الرمادي الفضفاض

طبعا منطق تصنيف الامور الى ابيض واسود منطق مرفوض.. فهو صياغة اخرى لمنطق بوش: اما معنا او ضدنا.. هذا حينما تكون الامور اجتهادية وقابلة للنقاش كالامور السياسية والاجتماعية.. غير انه حينما تصل الامور الى العقيدة والمبادىء ففعلا الامور تصل الى مستوى الابيض والاسود والى المفاصلة التامة.. اما خير واما شر.. اما ايمان واما كفر..  ومن هذا الباب فأنا اناقش في هذا المقال كل ما يخضع للاجتهاد وللخلاف من قضايا.. اما الامور اليقينية فلا مجال للبحث فيها لأنها محسومة عندنا..

الموقف الرمادي في الامور الاجتهادية

وهنا اطرح سؤالا هاما: هل الموقف الرمادي مقبول في الامور الاجتهادية؟

نعم الموقف الرمادي مقبول.. شرط الا يكون رماديا فضفاضا.. على صاحب هذا الموقف ان يحدد لنا في أي تدرج من الرمادي هو.. فالابيض واضح وهو الايجاب المطلق والاسود واضح وهو الرفض المطلق اما الرمادي فغير واضح لانه قد يكون رماديا داكنا اقرب للاسود وقد يكون رماديا فاتحا اقرب للابيض.. فانتقادنا للمواقف الرمادية ليس انتقادا للون انما لغياب الوضوح والتحديد.

مزيد من التوضيح

لعل احدكم يطلب مني توضيحا وامثلة تطبيقية فاقول بعون الله..

لنفترض ان موقفي من القضية الفلانية هو اسود يعني رفض مطلق.. وخصمي وخصمك موقفه ابيض وهو القبول المطلق وانت توافقني في جزئية ان الموقف الأبيض خاطىء.. ولكنك في الوقت نفسه تتمايز عني بقولك ان القضية ممكن تكون مقبولة وفيها اخذ ورد حسب الظروف.. كلام جميل ومقنع.. لكن الا تلاحظ معي ان موقفك فضفاض؟؟  

قد تسألني ماذا تريد مني اذن؟ ان اتبنى رأيك وان اجزم بأن هذه القضية محسومة.. لا ابدا.. انا اريد منك ذلك..  بل ان توضح فقط تدرج الرمادي عندك..  تحدد بدقة الضوابط التي تقبل في ضوءها هذه القضية محط الخلاف.. والا فلا تلم أي شخص ان طبق الموقف الابيض وهو مستند على كلامك الرمادي فانت لم تحدد له أي درجة من الرمادي عليه ان يلتزم بها.. لا اعفي هذا الشخص الذي فعل هذا من المسؤولية بالتأكيد فهو ان اخذ كلامك بدون فهمه يكون عليه وزر الاتباع الاعمى وان اخذه كنوع من الاستغلال وحوره عن معناه كان عليه وزر النفاق. ولكن لا تستطيع ان تنكر انك فتحت له بابا ما كان عليك ان تفتحه..

بالنسبة لموضوع دخول مجلس لا يحكم بحكم الله

فاما هو قضية عقائدية لا تخضع للنقاش واما قضية فقهية تخضع لمفهوم ترجيح المصالح كأي قضية اخرى.

ان كان عقائديا فالامر محسوم ولا مجال للاجتهاد فيه.. وان كان فقهيا فالاصل فيه التحريم ولا يباح الا لضرورة حسب قاعدة الضرورات تبيح المحظورات فهل يا ترى الضرورة موجودة؟ وهل هي منضبطة ومحددة ويقينية ام هي مجرد حاجة اوصلتها ميولك الى درجة الضروريات؟ مثال هل نيل شهادة الدكتوراه ضرروة تبيح للفتاة ان تخلع حجابها وان تسافر بلا محرم؟ الشرع لا يوافق..ز وذوي النفوس الضعيفة يوافقون..

وفرضا ان الضرورة حقيقية وموجودة فالذي شرع اباحة المحظورات لضرورة اوضح في الوقت نفسه ان الضرورات تقدر بقدرها.. وانه لا ينبغي للانسان ان يتوسع باباحة المحظورات.. اليس هذا مفهوم الآية الكريمة "فمن اضطر غير باغ ولا عاد".. أي غير مبتغ للامر باراداته بل مضطر عليه ولا متعد بإستباحته لما فوق ظروف الضرورة.

نحن نعرف ان عدونا له مصلحة ان نشرعن له وجوده ولا يقوم بأمر الا وكانت له مصلحة واضحة فيه (كونه الاقوى والمسيطر). وبالتالي من كان موقفه مذبذبا او رماديا فضفاضا كان مشاركا بطريقة او باخرى بالدعاية والترويج لخطة العدو. ومن اراد فعلا ان يتخذ موقفا مشرفا دون ان يحرم مشاركة الدخول فعليه ان يوضح الضوابط التي تمنع هؤلاء المتاجرين الخونة من الدخول للبرلمان متذرعين بكلامه. فمجرد ذكر المصالح وحدها لا يكفي لتبرير جواز المشاركة اذا لم نحدد ماهية هذه المصالح وقيمتها في ميزان الشرع والواقع وماهية الضوابط التي تحكم تحديدها وآلية المحاسبة لمن يدعي انه دخل بشروطنا.

مثال تطبيقي عن دخول المجلس النيابي

فلان دخل المجلس تحت شعار انه يريد خدمة مصالحنا.

بعد التدقيق تبين لنا انه قام بواحد من هذه الامور التالية:

1-    كاذب انتهازي يريد مصلحته ومصلحة اسرته فقط.

2-    شرعن وجود العدو ومالأه ضدنا.

3-    نظيف لكن ضعيف ولم يحقق المصلحة التي وعد بها.

4-    نظيف ولكن استخدم كشاهد زور لتمرير قرارات العدو ضدنا مدعين انهم حصلوا على موافقة من يمثلنا عند إقرارها.

5-    زاد الانقسام في الصف الداخلي بدل ان يدافع عن حقوقنا.

الخ الخ الخ.. فنحن كعرب للاسف نحب العلى ولو على الخازوق واحتمال الانحراف اكبر بكثير من الثبات عند تسلم السلطة..

الخلاصة

لست في صدد الدخول في موضوع الانتخابات والمجالس النيابية الآن حيث ان الحديث يتشعب فيها حسب المكان والزمان والظروف الملابسة ولكن ما ادركه تماما اني حينما اتصدى لقضية من هذا النوع فلا القي الكلام على عواهنه ولا اسمح للمصطاد بالماء العكر ان  يستغل رأيي ليشرعن دخوله المصلحي الشخصي بل اضع عليه شروطا تحوله الى "شهيد حي" ان قبل بها. وما حديثي عن هذه القضية الآن الا كمثال طرح علي مؤخرا ولكن القضية المبدأية التي تهمنا في هذا المقام هي قضية الرمادي الفضفاض حيث يقتضي التوضيح انك يا صاحب الموقف الرمادي الفضفاض ابيض عندنا حتى تحدد تدرج لونك.. ومتهم حتى تثبت براءتك .. وكلامك ضار ولا ينفع.. وفي هذه الحالة- وفقط في هذه الحالة- لا نجد حرجا في تبني موقف "اما معنا واما علينا".

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة