الرسالة الخامسة: حماية الشريعة للفرد

كل من يلعب الشطرنج يعرف ان من يجهل النظرة الاستراتيجية الشاملة للعبة لن يفهم نقلات كثيرة مستغرية قد يقوم بها اللاعب القدير.. فقد يضحي هذا اللاعب القدير بالرخ مقابل الفيل مع ان الرخ اغلى من الفيل فقط ليكسب موقعا استراتيجيا مميزا يستطيع ان يهدد فيه الملك.. ففي النهاية نحن يهمنا محاصرة ملك الخصم لا اكل حجاره .. وما اكل الحجار الا وسيلة.. وهكذا ايضا يحتوي الاسلام على مبادىء تبدو مستغربة للوهلة الاولى لمن يبحث عن نصر سريع ولكن ثمارها تؤتي اكلها بعد حين.. ومن ابلغ الامثلة على ذلك صلح الحديبية الذي بدا ظاهره تنازلا من المسلمين للمشركين فيما حمل هذا السلم الخير الكثير عليهم.. اذ دخل في وقت السلم الى الاسلام اضعاف ما دخله وقت الحروب ومع قريش..و الآن لنعود لسبر بعض جوانب الحكمة من بعض الاحكام التي قد تثير الاستغراب عند غير المتعمقين بالدين في حين ان الهدف الاستراتيجي منها  كان حماية الفرد.

1-    تحريم تغيير خلق الله (شبهة نمص الحواجب)

في مرة من المرات اثير موضوع نمص الحواجب أمامنا فاعترض احد الاخوة.. وقال ان الامة الاسلامية تعاني من مشاكل عديدة وانتم تلتهون بالنظر في حكم الحواجب.. هذه قشور وتفاهات.. وامور شخصية خاصة بالمرأة... طبعا كان ردنا الواضح ان لا قشور في الاسلام.. نعم هناك اولويات وثانويات.. لكن ليس هناك تفاهات وقشور لاننا لا ننظر الى صغر المعصية بل الى عظمة من نعصي.. على ان تحريم النمص له مغزى عظيم اكبر مما قد يتراءى لنا.. وهو ان الله حرم علينا ان نغير الخلق الذي خلقنا عليه فنقل في القرآن الكريم ما قاله الشيطان "ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله" فليست القضية متوقفة على نمص الحواجب بل على كل عملية تجميلية نغير فيها الخلقة التي خلقنا الله عليها.. وذلك فيه حكم كثيرة.. منها ان الله حرم الغرر والغش.. وعمليات التجميل نوع من الغش لأنك تركب شيئا اصطناعيا في جسدك.. فلن يكون بجمال الحقيقي وان اكتشف الزوج المخدوع هذا قد يزهد في المراة.. ومنها ان المرأة تعرض عورتها على الطبيب لغير حاجة.. ومنها ان الاختلاف سنة كونية.. وان عمليات التجميل تصب في تكريس نموذج واحد للجمال الانثوي.. والاهم من ذلك ان رب العالمين يريد الحفاظ على فطرتنا.. لذلك فإن تغيير خلق الله قد يبدأ بصورة اعتراض على الشكل الذي خلقنا فيه.. ويتدرج ليصل الى صورة الاعتراض على الفطرة التي خلقت في داخلنا.. فيرى الشذوذ الجنسي والكذب والنفاق امورا طبيعية..

2- رعاية الفرد وحماية مشاعره (شبهة التشدد في فصل الرجل عن المراة)

يقول الشعرواي رحمه الله : كل شعور فى الانسان يمر بثلاث مراحل : مرحلة أن يدرك ، ومرحلة أن يجد فى نفسه ، ومرحلة أن يحول الأمر إلى سلوك ، ونضرب دائما المثل بالوردة . وأنت تسير ترى وردة فى بستان وبمجرد رؤيتك لها فهذا ادراك ، واذا أعجبتك الوردة وعشقتها وأحببتها فهذا وجدان . واذا اتجهت لتقطفها فهذه عملية نزوعية. ومتى يتدخل الشرع؟ الشرع يتدخل فى عملية النزوع دائما. يقول لك "نظرت الى الوردة ولم نعترض على ذلك، أحببتها وأعجبتك فلم نقل لك شيئأ ولكن ساعة جئت لتمد يدك لتاخذها قلنا لك : لا ، الوردة ليست لك"  وإن أعجبتك فازرع لك وردة فى البيت ، أو اسأل صاحبها مثلا ، إذن فالتشريع يتدخل فى منطقة النزوع ، إلا فى أمر المرأة فالتشريع يتدخل أول الإدراك..  لأن الذى خلقنا علم أننا إن أدركنا جمالا ، نظرنا له ، وستتولد مواجيد بالنسبة للأشياء التى نراها ونشتهيها ، وساعة يوجد إدراك واشتهاء، لانستطيع أن نفصل هذا عن النزوع.  لأنك -كرجل - مركب تركيبا كيميائيا بحيث إذ أدركت ثم حدث لك وجدان واشتهاء ، فالاشتهاء لا يهدأ الا بنزوع ، فيبين لك الله عز وجل أنا رحمتك من أول الأمر ، وتدخلت من أول المسالة . وكل شىء تدخل به عند النزوع الا المرأة فقد تدخلت فيها من أول الإدراك. لذلك أمر الحق الرجال بغض البصر ، وكذلك أمر المرأة . "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (النور 30)" فليس كل ما حرم علينا حرم فقط لأنه سيؤدي الى الحرام بالضرورة بل بعض الاشياء حرمت علينا كي لا نؤذي انفسنا من حيث لا نشعر.. فقد يقع الملتزم في الحب دون ان يقصد ويظل محافظا على دينه ولكنه ولا شك يتعذب.. فرب العالمين صاننا قدر الامكان من امكانية الوقوع في حب لا يرجى منه زواج.. ويبقى ان هذا ولا بد يحصل في احيان بدون قصد من الطرفين كأن يظنوا ان الطريق ملائم امامهم للزوج ثم يكتشف احدهما او كلاهما ان الطريق غير معبدة لهذا الموضوع.. ولكن طالما كانت الامور من ضمن نطاق الاعجاب ولم تصل الى حدود الغرام والوله فهذا امر يمكن التغلب عليه ان شاء لله..

3- مفهوم ان الجسد  لله (شبهة تحريم الاجهاض، العادة السرية، مكروهية التدخين)

ينظر الاسلام الى ان كل شيء ملك لله "ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور".. ومن هذه الاشياء جسد الانسان وروحه.. ولذلك فان وهب الاعضاء محرم في الاصل.. اذ ليس العضو الممنوح ملكا لك حتى تهبه. ومن جوزه من العلماء جوزه لضرورة قصوى كانقاذ نفس مريض.. ومن هذا المبدأ ايضا يحرم الانتحار .. اذ فيه ازهاق نفس .. ولو كانت نفسك.. فليست روحك ملكك حتى تزهقها.. بل هي ملك رب العالمين.. كذلك الاجهاض حرام.. بعض القوانين في الغرب تقول ان الاجهاض حق للمرأة نفسها فهي تتصرف بجسدها.. ويمنعون حتى زوجها من التدخل ان رغب في الحفاظ على الجنين.. وهذ خطأ من جانبين:

اولا، لأنها تتصرف بالجنين وهو مشروع انسان جديد ولا تتصرف بجسدها فحسب.. ثانيا، كما قلنا نحن لا نسلم ان الجسد ملك الانسان.. ومن تطبيقات هذه القاعدة تحريم او مكروهية التدخين لما فيه من ايذاء الجسد.. فلا يقولن احد: انا لا اؤذي غيري بل اؤذي نفسي فقط.. لا .. الاسلام حرم ان تضر الآخرين وان تضر نفسك كذلك.. "لا ضرر ولا ضرار".. الى هنا يبدو الامر مقنعا في معظم ما ذكرناه.. ولكن قد يحرم الاسلام عليك اشياء خاصة وحميمة ولو لم يكن ضررها ظاهرا للعيان منطلقا من ان الجسد ليس لك بل لله وانما هو منحك صلاحية التصرف فيه من ضمن ما سمح لك به.. لذلك فإن الله حرم الاستمناء باليد او ما يطلق عليه العادة السرية.. وهذا ابلغ جواب على تلك التي خرجت في حلقة تلفزيونية تدافع عن هذه الممارسة بدعوى ان للانسان الحق بالتصرف بجسده.. ولا احد يملك حق التحكم في خصوصياته.. اذ انها تجاهلت بسبب جهلها ان جسدها ليس ملكا لها بل هو امانة سلمها الله لها كي تحافظ عليها..

4- الشريعة لا تحكم على السرائر (شبهة تحريم المصافحة)

ان تحريم المصافحة بالحقيقة قائم على احتمال ان يشعر الرجل بشيء اذا صافح امراة تعجبه.. فلماذا لا نقيد تحريم المصافحة بحال الشهوة فقط.. كما اقترح بعض العلماء المعاصرين؟؟ في الحقيقة هذا جواب اجاب عليه الاصوليون قديما.. (واصولي على فكرة معناها عالم اصول الفقه وليس المتطرف..) فقالوا ان الحكم لا يعلل بالعلة الخفية.. فلسنا مجبرين ان نكشف عن قلب كل واحد حتى نعرف ان كان يشتهي فلانة ام لا.. وهذا مثله تحريم الخمر. .. فالحكمة هي الاسكار ولكن الخمر محرمة حتى لو لم تسكر.. لأن الكمية التي تسكر تختلف من شخص لآخر.. ومثله اباحة الافطار في السفر حكمتها درء المشقة ولكن المشقة متباينة بين الناس فلم تتعلق هذه الرخصة بالمشقة انما بالسفر بحد ذاته..

5-    تباين الناس في الطباع والظروف (الحدود، التعدد،..)

في كل الانظمة البشرية تصاغ القوانين لمصلحة فئة معينة.. فاذا جاء الدمقراطيون صاغوا القوانين التي تناسب افكارهم واذا جاء الجمهوريون قاموا بنفس الامر.. لا بل انه في بعض الدول التي تدعي الدمقراطية تشرع القوانين لتضمن بقاء الحزب الحاكم في السلطة.. اكيد نحن في الدول العربية افضل والحمدلله اذ لا حاجة للف والدوران ولا يوجد قانون او احد يجرؤ على تنحية الحاكم عن كرسيه في الاصل.. وكل ما نقصد قوله انه مهما كان النظام مثاليا فهو سينظر الى المجتمع من وجهة نظر العقلاء.. لكن هذه النظرة لا تعكس الواقع فالمجتمع ايضا يحتوي الفقراء والمساكين والمتخلفين ثقافيا.. وهؤلاء بحاجة الى قانون يراعي امورهم.. وما من احد قادر على ذلك الا خالقنا.. رب العالمين.. فلا ينفع الكلام عن الرقابة الذاتية لمنع حصول الشر.. فهذا ممكن ينفع الناس المثقفين المتحضرين ولكن دائما توجد اقلية لا تنضبط ذاتيا بل بحاجة الى من يضبطها.. للاسف انا ارى كثيرا من المثقفين ينظرون هذه النظرة الى الامور.. فيظنون ان الاحكام الاسلامية يجب ان تكون متوافقة مع طريقة تفكيرهم و تصرفهم هم.. ويتصرفون مثل ماري انطوانيت حين قيل لها ان الشعب لا يجد الخبز فقالت فليأكلوا بسكويت.. ومثال على ذلك ان الفتاة المثقفة الجميلة ممكن تنظر الى التعدد على انه اهانة للمراة وتقول انها تفضل ان تموت من ان تكون زوجة اولى او زوجة ثانية لرجل معدد.. وتتهم كل من يقبل بهذه الوضعية بانها متخلفة او غبية او عدوانية.. ولكنها لا تنظر الى المرأة التي تعيش بظروف اجتماعية مختلفة.. كأن تكون فقيرة بحاجة لمن يعيلها او عانس بحاجة لمن يؤنس وحدتها او مطلقة بحاجة لمن ينسيها الزوج الظالم.. هذا عدا انه في مجتمعات مغايرة للمجتمع الذي نعيش فيه قد يكون التعدد قضية عادية مقبولة عند الكل كما كان المجتمع الاسلامي في اول بدايته.. ونفس النظرة الظالمة للزوجة الثانية ممكن تعمم على الرجل المعدد فينظر اليه على انه ظالم او اناني خاصة ان عدد لأن شهوته قوية.. ويطلبون منه ان يكبت شهوته ويكتفي بواحدة وهي نصيحة ممكن تكون في محلها احيانا.. ولكن ليس كل الناس قادر على التسامي.. والرجل ان لم يكن مثقفا قد لا يعرف كل الطرق لذلك.. لذا اتى حكم الله ليجد مخرجا شرعيا للرجال بهذه المواصفات مراعيا درجة فهمهم .. ولولا هذا الحل لتهدمت بيوت كثيرة اذ ربما لجأ هذا الرجل الى الطلاق او الزنا.. فليس كلنا قادر ان يقدم عقله على غريزته.. نعم لقد راعى الاسلام كل البشر ومختلف العقليات.. ولم يأت على قياس هذه الفتاة الجميلة المتعلمة المثقفة الواعية الواثقة من امكانية حصولها على زوج مناسب بسهولة.. بل جاء لينصف كل الفتيات وكل الرجال.. مراعيا افضل الحلول الممكنة..

6- كراهية الركون الى الدنيا بدون ربطها بالآخرة (شبهة تحريم الطرب والنرد..)

يتفق كل من يعيش على وجه البسيطة ان الحياة قصيرة ولكنهم انقسموا الى رؤيتين في تصرفهم المنبثق من ملاحظتهم تلك.. ففريق استنتج ان الدنيا هي كل شيء وبما ان الحياة قصيرة فلا بد وان يستمتع بها قدر المستطاع وفريق زهد فيها وقال ما دامت فانية فلألغها تماما من حساباتي.. ونحن هنا نتكلم عن الاحساس الوجداني.. لا العقيدة الفكرية.. فليس بالضرورة ان يكون الاول كافرا والثاني مؤمنا.. فكم من مؤمن انكب على الدنيا ينهل منها مع ايمانه بوجود الآخرة ذلك ان وجدانه رفض التخلي عن ملذات الدنيا.. فلم يعط الآخرة نصيبها من وقته (مثل بعض رجال الاعمال المسلمين الذين يلهثون وراء المال) وكم من كافر زهد في الدنيا واعتزلها في صومعته الفكرية يفكر ويتأمل ويعتزل الناس حتى لو لم يكن مؤمنا بحياة اخرى بعض الموت... والصواب ان الدنيا مهمة طالما كانت جسرا للآخرة.. (اليست هي دار العمل والامتحان؟؟) وهي منبوذة طالما نظر اليها كأنها هي الحياة كلها (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون).. ويقول البوطي في هذا كلاما جميلا.. ان الآخرة هي الحديقة التي ننشدها والدنيا هي الجسر.. فصنف من الناس انشغل بهذا الجسر عن الحديقة التي يبغي الوصول اليها وجلس فيه يتأمل المناظر الخلابة حتى نسي عبوره.. وقسم اهمل اهمية هذا الجسر ولم يدرك انه بدون عبوره فلن يستطيع الوصول الى حديقته... والتصرف الصائب ان ننظر الى اهمية الدنيا ودورها كجسر وممر عبور مؤقت الآخرة.. وفي هذا المعنى حديث جميل جدا بيبن اهمية الدنيا كمحطة مؤقته في رحلة طويلة.. عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال: "ما لي وللدنيا ما مثلي وما مثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها"

والاسلام نظر في هذه النظرة ليس فقط من ناحية العقيدة بل من حيث الشريعة ايضا.. فلم يفته التذكير بأهمية الدنيا لكنه دأب على ربط الاخرة معها ولم يتكلم عن الامور المادية الا وربطها بالمعنوية.. فنصحنا ان نتزود لمسيرة الحج "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"ولكن اهتم بان نتزود بالتقوى..  وتحدث عن نعمة اللباس الفخم " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير" ولكنه حبب الينا لباس التقوى.. ومن هنا نفهم ان الاسلام اعطانا الاذن ان نلهو ونمرح ولكن اذا كان هذا اللهو ينشط الفكر كما في الشطرنج او ينشط الجسم كالسباق او يعلم الدفاع عن النفس كالكاراتيه او يساعد على الجهاد كالرمي والسباحة وركوب الخيل.. اما الالعاب التي تورث الاتكال على الحظ والخمول والسلبي والخلافات مثل النرد ورق الشدة او الكوتشينة فهذه حرام ...

ومن هنا حينما اقف امام الموسيقى فانا لا انظر اليها النظرة الفقهية البحتة الجامدة والتي اصبحت خارج الزمن عبر تقسيمها الى آلات وتر ونفخ من جهة وآلات ايقاع من جهة اخرى.. هذه النظرة التي اوصلت البعض الى اباحة موسيقى الاغاني ان كانت نغمة خليوي على اساس ان الدارات الالكترونية ليست آلات نفخ او وتر وبالمقابل حرمت الموسيقى العادية ولو كانت عسكرية او حماسية او مقدمة جينيريك للاخبار لأنها بآلات النفخ والوتر مع انها لا تطرب ولا تحض على الفحش.. انا انظر الى الموسيقى من زاوية اخرى.. بالاصل لم يحرم الله علينا ان نستمتع بآذاننا كما تستمتع اعيننا بالمناظر الخلابة و كما نمتع انفنا بالروائح الجميلة.. ولكن تحريم الموسيقى او مكروهيتها كان متعلقا خاصة بما يرتبط بها من اغاني فحش ورقص شهواني منذ القدم.. وهذا وضع معظم الاغاني والمعزوفات اليوم.. بعض الفقهاء استثنى الموسيقى الرومانسية الكلاسيكية من التحريم.. اذ انها لا تثير الشهوات..  لكن حتى هذه انا لا اراها مباحة والله اعلم .. وان كنت لا انكر جمالها.. صحيح انها لا تحرض على الفحش.. ولكنها ترقق قلب الانسان وخاصة الرجل الى درجة ممكن ينسى فيها واجبه في الحياة.. خاصة في هذا العصر.. عصر الاضطهاد الغربي لنا.. فكيف يفكر بالجهاد من يسمع هذه الموسيقى اللطيفة التي ترقق قلب الانسان وتجعله رومانسيا.. فمن الافضل ان نتعود على التمتع بالاناشيد الاسلامية والتواشيح..  ولنتذكر ان الاسلام حينما كره الرسم رغب في الزخرفة والخط حتى ابدع الفنانون العرب في الزخارف والخطوط الاسلامية.. وحينما كره في الموسيقى رغب في التجويد والترتيل.. وحينما حرم النظر الى محاسن المراة اباح الزواج مثنى وثلاث ورباع.. ولكن للاسف الممنوع مرغوب...

7- الممنوع مرغوب (شبهة تضييق الاسلام على الناس)

وعطفا على المقطع السابق.. دائما ما اسمع عبارة "لماذا ضيق الله علينا هكذا؟؟" وهو سؤال يطرح علي كثيرا من شباب يريد ان يستمتع بالدنيا.. ومنهم يصل الى حد رفض الاسلام ولو اقتنع به عقليا لأنه لا يريد التخلي عن شهواته.. لا بل ان هذا السبب الحقيقي لمعظم من يرفض الاسلام.. والحقيقة ان المحرمات معدودة.. والمباحات مكثيرة.. اذ الاصل في الامور الاباحة.. " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" .. فالمحرم في الإسلام قليل وعبر عنه في قصة آدم عليه السلام "بشجرة واحدة" بينما الحلال كثير: "كلا منها حيث شئتما". ولكن ماذا نفعل لمن لا ينظر الا الى الجزء لفارغ من الكوب؟؟ لقد اباح الله لنا الشراب كله الا الخمر واحل الطعام كله الا الميتة والدم ولحم الخنزير و الخبائث. ولكن اذا كان هذا هو الحال فكيف يظن كثير من الناس ان الدين يضيق عليهم في الحياة و ان الملتزم محروم من نعم الحياة ومتعها؟ الجواب هو تزيين الشيطان. فكما زين الشيطان لآدم الشجرة المحظورة وصورها له على انها شجرة الخلد والملك فهو لا يفتأ يزين لنا الممنوع القليل ويصوره لنا على انه المتعة الحقيقية في الحياة ويزهدنا في الوقت نفسه بالمباحات الكثيرة التي لا تحصر. ومن هنا قيل ان الممنوع مرغوب دلالة على تزيين الشيطان و النفس لهذا الممنوع.

خلاصة: الاسلام منهج متكامل

هنا تنتهي هذه السلسة من المقالات والتي كانت تهدف الى محاولة فهم نظرة الاسلام الشمولية للكون..  وللتذكير فإن دافعنا الاساسي كان الجواب على اخت من الاخوات حاولت ان تفهم مغزى اباحة التعدد - خاصة في غياب اي علة في الزوجة الاولى - رغم ما فيه من ضرر عليها.. كما طلبت هذه الأخت في حينها ان تتعرف على عدد اكبر من المسائل من هذا النوع والتي يمكن ان تكون مثار التباس عند كثير من الناس الذين لم يتسنى لهم ان ينظروا الى الاسلام نظرة متكاملة.. ان الاسلام لا بقدم حلولا سهلة او حلولا نظرية.. بل يقدم الحلول التي تطبق على الواقع باقل خسائر ممكنة.. ان الصناعة اليوم تعترف بهذا المبدأ المهم عندما تقر اننا بحاجة دائما الى حلول وسطى بين حلين مثاليين ولكن متناقضين.. لنقل مثلا ان استعمال الحديد هو ارخص من الالمنيوم لصناعة الطائرات ولكن الحديد ثقيل لا تطير به الطائرة.. فنبحث عن افضل تركيبة ممكنة من مزيج هذين المعدنين لبناء الطائرة ..  وهكذا هو الاسلام لا يتعاطى مع النظريات ولكن مع الواقع.. لكنه يعطي افضل النتائج الممكنة كي تطبق بشكل صحيح..ويبقى اننا علينا ان نتعود على الاسلام كما هو حتى نحبه..   عليك ان تبذل مجهودا في اول الامر ومن ثم تعتاد على هذا الموضوع وتبدأ اللذة بظهور.. اذاقنا الله جميعا حلاوة التقوى.. الا يحدث هذا معنا في الطعام العادي؟؟ كم من وجبة طعام كنت امقتها كثيرا وانا في الصغر - ربما لسواد لونها - فلما ذقتها وتعودت عليها مرة ومرتين وثلاثة صرت لا ارضى عنها بديلا..

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة