الرد على الالحاد من خلال العلم

هناك اتجاه معاصر يفضل الرد على الملحدين بالاسلوب العلمي الذي يتكلمون فيه لأن الاسلوب العقلي المنطقي المجرد لم يعد متداولا هذه الايام حيث يغلب عمل التجربة على عمل العقل. واعتقد بأن الملحدين الذين نعرفهم اليوم هم من هذا النوع، لذلك سنعرض هنا لأهم ادلتهم العلمية المبدأية والاجابات عنها كما وردت في كتاب الاسلام يتحدى.

إن قضايا علم الكلام هي قضايا الغيب المطلق المحجوب الأسرار ولا يعقل أن يكون للتجربة دور في معالجتها. تذكرنا في رد هذا الرأي ما قاله إعرابي يعيش عل فطرته، وينطق عل حميته، دون أن يكون قد ألم بشيء من منطق أرسطو: "البعرة تدل عل البعير، وأثر السير يدل على ا لمسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج "ألا يدل ذلك كله على الله اللطيف الخبير"؟. وكلمات هذا الأعرابي ألصق بالمنهج التجريبي، القائم عل الملاحظة، وأقرب الى التأثير فى النفس، وأقدر على إقناع العقل، من أية صيغة قياسية - ما فى ذلك شك. لقد أصبح سيئا للغاية أن ينطق رجل الدين أمام الناس، أو أمام الطلاب في قضايا متقادمة قال بها الأولون، دون أن يحاول مزج المعرفة التقليدية بالجديد وأكثر ما تتجلى هذه المعرفة التقليدية في علم التوحيد أو الكلام، أو مباحث العقيدة على اختلاف المصطلحات، حيت يصر بعض الأساتذة على حكاية النزاع بين المعترلة وأهل السنة والفرق بين الأشاعرة والماتريدية، ووجهة نظر الخوارج والشيعة، والخلاف بين الجبربة وغيرهم، وتناقض ما بين العقل والنقل أو تساندهما وكل ذلك دائر فى حلقه مفرغة، بعيدة عن مجال تفكير الشباب المتحول لأن هذا الكلام كله قد أدى وظيفته على خير وجه، حين كان جزءا من صراع عصره حول المفاهيم والقيم، فلما مضى عصره أصبح جزءا من تاريخ الفكر، لا أساسا من أسس النقاش الحي النابع من التجربه المعاشة. ولذلك يعجز هذا الكلام عن إقناع ملحد حديث بخطئه لأن أسباب إلحاده ليست من موضوعات الكلام، فالجدل الحديث لا يتنافى حول الجوهر والعرض، ولا حول القدم والحدوث، وإنما هو يتناقش حول حتمية المادة، ووجود المادة الواقعية والمادة العقلية، والعلاقة بين المادة والحركة، حين ينتهي كل موجود مادى في حقيقته إلى حركة والاحتمالات الرياضية لتأثير الصدفة في نشأة الكون، وامتداده وحتمية التطور. وحقيقة الوجود فى ضوء الإدراك الجديد لنسبية الظواهر الكونية، وأهمها الزمان، ذلك البعد الرابع الذى كشفه إيننشتاين، والتوقعات العلمية لوجود عوالم أخرى غير عالمنا... فإذا لم تكن هذه القضايا الجديدة محور النقاش فى قاعات الدرس الجامعي الذي يصوغ عقول الشباب فمعنى ذلك أن جامعاتنا تعمل فى فراغ إيديولوجى، وتخرج للمجتمع نماذج خربة، واهنة، أو مشوشة، أو يائسة من جدوى العقيدة في بناه المجتمع الجديد، نماذج تحس فى أعماقها بالجفاف الروحى، فهي لم تظفر بأرضية من الفكر الديني تقف عليها فى مواجهة رياح التحرير- العاصفة. فتعالوا نرى اهم الشبهات الحديثة والردود عليها.

1- علم الفلك والطبيعة

لقد اثبت نيوتن أنه لا وجود لإله يحكم النجوم. وأكد "لابلاس" بفكرته الشهيرة أن النظام الفلكى لا يحتاج إلى أي أسطورة لاهوتية: وقام بهذا الدور العالمان (دارون ) و ( باستور) في مبدان البيولوجيا: وقد ذهب كل من علم النفس المتطور و المعلومات التاريخية الثمينة التى حصلناها في هذا القرن بمكان الإله الذى كان مفروضا أنه هو مدير شؤون الحياة الإنسانية والتاريخ. لقد قامت قضية معارضة الدين على أسس ثلاثة :

بطل الانقلاب الاول فى العلم هو ( نيوتن)، الذى عرض، على الدنيا فكرة تثبت أن الكون مرتبط بقوانين ثابتة . تتحرك في نطاقها الأجرام السماوية.

ثم جاء بعده آخرون فاعطوا هذه الفكرة مجالا علميا اوسع حتى قيل: إن كل ما يحدث فى الكون من الأرض إلى السماء خاضع لقانون معلوم سموه قانون الطبيعة. فلم يبق للعلماء ما يقولون، بعد هذا الكشف، غير أن الإله كان هو المحرك الأول لهذا الكون. وضرب (والتير) مثلا فى هذا الصدد أن الكون كالساعة يرتب صانعها آلاتها الدقيقة فى هيئة خاصة وبحركها، ثم تنقطع صلته بها.

ثم جاء ( هيوم ) فتخلى عن هذا الإله الميت، وعلى حد قوله: "لقد رأينا الساعات وهى تصنع في المصانع . . لكننا لم نر الكون وهو يصنع، فكيف نسلم بان له صانعا؟

2- علم النفس

وقد ازداد العلماء يقينا بعد البحوث العلمية فى ميدان علم النفس، حين توصلوا إلى نتائج تثبت أن الدين نتاج اللاشعور الإنساني، وليس انكشافا لواقع خارجى. ويقول عالم كبير من علماء النفس: "ليس الإله سوى انعكاس للشخصية الإنسانية عل شاشة الكون. وما عقيدة الدنيا والأخرة إلا صورة مثالية للأمانى الإنسانية، وما الوحى والإلهام إلا اظهار غير عادى لأساطير الأطفال المكبوتة. ويرى علم النفس الحديث أن العقل الإنساني مركب من شيئين هما: "الشعور"، وهو مركز الأفكار التى تخطر على قلوبنا فى الظروف العادية، و "اللاشعور" وهو مخزن الأفكار الى مرت بنا ونسيناها، ولا تظهر إلا في أحوال غير عادية، كالجنون والهستيريا. وهذا القسم الثانى أكبر بكثير من الأول. ويمكن أن نمثل لهما بجبل من الجليد، فلو قسمناه تسعة أجزاء لكان منها ثمانية في جوف البحر، ولظهر جزء واحد على السطح.

اكتشف فرويد بعد مدة طويلة  أن اللاشعور قد يقبل أفكارا فى الطفولة، وتؤدى الى أعمال غير عقلية. وهذا ما يحدث بالنسبة إلى العقائد الدينية: فان فكرة الجحيم والجنة ترجع إلى صدى الأماني التى تنشأ لدى الإنسان إبان طفولته، ولكن لم تسنح له الفرصة لتحقيقها، فتبقى دفينة فى اللاشعور، ثم يفرض اللاشعور بدوره حياة أخرى يتيسر له فيها تحصيل ما كان يتمناه، شأن الرجل الذى قد لا يظفر بما يحب فى الواقع فيحصله فى المنام. وهكذا خرجت عقدة التفرقة بين الصغير والكبير من الجرائم الاجتماعية، فصاغوا منها نظرية على مستوى الكون والسماء.

3- علم التاريخ

والاساس الثالث لقضية معارضي الدين هو التاريخ. يقولون إن القضايا الدينية وجدت لأسباب تاريخية أحاطت بالإنسان، فلم يكن فى استطاعته أن يفلت من السيول و الأعاصير والطوفانات والزلازل والأمراض. فأوجد "قوى فرضية"  يستغيثها، لتنقذه من البلايا النازلة. وهكذا ظهرت الحاجة إلى شيء يجتمع الناس حوله، ولا يتفرقون، فاستغل اسم الإله الذى تفوق قوته قوة الإنسان، و يهرع الجميع إلى رضاه. يقول جوليان هكسلى "إن بيئة الدين قد فات أوانها أو كاد. وقد كانت هي المسؤولة عن هذا التعامل، فأما بعد فنائها وانتهاء التعامل معها فلا داعى للدين، ويضيف: " لقد انتهت العقيدة الإلهية إلى آخر نقطة تفيدنا، وهى لا تستطيع أن تقبل الآن أية تطورات، لقد اخترع الإنسان قوة ما وراء الطببعة لتحمل عبء الدين، جاء بالسحر ثم بالعمليات الروحية، ثم بالعقيدة الإلهية، حتى اخترع فكرة "الإله الواحد". وقد وصل الدين بهذه التطورات إلى آخر مراحل حياته. ولاشك أن هذه العقائد كانت في وقت ما جزءا مفبدا من حضارتنا، بيد أن هذه الأجزاء قد فقدت اليوم ضرورتها، ومدى إفادتها للمجتمع الحاضر المتطور.

الرد على الشبهات

علم الفلك والطبيعة

لنتكلم اولا في الدليل الذي يعرض باسم العلم، وهي ان الحوادث تقع طبقا لقانون الطبيعة، فلا حاجة لنفترض لهذه الحوادث الها مجهولا، إن احسن ما قيل في هذا الصدد ما قاله عالم مسيحي "Nature is a Fact and not an explanation" ان الطبيعة حقيقة (من حقائق الكون) وليست تفسيرا له. لأن ما كشفتم ليس بيانا لاسباب وجود الدين، فالدين يبين لنا الاسباب والدوافع الحقيقية التي تدور وراء الكون وما كشفتموه هو الهيكل الظاهر للكون، ان العلم الحديث تفصيل لما يحدث وليس بتفسير الامر الواقع فكل مضمون العلم هو اجابة عن السؤال : "ما هذا؟" وليس لديه اجابة عن السؤال "ولكن لماذا؟" ان التفسير الذي نحن بصدده يتعلق بالامر الثاني.

يقول البروفسور ( سيسيل بايس هامان )، وهو أستاذ أمريكى فى البيولوجيا: كانت العملية المدهشه في صيرورة الغذاء جزءا من البدن تنسب من قبل إلى الإله، فاصبحت اليوم بالمشاهدة الجديدة تفاعلا كيماويا، هل أبطل هذا وجود الإله ؟ فما القوة التى أخضعت العناصر الكيماوية لتصبح تفاعلا مفيدا؟ . . . إن الغذاء بعد دخوله في الجسم الإنسانى يمر بمراحل كثيرة خلال نظام ذاتي، ومن المستحيل أن يتحقق وجود هذا النظام المدهش باتفاق محض. فقد صار حتما علينا بعد هذه المشاهدات أن نؤمن بوجود الله اكثر.  كان الإنسان القديم يعرف أن السماء تمطر، لكننا اليوم نعرف كل شيء ممكن عن عملية تبخر الماء فى البحر حتى نزول قطرات الماء على الأرض، وكلهذه المشاهدات صور للوقائع، وليست فى ذاتها تفسيرا لها، فالعلم لا يكشف لنا كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟ وكيف قامت بين ألارض والسماء على هذه الصورة المفيدة المدهشة، حتى أن العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟ والحقيقة أن ادعاء الإنسان بعد كشفه لنظام الطيبعة انه قد كشف تفسير الكون - ليس سوى خدعة لنفسه، فإنه قد وضع بهذا إلادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الأخيرة ؟

علم النفس

لنعالج الآن الدليل الذي يقدمه علم النفس والقائل بأن الإله والاخرة قياس الشخصية الإنسانية وأمانيها على مستوى الكون. ولست بمستطيع أن أدرك نقطة الاستدلال في هذا الدليل؟ ولو أننى ادعيت - بدورى - أن الشخصية الإنسانية وأمانيها موجودة فعلا على مستوى الكون فلست أدرى ما عسى أن يبطل ادعائي هذا من منطق المعارضين؟! نهن نعرف أن مادة ( الجنين ) التى لا تشاهد إلا بالمنظار تنبىء في ذاتها عن إنسان طوله 72 بوصة، وأن ( الذرة ) التى لا تقبل المشاهدة تحتوى نظاما رياضيا كونيا يدور عليه النظام الشمسى، فلا عجب إذن أن يكون النظام الذى نشاهده على مستوى الإنسان فى الجنين، وعلى مستوى النظام الشمسى في الذرة موجودا أيضا  وبصورة أكمل على مستوى الكون. إن ضمير الإنسان وفطرته ينشدان عالما متطورا كاملا، فلو كان هذا الأمل صدى لعالم حقيقي فلست أرى فى ذللك أى ضرب من ضروب الاستحالة.

لاشك فى قول العلماء : إن الذهن الإنساني يحتفظ بأفكار قد تظهر فيما بعد صورة غير عادية. ولكن سوف يكون قياسا مع الفارق أن نعتمد على هذه الفكرة كى نبطل الدين. فهو قياس فى غير محله، وهو يعتبر تعميما لا يخضع لقوانين المنطق. ولو افترضنا أن رجلا يسير فى شارع أخذ يهذي بكلام غريب نتيجة لأفكار مختزنة فى ذهنه، فهل بمكن أن نستغل  هذا الحادث فى البحث فى كلام الأنبياء، وهو الكلام الذى يكشف سر هذا الكون . . ؟ ؟ سوف يكون هذا الاستدلال غير علمى، وغبر منطقي، ولسوف يدل على أن صاحبه يفتقر إلى القيم حتى يستطيع التفرقة بين كلام رجل الشارع وكلام الأنبياء.

علم التاريخ والاجتماع

 إن الذين يستدلون بالتاريخ أو الاجماع خطأهم الأساس أنهم لا يدرسون الدين من وجه صحيح، ولهذا يبدو لهم الدين شيئا غرييا، ومثال ذلك أن ترى شيئا مربعا من زاوية منحرفة فيتراءى لك مثلثا. إن الخطأ الذى يقعون فيه هو أنهم يتناولون الدين عل أنه مشكلة موضوعية، فهم يجمعون فى سلة واحدة كل ما أطلق عليه اسم (الدين) من رطب وبابس، في أى مرحلة من التاربخ، ثم يتأملون فى ضوء هذا المحصول حقيقة الدين. إن موقفهم ينحرف من أولى مراحله، فيبدر لهم الدين - جراء هذا الموقف الفاسد - عملا اجتماعيا، لا كشفا لحقيقة، ومن المعلوم أن لكل ما يكشف عن حقيقة من الحقائق مثلا اعلى، ولابد عند البحث عن هذه الحقائق أن ندرس مظاهرها وتاريخها فى ضوء مثله الأعلى. أما الأمور التى تأتي بها أعمال اجتماعية فليس لها مثل أعلى. وبقاؤها رهن بحاجة المجتمع إليها. والدين يختلف عن ذلك كل الاختلاف، فليس من الممكن البحث عن حقائقه، كما يبحث في تطورات فنون العمارة والنسيج والحياكة والسيارات، لأن الدين علم على حقيقة يقبلها المجتمع أو يرفضها، أو يقبلها فى شكل ناقص، ويبقى الدين فى جميع هذه الأحوال حقيقة واحدة فى ذاتها، وانما يختلف فى أشكاله المقبولة، ولهذا لا يمكن أن نفهم حقائق ( الدين ) بمجرد فهرسة مماثلة لجميع الأشكال الموجودة فى المجتمعات باسم الدين. ولناخذ - عل سبيل المثال - لفظ ( الجمهورية ). فهي قيمة سياسية لنظام خاص بالحكم، وفى ضوء هذه القيمة نستطيع أن نحكم عل بلاد بانها جمهورية، أو بانها ليست كذلك. لكنا لو ذهبنا نبحث عن معان (الجمهورية) في النماذج السياسية التي توجد عبر القارات، ويلتصق بها لفظ (الجمهورية)، ثم زعمنا أن كل هذه البلاد القائمة (على أسس جمهورية). فسوف تصبح كلمة الجمهورية بلا معنى. ففي هذه الحالة ستختلف ( جمهورية ) الصين من ( جمهورية ) الولابات المتحدة الأمر يكية، وتتعارض (جمهورية) أ نجلترا مع ( الجمهورية ) العربية المتحدة، كما أن (جمهورية) باكستان تصطدم (بالجمهورية التي تلتزم بها الهند. فإذا تاملنا كل هذه المشاهدات فى ضوء (فلسفة التطور) فإن هذه الكلمة صوف تفقد معناها حتما. 

وهذا النهج فى التناول يؤدى الى نتيجة غريبة، هى أنه لا حاجة الى (الإله) فى الأديان إذ يوجد مثال لهذا فى تاريخ الأديان رهو مثال البوذية، التى تخلو تماما من فكرة (الإله). ومن ثم آمنت جماعة من اناس بضرورة البحث عن دين مجرد من الإله، ولو أننا سلمنا بالفكرة القائلة بأن شيئا مثل (الدين) لابد منه للإنسان، لحاجته إلى الوعى والخلق والتنظيم الاجتماعى، فلا داعى إذن للإله أن يوجد، وربما قيل: " ان الدين الذى يصح لهذا العصر يلزم أن يكون مثل البوذية، فإن إله العصر الحاضر هو (مجتمعه وأهدافه السياسية)، ورسول هذا الإله هو ( البرلمان) الذى يوجه الشعب إلى ما يرضيه، ومعابد هذا الإله العصرى ليست المساجد أو الكنائس القديمة، وإنما هى المصانع الكبيرة والسدود العظيمة.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة