الدليل الفطري على وجود الآخرة

سمعت فيما مضى مثلين رائعين يستدل بهما الوجدان السليم على وجود الله وعلى حتمية الآخرة اولهما: ان السائر في احدى عواصم العالم المتحضر سيصادف شوارعا جميلة ونظيفة مزروعة بالشجار على جانبي الطريق وساحاتها مزدانة بالنوافير. فإذا لاحظ بأن احد الشوارع متسخ ومهمل فإنه سيوقن بلا شك بأن الحكومة ستأتي وترتب هذا الشارع لينسجم مع المدينة وان تأجيل هذا الامر لحكمة ما. فإذا نظرنا الى الكون كله وجدناه في تناغم رهيب واتساق، توازن دقيق يحكم حركات الكون فيه "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" وحتى في عالم الحيوانات نجد ان الحيوان الضعيف كثير التناسل كي يحفظ تواجده امام الاجناس الاقوى منه. ولا يكسر هذه القاعدة الا الانسان حيث نرى ان المجرم الظالم يطغى ويعلو في الارض والمستضعف الشريف يؤكل حقه ويضطهد فالانسان يستشعر بفطرته السليمة بأنه لا بد وأن يأتي يوم ويقام فيه الميزان.

اما المثل الثاني فهو الجنين فلنفترض بأن مراقبا من عالم آخر نظر الى تكون الجنين وتطوره من علقة ومضعة الى طفل مكتمل وهو ما زال في رحم امه سيتساءل ما الجدوى من تكون اليدين و الرجلين و الفم فالجنين لا يستعمل هذه الاعضاء في الرحم لذلك سيدرك هذا المراقب بأن هذه الاعضاء لا بد وانها ستنفع في مرحلة قادمة من حياة هذا المخلوق. وبالمثل فإن الانسان على هذه الارض مجهز بملكات لا تنفعه في حياته المادية وليست مستقاة منها بالاصل مثل ادراكه لفكرة اللانهاية وللكمال وهو لم ير الا المحدود والناقص ومنها كثير من الاحاسيس الروحانية والصوفية التي لا يربطها بعالم التجربة أي صلة.

يقول الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه   الله ـ تعالى ـ هو صانع الإنسان وخالقه ومدبره أمره، فلنسأله: يا رب لماذا خلقت هذا الإنسان؟ هل خلقته لمجرد الطعام والشراب؟ هل خلقته للهو واللعب؟ هل خلقته لمجرد أن يمشي على التراب ويأكل مما خرج من التراب، ثم يعود كما كان إلى التراب، وقد ختمت القصة؟ هل ليعيش تلك الفترة القصيرة المعذبة ما بين صرخة الوضع وأنة النزع؟ إذن فما سر هذه القوى والملكات التي أودعتها الإنسان من عقل وإرادة وروح؟ وسيرد الله على تساؤلنا بما بين لنا في كتابه ـ كتاب الخلود ـ أنه خلقه ليكون خليفة في الأرض ـ وهذا واضح في آدم وما كان من تمني الملائكة لمنزلته (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إني أعلم ما لا تعلمون). وأول شيء في هذه الخلافة أن يعرف الإنسان ربه حق معرفته ويعبده حق عبادته قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) وفي هذه الآية جعلت معرفة الله هي الغاية من خلق السموات والأرض. ويقول تعالى: (وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون، إن الله هو الرازق ذو القوة المتين). وفي بعض الآثار القدسية يقول سبحانه: (إن المتأمل في هذا الكون الذي نعيش فيه يرى كل شيء فيه يحيا ويعمل لغيره، فنحن نرى أن الماء للأرض، والأرض للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن؟ هذا هو السؤال. والجواب الذي تنادي به الفطرة، وتنطق به مراتب الكائنات في هذا الكون: أن الإنسان لله.. لمعرفته.. لعبادته.. للقيام بحقه وحده، ولا يجوز أن يكون الإنسان لشيء آخر في الأرض أو في الأفلاك، لأن كل العوالم العلوية والسفلية مسخرة له، وتعمل في خدمته كما هو مشاهد، فكيف يكون هو لها أو يعمل في خدمتها؟ ومن هنا كانت عبادة الإنسان لقوى الطبيعة ومظاهرها من فوقه ومن تحته، كالشمس والقمر والنجوم والأنهار والأبقار والأشجار ونحوها، قلبا للوضع الطبيعي، وانتكاسا بالإنسان أي انتكاس!! والإنسان إذن بحكم الفطرة ومنطق الكون، إنما هو الله سبحانه لا لغيره، لعبادته وحده، لا لعبادة بشر ولا حجر، ولا بقر ولا شجر، ولا شمس ولا قمر، وكل عبادة لغير الله إنما هي من تزيين الشيطان عدو الإنسان.

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة