الرسالة الأولى: الإسلام تسليم

الاوسمة: 

1- البداية

حينما كنت يافعا .. كنت من فرط محبتي للدين اظن ان القضايا واضحة بالفطرة بحيث لا ضرورة لأرجع للاحاديث والقرآن.. فلا بد وان الادلة موجودة فيه على ما اشعره بفطرتي.. فالقتل حرام بالفطرة .. دون ان ابحث عن دليل.. وكذلك السرقة وكذلك الكذب.. والزنا.. كيف لا ولا احد يرضى ان ينتهك عرضه فكيف يرضاه للآخرين؟؟ وظللت هكذا لفترة من الزمن حتى وجدت من جادلني من المستشرقين الحاقدين على الاسلام.. وكانوا يعلمون عن ديني اكثر مما اعلم انا.. طبعا عن الشبهات التي في الدين وليس عن الدين نفسه.. فكانوا يأتون الي باحاديث واحداث وادلة عجيبة غريبة تشوه نظرتي عن الاسلام الذي اعرفه والذي احببته.. طبعا شخص غيري كان ممكن يشك في ايمانه ولكن انا والحمدلله لم اتأثر البتة.. لأن ايماني بالاسلام كان فطريا لدرجة لا تزعزعه الشبهات.. ولكني مع ذلك ارتكبت خطأ.. كنت ارد كل ما لا يعجبني مما يقولون وابحث عن آراء العلماء التي تنفيه او تكذبه.. او اتهرب منه على انه شيء خاص بالعرب في الزمن القديم ولم يعد صالحا الآن.. باختصار كنت اجد نفسي في موقع ضعف، في موقع دفاع .. وفي نفسي كان لدي نفور دفين من هذه الامور.. وكأني اتمنى لو لم تكن موجودة.. وكاني اعاتب الله عز وجل – لاسمح الله- على ان جعل هذه الامور في ديننا... لذلك فأني اتفهم كثيرا من الشباب والبنات اليوم حينما يعتمدون هذه الاستراتيجية الخاطئة في مقاربتهم للدين. فأرى الكثير منهم ينفرون ولو قلبيا من التعدد، ملك اليمين، وحتى احيانا الحور العين.. فهم يرونها شبهة يصعب الدفاع عنها ..  ليس هذه الامور فحسب بل حوادث كثيرة رويت في السير والاحاديث كانوا يتمنون لو انها ليست موجودة.. ولو في اللاشعور..

2- الاسلام الجميل

وثابرت على هذا المنوال ردحا طويلا من الزمن.. ثم اني انشأت ندوة للحوار مع المسلمين غير الملتزمين وثابرت على نفس الطريقة.. فلم اذكر امامهم الا مناقب الاسلام وعظمته كما يفعل دعاة الفضائيات اليوم.. وحاولت ان امر مرور الكرام او ان اتهرب من الاشياء الصعبة في الاسلام او ما يعرف بالشبهات.. حتى لاحظ احد اخوتي ذلك.. اسماعيل الله يوجه له الخير.. وقال انت لا تقدم الاسلام الصحيح.. انت تقدم للناس الاسلام الجميل.. الاسلام السهل.. الاسلام الذي يتطابق مع فطرة الناس.. واحيانا اهواءهم..

ففكرت في نفسي مجددا.. اليس الاسلام كله جميلا؟؟ لم يخاطبني صاحبي هكذا؟؟ واعدت قراءة مقالاتي فوجدت نفسي بالفعل اخاطب المسلمين بعقلية من يخاطب النصارى والمستشرقين.. ابحث في الاسلام عن الفتاوى التي تعجب الناس وتناسب عرفهم وفهمهم وطريقة تفكيرهم .. متجاهلا القوي من الاحاديث التي لا تعجبني.. مفسرا الامور على ما يناسب هوى الناس.. متبرئا من الجهاد اذا لم يكن دفاعيا.. واصفا الرق على انه اجراء مرحلي متدرج .. معتبرا الرجم حالة افتراضية لا يمكن ان تقع فعليا.. مانحا الكفار الف عذر وعذر كي ينجوا من عذاب النار.. ثم توسعت فنظرت الى من حولي من العلماء وفتاويهم فرأيتها تتأرجح بين التزمت والبعد عن روح العصر و بين الاجتهاد الجديد الذي لا يرتكز على اصول ثابتة بقدر ما يرتكز على النتيجة التي نرغب في الوصول ايها.. فاذا اردنا ان نحلل المصافحة بحثتنا عن الادلة التي تبيح ذلك.. واذا اردنا ان نحلل السفر بدون محرم او ولاية المرآة ايضا اجتهدنا وقمنا بلي اعناق النصوص كي نصل الى النتيجة المرجوة متجاهلين علم اصول الفقه الذي يحدد بدقة كيفية الوصول الى الحكم.. وطبعا وصلت بنا هذه المدرسة في التفكير احيانا الى حد تحليل فوائد البنوك و الاستعانة بالمشركين.. ومن هنا نفهم ميل عد كبير من الناس  على اتباع مدرسة الحديث التي تقدم نفسها على انها الاقرب الى القرآن والسنة.. (وان كانت بنظري ليس كذلك دائما)

3- تفصيل الاسلام على المقاس

المهم اني ايقنت اني ان ثابرت على اتباع هذه الطريقة في تناول النصوص فسأصل يوما الى تفصيل اسلام خاص بي.. اسلام على مقاسي.. يناسب اهوائي واهواء الناس من حولي ولكنه ابعد ما يكون عن الاسلام الحقيقي الذي انزل على محمد صلى الله عليه وسلم ... فاعتزلت هذا الفكر التجديدي المغرق في لي اعناق النصوص وفي التهرب من الشبهات وفي الوقت نفسه لم ارم نفسي في احضان بعض من يدعون انهم مدرسة الحديث.. وهم بالحقيقة يمارسون نفس اللعبة ولكن معكوسة.. اذا يبحثون عن اكثر التفاسير الممكنة تشددا ليبرروا بها انغلاقهم وتزمتهم وانطوائهم وتكفيرهم لغيرهم ورفضهم للرأي الآخر.. (يكفي انهم صنفوا انفسهم الفئة الناجية وان كل من سواهم من اهل البدع). ووصلت الى مرحلة رأيت فيها ان الاسلام بين.. وان في المذاهب الاربعة وفي كلام العلماء المسلمين في عصور السلف مندوحة عن اللجوء الى دعاة اليوم من الطرفين.. اذ كانوا يرون الاسلام بطريقة اصدق منا.. صحيح ان هناك مسائل لم يتناولوها وهي مسائل مستجدة ولكن هذه المسائل لا تشكل عصب الحياة.. بل كلها حالا مخصوصة لظروف خاصة.. لنقل مثلا وهب الاعضاء او طفل الانبوب.. اما عقائد الدين و عباداته واوامره فهي واضحة وضوح الشمس في كتب الفقهاء وعلماء عصرنا الذين يتبعون هذه المدارس ... فهؤلاء علماء لا تهمهم الشهرة ولا يمارسون تمييع الدين ولا يتهافتون على سد الذرائع لاحلال العرف الفاسد مكان الدين ولا ارضاء ماما امريكا او سلاطين بني يعرب او نبض الشعوب الضالة المتهافتة وراء الشعارات البراقة..

4- انكشاف الخطأ

حاولت ان انظر الى خطئي في نظرتي السابقة فرأيت ان مدرستي الفكرية كانت قائمة على فطرتي في معظم الاحيان وعلى محبتي للدين بحيث ظننت اني كي ادافع عنه علي ان اصوره بابهى صورة ولو وضعت عليه قليلا من الماكياج الذي لا يضر.. على رأي من قال "انا لا اكذب لكني اتجمل".. ثم انتبهت الى حديث مهم الا وهو "لا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به.." فتبينت ان المطلوب هو الالتزام بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو.. لا كما اراه انا.. لا كما افسره.. لا كما اؤوله .. يطرح السؤال وماذا لو لم يناسب قناعتي؟؟ هل علي ان الغي عقلي واقتنع به كما انزل.. نعم فالعقل  محدود بزمان ومكان فلا يفهم جميع ابعاد المسألة.. و هذا طبعا في حال تيقنا عن طريق العلماء الثقة ان هذا الحديث صحيح وان تفسيره لا يحمل الا على هذا التفسير.. يعني نلجأ الى السند والى تفاسير العلماء الموثوقين لا الى مضمون المتن.. 

5- دور العقل

حسنا قد يسألني احدهم.. وهل يتناقض العقل مع الشرع؟؟  المفروض لا.. ولكن ما هو العقل؟؟ وهل يحكم العقل في كل شيء؟؟ ان اقصى ما يستطع العقل حسمه هو الامور المنطقية المتعلقة بوجودنا في هذا العالم.. يستطيع ان يحسم العقل وجود الله .. كماله .. تنزيهه عن مشابهة المخلوقين.. اعجاز القرآن.. ولكن هل يستطيع العقل ان يحسم كل امور حياتنا؟؟ بالطبع لا؟؟ ثم عن اي عقل نتحدث؟؟ كل شخص له عقل؟؟ له طريقة تفكير.. له منطقه الخاص فكيف احتكم لما هو مختلف عليه بين الناس.. شاع بين الناس ان الله عندما وزع الشكل لم يرض احد عن شكله ولكنه عندما وزع العقول كلهم ارتضوا ..  طبعا التعبير مجازي ولكن المعنى المراد صحيح الى حد ما.. العقل نحتكم له في اساسيات العقيدة لا في تفاصيل الشريعة.. لأن رب العالمين الذي وضع الشريعة.. يرى الامور من منظار كلي لا جزئي مثلنا.. ولله المثل الاعلى فان من ينظر الى المتاهة من فوق يعرف كيف يقود التائه فيها للخروج منها اما من ينظر اليها من مستوى نظر التائه فليس امامه الا التجربة.. هذه مشكلتنا عندما نحتكم للقوانين الارضية .. القوانين الوضعية.. قوانين البشر.... نطورها بشكل دائم ونجد عند التجربة انها دائما قاصرة عن ادراك المطلوب.. حتى اذا نجحنا اخيرا في ايجاد القانون الصحيح الذي يعطي النتيجة الفضلى.. وجدنا ان الله قد وفر علينا عناء البحث منذ  1400 عام عندما انزل هذا القانون في القرآن الكريم..  متى ندرك ان خالق الكون هو الاقدر على معرفة مصالحنا؟؟ ولله المثل الاعلى حينما تشتري غسالة او كمبيوتر او براد.. فيتعطل او تقع فيه مشكلة.. لمن تلجأ ؟؟ تلجأ الى جارك الكهربائي فلان لأنه ارخص؟؟ أم تدفع اموالا وتذهب الى الشركة الصانعة على اساس انها الاقدر على فهم طبيعة ما اخترعت ومشاكله وطرق حلها؟؟ طيب ولله المثل الاعلى.. رب العالمين صنعنا وهو الاقدر على حل مشاكلنا من القوانين الوضعية.. وهو لا يطلب منا اي مقابل لفاء نعمه علينا في الدنيا بل على العكس يعطيك الآخرة كهدية مع الدنيا اذا ارتضيت عبادته.. ورب العالمين ارسل لنا الانبياء عليهم الصلاة و السلام ليعلمونا ثم ختمهم بحبيبنا وقرة اعيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وترك لنا بعد رحيله أمرين ما ان تمسكنا بهما فلن نضل ان شاء الله..: القرآن والسنة.. واذا رجعنا الى مثل الغسالة والبراد الا ترفق الشركة المصنعة كتيبا معها عن كيفية تشغيلها وحل مشاكلها.. ولله المثل الاعلى فالقرآن الكريم هو الكتاب الذي يحوي حلول مشاكلنا كما يراها خالقنا رب العالمين...

6- دور الفطرة     

وهنا قد يسأل سائل ويقول: اقتنعنا معك بقصور العقل عن الالمام بتفاصيل الشريعة.. ولكن هل تتناقض الشريعة مع الفطرة؟؟ الم يزرع فينا رب العالمين وفي فطرتنا مقدرة التمييز بين الصح والخطأ .. بين الحق والباطل.. نعم نحن نفهم ان تتعارض الشريعة مع الاهواء والشهوات والغريزة. ولكن الفطرة اسمى من ان تتناقض مع الشريعة فهما من مصدر واحد الا وهو الله رب العالمين.. " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها".. نقول نعم... ولكن الفطرة كلمة عامة.. لا نستطيع تمييزها.. وفي عصرنا هذا مسخت الفطرة بسبب غسيل الدماغ الاعلامي والغزو الثقافي الغربي.. بحيث لم تعد تعرف ما هو فطري مما هو مكتسب. تصوروا انه في الغرب اصبح الشذوذ امرا فطريا طبيعا..بحارب عنه الجميع حتى لو لم يمارسوه على اساس انه من الحرية الشخصية للانسان وطبعا الحرية الانسانية حق فطري للانسان..

امر آخر:  ان الفطرة قادرة على تمييز ما يتعلق بالنفس الانسانية ومصالحها لا ما يتعلق بمصلحة المجتمع ككل.. فهي عاجزة عن سبر كل القوانين التي تحكم حركة المجتمع لترى سبل اصلاحه.. وكما نعلم فان احكام الشريعة روعي فيها مصلحة المجتمع .. دون ان تهمل مصلحة الفرد بالطبع.. وفي بعض الاحيان حق المجتمع تقدم على حق الفرد.. على سبيل المثال نلاحظ ان التعدد يتناقض مع فطرة المرأة وغيرتها التي تحب ان تمتلك زوجها امتلاكا كاملا.. ولكن ايها ابدى ان نحفظ المجتمع من الزنا والانحلال ام ان نراعي فطرة المرأة في امر ما؟؟ لا شك وان مصلحة المجتمع مقدمة. (على ان التعدد لو كنا نعيش في عصر الاسلام ما كان ليكون هذا الحكم المنفر كما هو الآن لاختلاف النظرة اليه..)

7- الحسن والقبح

واذا اكتشفنا ان الفطرة والعقل رغم اهميتهما غير قادرين على استنتاج الحق او التمييز بين الحسن والقبح والخير والشر في كثير من الاحيان.. لأيقنا ان الحقيقة تتمثل في مكان ما.. الا وهي في الشريعة الغراء نفسها.. لذلك نعود للحديث "لا يؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" ومن خلال ما قرأت في اصول الفقه اكتشفت ما يؤيد هذا المعنى من حيث الركون الى الشرع والى لقرآن كمصدر للتمييز يبن الحق والباطل.. اذ نص الاصوليون ان الحسن والقبح امور اعتبارية.. وليست مطلقة. بمعنى ان الانسان سواء استعمل عقله او فطرته او غريزته او حواسه سيظل قاصرا وحده على ادراك الحق ومن هنا عليه الايمان بالاحكام الشرعية دونما اعتراض ولو خالفت ظاهريا احد هذه الاركان السابقة.. طبعا الا في اساسيات العقيدة حيث لا يكفي فيها النقل بل ينبغي الايمان فيها عقلا اولا والا فما حجتنا على المشركين الذين يعبدون ما سوى الله؟؟ فالحسن اذن هو ما حسنه الشارع لا ما حسنته نفوسنا و عقولنا..

8- تجلي الحكمة والحقيقة

على ان هذه الفترة أي التسليم المطلق الاعمى لم تدم كثيرا.. اذ مع تقدم الوقت ومع تعمقي في الاطلاع على هذه المسائل.. ان عبر معايشتها او عبر قراءة كتب علماء الفكر الاسلامي تبين لي ان هذه الامور التي سلمت بها دونما تفكير في فرتة ما.. انما تنطوي على حكم عظيمة كنت قاصرا عن رؤيتها لأني كنت انظر اليها من زاوية ضيقة لا من زاوية شمولية الحياة وهدف الوجود الانساني على الارض.. قد يبدو هذا الكلام معقدا او فلسفيا.. ولكني لن اترك احبائي وقرائي دون تفسير.. سيكون هدف الرسالة القادمة  ان شاء الله شرح بعض من المفاهيم الاسلامية الاساسية المعقدة بعض الشيء بالاضافة الى شرح بعض السنن الكونية الآلهية.. والتي تلقي كثيرا من الضوء على طريقة قراءتنا وفهمنا لاحكام الشريعة..

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة