وأنذرهم بأنهم سيجابون عنها إذا سألوا في فترة الوحي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وستترتب عليهم تكاليف عفا الله عنها فتركها ولم يفرضها: "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم . . عفا الله عنها . ."  أي لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها وترك فرضها أو تفصيلها ليكون في الإجمال سعة . .

 ولقد رأينا في سورة البقرة كيف أن بني إسرائيل حينما أمرهم الله أن يذبحوا بقرة , بلا شروط ولا قيود , كانت تجزيهم فيها بقرة أية بقرة . . أخذوا يسألون عن أوصافها ويدققون في تفصيلات هذه الأوصاف . وفي كل مرة كان يشدد عليهم . ولو تركوا السؤال ليسروا على أنفسهم .  وكذلك كان شأنهم في السبت الذي طلبوه ثم لم يطيقوه ! . . ولقد كان هذا شأنهم دائما حتى حرم الله عليهم أشياء كثيرة تربية لهم وعقوبة ! وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال:" ذروني ما تركتكم . فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم , واختلافهم على أنبيائهم ". وفي الصحيح أيضا:" إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها , وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها . وسكت عن أشياء رحمة بكم - غير نسيان - فلا تسألوا عنها " . . وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما, من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته " .

·         السؤال في الغيب المجرد

 كذلك على الناس ان يتركوا كشف الغيب أو ستره . وأن يقفوا هم في هذه الأمور عند الحدود التي أرادها العليم الخبير . لا ليشددوا على أنفسهم بتنصيص النصوص, والجري وراء الاحتمالات والفروض. إن المعرفة في الإسلام إنما تطلب لمواجهة حاجة واقعة وفي حدود هذه الحاجة الواقعة . . فالغيب وما وراءه تصان الطاقة البشرية أن تنفق في استجلائه واستكناهه , لأن معرفته لا تواجه حاجة واقعية في حياة البشرية . وحسب القلب البشري أن يؤمن بهذا الغيب كما وصفه العليم به . فأما حين يتجاوز الإيمان به إلى البحث عن كنهه ; فإنه لا يصل إلى شيء أبدا , لأنه ليس مزودا بالمقدرة على استكناهه إلا في الحدود التي كشف الله عنها . فهو جهد ضائع . فوق أنه ضرب في التيه بلا دليل , يؤدي إلى الضلال البعيد. ومن هذه الانواع من الاسئلة: ماذا يحل بالملكين المكلفين بمراقبة الانسان بعد مماته؟

3- السؤال فيما لا ينفع 

قال المروزي قال أبو عبد الله : سألني رجل مرة عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم ؟ فقلت له أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا.

ونقل أحمد بن أصرم عن أحمد أنه سئل عن مسألة في اللعان فقال سل رحمك الله عما ابتليت به ,

ونقل عنه أبو داود وسألته عن أخرى فغضب وقال : خذ ويحك فيما تنتفع به وإياك وهذه المحدثة وخذ في شيء فيه حديث

وقال الأثرم : سمعت أحمد سئل عن مسألة قال دعنا ليت أنا نحسن ما جاء فيه الأثر وقال مهنا سألت أحمد عن رجل استأجر من رجل داره سنة بعبد فلم يسكن الدار وأبق العبد , فقال لي اعفنا من هذه المسائل , وسألت أحمد عن المريض في شهر رمضان يضعف عن الصوم قال : يفطر قلت : يأكل قال نعم قلت ويجامع امرأته قال : لا أدري فأعدت عليه فحول وجهه عني .

لذلك من غير المفيد ان نضيع اوقاتنا بالمفاضلة بين آل البيت والصحابة رضي الله عنهم وما شجر بينهم من خلاف، ونحو ذلك مما لا طائل تحته، وقد أفضى الجميع إلى ربهم، وقضى الله ما كان.

سئل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين، فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن يلطخ بها لساني! ومثل ذلك اسئلة:  أيهما أفضل عند الله: أبو بكر أم علي؟ وأيهما كان أحق بالخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أيهما أفضل: فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم عائشة أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ او المفاضلة بين الأنبياء، مثل إسماعيل وإسحاق، أو موسى وعيسى. وهي أسئلة لا يترتب عليها العلم بها، قوة في دين، ولا نهضة في دنيا، ومن جهل الجواب عنها فلا إثم عليه، ومن كون في كل منها رأيا فهيهات أن يتنازل عنه.

4- السؤال فيما لم يكن

روى أحمد من رواية ليث عن طاوس عن ابن عمر قال : لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر ينهى أن يسأل عما لم يكن . وروى أيضا بإسناد حسن عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوا إلا عن ثلاثة عشر مسألة حتى قبض , كلهن في القرآن وما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم وروي أيضا من رواية مجالد عن عامر عن جابر قال : قال ما أنزل البلاء إلا كثرة السؤال .  وقال البيهقي في كتاب المدخل كره السلف السؤال عن المسألة قبل كونها إذا لم يكن فيها كتاب ولا سنة , وإنما سأل بالاجتهاد لأنه إنما يباح للضرورة ولا ضرورة قبل الواقعة وقد يتغير اجتهاده عندها . واحتج بحديث { من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه } وقال طاوس عن عمر لا يحل لكم أن تسألوا عما لم يكن وقال ابن وهب أخبرني الفتح بن بكر عن عبد الرحمن بن شريح أن عمر قال : وإياكم وهذه العضل فإنها إذا نزلت بعث الله لها من يقيمها أو يفسرها , وروي عن أبي بن كعب نحو ذلك وقال ابن مهدي : عن حماد بن زيد عن الصلت بن راشد قال : سألت طاوسا عن شيء فقال : أكان هذا قلت نعم . فحلفني فحلفت له .

5- ما يقصد به فتنة الناس او ما فوق طاقتهم

مثل الأسئلة التي يريد بها أصحابها المراء والجدل، أو التعالم والتفاصح، أو امتحان المفتي وتعجيزه، أو الخوض فيما لا يحسنونه، أو إثارة الأحقاد والفتن بين الناس، أو نحو ذلك، لأنها تضر ولا تنفع، وتهدم ولا تبني، وتفرق ولا تجمع.

ومن ذلك الأسئلة التي تتضمن ألغازا شرعية يريدون حلها من مثل: "نوى ولا صلى، وصلى ولا نوى" و"قوم كذبوا ودخلوا الجنة، وقوم صدقوا ودخلوا النار" ومثل ذلك الأسئلة التي تتعلق بالأمور الغيبية، مما لم يجئ بتحديده نص معصوم، ومثل ذلك غوامض المسائل الدينية والعقائدية التي لا تحتملها الطاقة العقلية المعتادة لجمهور الناس، ويخشى من الخوض فيها ـ سؤالا وجوابا ـ التشويش على الكثيرين.

قال في ذلك الإمام شهاب الدين القرافي:

"ينبغي للمفتي إذا جاءته فتيا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فيما يتعلق بالربوبية، يسأل فيها عن أمور لا تصلح لذلك السائل لكونه من العوام الجلف، أو يسأل عن المعضلات، ودقائق الديانات، ومتشابه الآيات والأمور التي لا يخوض فيها إلا كبار العلماء، ويعلم أن الباعث له على ذلك إنما هو الفراغ والفضول والتصدي لما لا يصلح له، فلا يجيبه أصلا، ويظهر له الإنكار على مثل هذا، ويقول له: اشتغل بما يعنيك من السؤال عن صلاتك وأمور معاملاتك، ولا تخض فيما عساه يهلكك، لعدم استعدادك له.وإن كان الباعث له شبهة عرضت له: فينبغي أن يقبل عليه، ويتلطف به في إزالتها عنه بما يصل إليه عقله، فهداية الخلق فرض على من سئل. قال: والأحسن أن يكون البيان له باللفظ دون الكتابة، فإن اللسان يفهم ما لا يفهم القلم، لأنه حي، والقلم موات، فإن الخلق عباد الله، وأقربهم إليه أنفعهم لعياله، ولا سيما في أمر الدين وما يرجع إلى العقائد".

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة