الذنوب والمعاصي

 

 

الكبائر والصغائر

هل تقسيم المعاصي الى كبائر وصغائر تقسيم صحيح؟

نعم صحيح قال الله تعالى في محكم التنزيل

1-     عن الكبائر: " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما"... 

2-     عن الصغائر: " ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا" وعبر عنها ايضا بلفظة اللمم "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ..." واللَّمم ما يعمله الإنسان المرَّة بعد المرَّة ولا يتعمَّق فيه ولا يقيم عليه

وفي الحديث:

1-    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً  قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور فمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت (البخاري)

2-    ووردت باسم آخر الا وهو الموبقات " قال صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول الله وما هُنّ؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولّي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".

اليس الزنا من الكبائر؟ لم لم يذكر هنا؟

في كل حديث يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم عددا معينا من الكبائر فهذه الاحاديث تفيد التعداد لا الحصر. وقد ذكر الزنا على انه كبيرة في احاديث اخرى.

هل من قواعد تضبط تعريف الكبيرة؟

الكبائر كما عرفها اكثر اهل العلم هي كل ما فيه حد في الدنيا كالقتل والزنا والسرقة او جاء فيه وعيد في الاخرة من عذاب او غضب او تهديد او لعن فاعله على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

هل عدد الكبائر اكبر من سبعة ؟

سؤل ابن عباس هذا السؤال فاجاب: هي إلى سبعين (وفي رواية اخرى سبعمائة) أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.

صحيح انه ورد هذا الرقم في بعض الاحاديث لكن وكما يقول الامام النووي "هذه الصيغة وإن كانت للعموم، فهي مخصوصة بلا شك، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية"

الكبائر هي كل معصية فيها حد او ووعيد. ولكن ماذا لو كانت هذه المعصية مستجدة او لم ترد في أي نص؟

في هذه الحال ان تلجا للقياس فتقيس مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المذكورة بالنص فان نقصت عن اقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر ولن ساوت ادنى مفاسد الكبائر او ربت عليها فهي من الكبائر.

 فمن شتم الله سبحانه وتعالى او استهان بالرسل او القى المصحف متعمدا في القاذورات فهذا من اكبر الكبائر بل هو كفر بالله.. ولو لم يصرح النص بذلك. كذلك من امسك امراة محصنة لمن يزني بها او امسك مسلما لمن يقتله فلا شك ان هذه كبيرة. كون مفسدة هذه الامور ااكبر من مفسدة اكل مال اليتيم التي هي من الكبائر. وكذلك لو دل مسلم ما الكفار على عورات المسلمين مع علمه انهم ييستأصلون بسبب ما قام به وان حريمهم ستسبى واموالهم ستغنم فهذا اكبر من مفسدة الفرار من الزحف.

 وهذا يرجح ان عدد الكبائر ليست محصورة في عدد معين، وقد ذكر الإمام ابن حجر المكي يرحمه الله عدداً كبيراً من الذنوب التي تعد من الكبائر وساق الأدلة على ذلك في كتابه القيم الزواجر عن اقتراف الكبائر.

التوبة والاستغفار

ما معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما "لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار"  

"لا كبيرة مع الاستغفار"

مر معنا ان الفرار من الزحف هي من الكبائر ومن السبع الموبقات.. وهناك حديث يقول "من قال أستغفر الله الذي لا إله الا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر الله ذنوبه وإن كان فر من الزحف " رواه الترمذي. فنفهم منه ان الاستغفار يكفر الذنوب حتى الكبائر منها..والحديث يقول "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (ابن ماجة) ويقول "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون (ابن ماجة والترمذي)"

ما هي اركان التوبة؟

اركان التوبة النصوح اذا كانت في حق الله ثلاثة:

1-    التوقف عن الفعل.

2-    الندم عليه.

3-    والعزم على عدم العودة اليه.

 ان كانت في حق العبد؟ يضاف اليها شرطٌ رابعٌ مرتبطٌ بما للناس من حقوق، فإن كان الفعل قد أضرَّ أحدا، فعلى المرء أن يردَّ الحقوق إلى أهلها.

هل يغفر الله كل الذنوب مهما عظمت ان تاب العبد؟

طبعا.. مهما عظمت وكثرت ولو كانت بعدد رمال البحر. "إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما" فلا يجب ان يقنط الانسان من رحمة الله اذ اذنب لأن الذنوب من طبيعة البشر. يقول عز وجل "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَأَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " و يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده، لو لم تُذنِبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم" (رواه مسلم)

 ما معنى القسم الثاني من كلام ابن عباس رضي الله عنهما:  لا صغيرة مع الاصرار..   والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"

أي ان الله "يغفر الذنوب بشرط عدم الاصرار عليها".. ولكن الاصرار لا يعني التكرار فقط.. اذ ان اغلبنا يقع في الذنب ثم يتوب فيه ومن ثم يقع فيه من جديد. وهو ما يدل عليه الحديث القدسي الذي روته كتب السنة، الذي جاء فيه: " أذنب عبدي ذنبا فقال: اللهم اغفر لي، فعرف أن له ربا يغفر الذنب ويقبل التوب، ثم عاد فأذنب، فقال: اللهم اغفر لي، فعرف أن له ربا يغفر الذنب ويقبل التوب، ثم عاد فأذنب، فقال: اللهم اغفر لي، فعرف أن له ربا يغفر الذنب ويقبل التوب.. افعل ما شئت فقد غفرت لك"

هل!نفهم من هذا بأن الله سمح للعبد ان يعود للذنب بعد للتوبة

لا هذا الحديث يدل على عظمة الله وسعة رحمته وقوله "افعل ما شئت فقد غفرت لك" إنما هو تأكيد على أن باب التوبة مفتوح، وأن الله يقبل التوبة ممن يرتكب الذنوب، ولا يغلق باب رحمته أمام أحد.

لكن ان لم يكن الاصرار هو التكرار فما هو اذن؟

تكرار الصغيرة قد يحولها الى كبيرة اذا ترك الاستغفار منها. ويعظم امرها اذا صاحب ترك الاسنغفار هذا جرأة العبد عليها والاستخفاف بها.  فنحن لا ننظر الى صغر المعصية بل الى عظمة من نعصي. والذنب لا يسقط العبد من عين الله ولا يخرجه عن موالاته وإنما يسقط بالاستهانة به وبترك التوبة والإعراض عن الله بطلب اللذة والشهوات. فالذي يفرق بين المعاصي اذن هو نفسية العبد العاصي عند ارتكابها او عقبه.

ولذا يقول العلماء رب معصية أورثت ذلا و افتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا. فهذا ابليس كان من اعبد المخلوقات لله ولكنه اغتر بعمله وتكبر وهذا آدم عليه السلام عصى الله لكنه تاب من معصيته و اعترف بذنبه فانظر لمصير كل منهما.

الا يخشى ان يتعود العبد على المعاصي اذا رأى ان باب التوبة مفتوح دائما؟

لا هذا ليس تشجيعا لارتكاب الخطايا بل تشجيع على الندم والتوبة ان بدر منه ذلك. ولا يسع المرء ان يتعود على ذلك لانه لا يدري في أي لحظة يموت فقد يدركه الموت قبل ان يتوب فيخشى ان يحق عليه العذاب.

ما باب الخوف من ارتكاب الصغيرة ان لم يكن متجرءا عليها؟

ان تراكم الذنوب مع ترك الاستغفار يطبع على القلب حتى يعمى هذا القلب عن إدراك الحق والصلاح. عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء؛ فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقِل قلبه، وإن عاد ِزيدَ فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: "كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [المطففين:14] فكما نعلم اعتياد المرء على امر ما يهونه في نظره فينتقل منه تدريجيا وبدون ان يشعر الى الاخطر ثم الاخطر.

الجهر بالمعصية

ما هي عواقب الجهر بالمعصية؟

الجهر بالمعصية دلالة على اللامبالاة بها اذ من طبيعة الانسان ان يحاول ستر عيوبه وتغطية نقصه.   لاّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ  (النساء:148) فلا يجهر بالمعصية اذن الا كل مستخف بالذنب اذ ان اظهار المعصية يميت احساس الانسان تجاه فعل المنكرات فيصبح فعلها من عادته. لكن خطورة المجاهرة الكبرى هي في تاثير الخطيئة على الناس من حوله اذ سيتأثر بها من حوله خاصة اذا كانوا من المقتدين به اذن الضرر على المجتمع وليس على الفرد فقط. و لهذا السبب اقترنت معظم الحدود الدنيوية بالجهر والاعلان والا كيف للزان ان يضبط متلبسا بالجريمة.. اذ لا يتوافر اربع شهداء يرون عين الزنا الا ان كان يقوم بهذا الامر علنا.

هل نوصي المذنب اذن ان يستتر على ذنبه؟

نعم ورد في الحديث:

1-    "من اصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فانه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله." (موطأ مالك).

2-    " كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا، ثم يصبح قد ستره ربه، فيقول: يا فلان! قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه } [متفق عليه.

 من ستر نفسه في الدنيا ستره الله يوم القيامة ومن جهر بمعصيته كان امره مفتضحا يوم القيامة امام الخلائق.

ما هي العقوبات الدنيوية المترتبة على المجتمع؟

ظهور الامراض الجديدة. لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في اسلافهم الذين مضوا (ابن ماجه)

مكفرات الذنوب

وماذا لو لم يستطع الانسان ان يتوب من بعض الذنوب او لم يعرف اصلا انها ذنوب؟ ما هي الحلول الاخرى لمحو آثارها؟

1- المحافظة على الفرائض والطاعات يقول صلى الله عليه وسلم "الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن ما لم تغش الكبائر" (مسلم) ويقول "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته امه" (البخاري) ويقول "من توضأ فاحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت اظفاره" (مسلم). الصغائر تمحى مع الصلوات كما يدل الحديث الذي رواه الترمذي"‏أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء‏؟ ‏ قالوا‏:‏ لا يبقى من درنه شيء؛ قال‏:‏ فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا"

2- اتباع السيئة بالحسنة لقوله تعالى "ان الحسنات يذهبن السيئات"  وقوله صلى الله عليه وسلم "واتبع السيئة الحسنة تمحها"

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة