الحكمة من غض البصر

1-     قالت لي احدى الاخوات: زارنا مرة رجل مسلم متدين في العمل، عندما دخل الغرفة نظر الى شزرا، تفحص الغرفة ثم جلس في مقعد وظهره الي دون ان ينبس ببنت شفة. و في اليوم التالي زارنا رجل مسيحي متدين، نظر الي و حياني و جلس في الكرسي المقابل لي و حينما غادر تمنى لنا يوما سعيدا. لماذا ينظر الرجل المسلم الى المرأة كأنها خطيئة او مصدر للخطيئة؟

2-   واخبرتني اخرى بأن احد المشايخ نظر اليها ثم ادار وجهه وكأنه رأى شيطانا مع انها كانت محتشمة ولكن غير محجبة.

3-     وسألتني ثالثة: لماذا يحرم الله علينا ما قد خلقه فينا فهو خلق فينا الاحساس بالجمال وتقديره فكيف يحرم علينا النظر اليه (غض البصر) ؟

المرأة ليست مصدرا للخطيئة

لنبتدأ من الاخير: لا ينظر الاسلام الى المرأة كأنها مصدر للخطيئة ابدا و هناك عدة امثلة تشدد على المكانة العظيمة للمرأة في الاسلام. حتى ان القرآن الكريم لم يذكر ان حواء اغرت آدم بالاكل من الشجرة كما ورد في التوراة مثلا. قبل ان نلوم هذا الشخص المتدين دعنا نحاول معا تحليل ما قام به:

1- تخطىء الفتيات احيانا كثيرة بتفسير النظرات فليس كل من غض بصره لرؤية فتاة ما يحتقرها او ينظر اليها كشيطان او مصدرا للخطيئة. ومن هذا القبيل استطيع ان افسر الجلوس و ظهره الى الفتاة من ضمن ما يمليه غض البصر وليس كبادرة عدم احترام. و لنا الاسوة الحسنة في سيدنا موسى عليه السلام حينما ساعد الفتاتين في السقاية "فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا" يروى في التفسير انه عندما رافقها مشى امامها في الطريق من ورعه كي لا ينظر اليها في مشيتها فكانت تحذف الحصى لترشده الى الطريق.

الحكمة من غض البصر:

 المرأة و الرجل مأمورون بغض النظر ولذلك قال سبحانه :  "و وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" (النور) فالمرأة ان لم تغض النظر يحدث التفات عاطفى لأن كل شعور فى الانسان يمر بثلاث مراحل : مرحلة أن يدرك ، ومرحلة أن يجد فى نفسه ، ومرحلة أن يحول الأمر إلى سلوك ، ونضرب دائما المثل بالوردة . وأنت تسير ترى وردة فى بستان وبمجرد رؤيتك لها فهذا ادراك ، واذا أعجبتك الوردة وعشقتها وأحببتها فهذا وجدان . واذا اتجهت لتقطفها فهذه عملية نزوعية ، فكم مرحلة ؟ ثلاث مراحل: إدراك ، فوجدان . فنزوع . ومتى يتدخل الشرع ؟ الشرع يتدخل فى عملية النزوع دائما . يقول لك "نظرت الى الوردة ولم نعترض على ذلك ، أحببتها وأعجبتك فلم نقل لك شيئأ ولكن ساعة جئت لتمد يدك لتاخذها قلنا لك : لا ، الوردة ليست لك"  إذن فانت حر فى أن تدرك ، وحر فى أن تجد فى نفسك ، إنما ساعة ننزع نقول لك : لا ، هى ليست لك ، وإن أعجبتك فازرع لك وردة فى البيت ، أو اسأل صاحبها مثلا ، إذن فالتشريع يتدخل فى منطقة النزوع ، إلا فى أمر المرأة فالتشريع يتدخل أول الإدراك ؟ لأن الذى خلقنا علم أننا إن أدركنا جمالا ، نظرنا له ، وستتولد مواجيد بالنسبة للأشياء التى نراها ونشتهيها ، وساعة يوجد إدراك واشتهاء، لانستطيع أن نفصل هذا عن النزوع.  لأنك -كرجل - مركب تركيبا كيميائيا بحيث إذ أدركت ثم حدث لك وجدان واشتهاء ، فالاشتهاء لا يهدأ الا بنزوع ، فيبين لك الله عز وجل أنا رحمتك من أول الأمر ، وتدخلت من أول المسالة . وكل شىء أتدخل به عند النزوع الا المرأة فقد تدخلت فيها من أول الإدراك. لذلك أمر الحق الرجال بغض البصر ، وكذلك أمر المرأة .  لماذا ؟ لأنك إن أدركت فستجد ، وإن وجدت فستحاول أن تنزع ونزعك سيكون عربدة فى أعراض الناس ، وإن لم تنزع فسيبقى عندك كبت لذلك حل  الحق المسالة من أولها وقال : "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (النور 30)"

الانسان عدو ما يجهل

"الانسان عدو ما يجهل" و عندما يجهل بعض التقاليد او الالتزامات الدينية قد يراها خطأ فاحشا بحقه بينما هي لا تعدو ان تكون ناجمة عن قناعة ذاتية معينة للشخص لا تمس الشخص الآخر. و قد ذكرت من قبل مرة اني كنت اتصفح الجريدة و اذا بي اجد مقالا كاتبه مسيحي يتعرض فيه لفتاة مسلمة محجبة لأنها رفضت مصافحته: فيقول "ما هذا التخلف؟" و" لماذا ترفض ان تصافحني؟" و "هل تراني نجسا؟" "هل سأخذ منها اصبعا؟" و الى اخر هذا الكلام غير المسؤول. فقلت له في الاسبوع التالي "يا صاح، قليلا من التريث"، " هل تعرف بان هذه الفتاة رفضت مصافحتك لأنك رجل لا لأنك مسيحي؟ و بأنها كانت لتفعل نفس الشيء مع ابن عمها (شقيق ابوها) المسلم" "هل تعرف بأن رسولنا عليه الصلاة و السلام لم يكن يصافح النساء و الكثير من المسلمين يقتدون به؟"  "هل تعرف بأن المسلمين لا يمسون المصحف ان لم يكونوا متوضئين؟" و بالتالي ليس كل ما نمتنع عن لمسه نجسا".

و بالمثل فأنا اخشى ان يستنتج البعض بأنه نظر الى الفتاة كمصدر للخطيئة في حين اراد هو ان يلتزم ببعض المبادىء الدينية فقط خاصة انه لم يتعرض لها بالنقد او بالكلام الجارح. و انا شخصيا عندي طالبات لا ينظرن الي عند كلامهن معي و قد لا يلقين التحية علي احيانا و لم انظر اليهن يوما الا بعين الاحترام لأني اعرف الخلفية التي يتصرفن على اساسها.

خطأ التعميم

لم اعرف لماذا تربط الفتاة ما حصل معها بدين الشخص، فهناك من المتدينين المسلمين من هم الطف من اللطف ولسانهم احلى من العسل ومنهم من يتشدد اذا رأى امرأة اما خجلا واما تعصبا او جهلا. والدين لا يحكم عليه من خلال ممارسيه تماما كما لا نحكم على السيارة من خلال سائقها. فاذا كانت هناك مشكلة في أمر معين من الاسلام فمعناه بأن المشكلة إما في التطبيق وإما فينا نحن، وفي حالة الاخت فأنا اشك بان المشكلة في الاثنين معا.      

الاجتناب

لا شك بأن النساء من اجمل مخلوقات الله ما في ذلك من شك، و الحجاب وغض البصر فرض لحماية هذا الجمال و صيانته لا لتحويله الى قبح كما نضع السياج حول الوردة الجميلة لحمايتها من بعض من قد تسول له نفسه قطفها مع يقيننا بأن الاغلبية ستقدر جمال هذه الوردة و قد شرح لنا الشيخ الشعراوي كيف قد يتحول الوجدان الى نزوع بما يكفي في الرسالة السابقة. عندما يتكلم القرآن على المحرمات فهو لا ينهانا عنها فقط بل يأمرنا باجتنابها خشية الوقوع تحت اغراء المعصية كما في قصة ادم عليه السلام وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) او كما في قصة تحريم الخمر فليس الحرام شربه فقط بل امرنا الله ان نجتنبه و مجالسة من يشربه و تحريم بيعه و تقديمه يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90).

القوانين تحمي الكل

جميعنا يعرف قصة الامير والحمار، تقول الرواية بأنه في قديم الزمان جاء الامير ليزور الفلاح فوجده قابعا قرب طاحونة يحرك رحاها الحمار. فسأله لماذا وضعت جرسا في عنق الحمار فأجابه الفلاح "لأني قد اسهو احيانا فأعرف اذا توقف صوت الجرس ان الحمار قد توقف فأقوم و انهره". فسأله الأمير و ماذا اذا توقف الحمار و هز برأسه محركا الجرس. فأجاب الفلاح مبتسما و اين لي بحمار يملك عقل الأمير؟ مقصدي من هذه القصة ان القوانين و التدابير و الاحتياطات لا توضع للأذكياء و الاشراف و العقلاء من الناس فقط. وهذا ما يستعصي على كثير من الناس فهمه فيسألون "لماذا حرم الله المصافحة بين الرجل و المرأة؟ نحن لا نشعر بأي شهوة عند المصافحة و نحن نقوم بذلك بدافع الاحترام فقط"، و رأي الدين واضح في هذه المسألة: انه لا يتهم الكل بالمقصد السيء و لكن لا ريب في ان هناك بعضا من الرجال يستغل المصافحة و يلمس المرأة بطريقة لا اخلاقية. و الاسلام لن يأتي ليحلل هذا لبعض الناس و يحرمها على بعضهم الآخر بل يقطع الامر من اوله. فسبحانه و تعالى حكيم و خبير بطباع البشر و هو يعلم ان بعض الامور ككرة الثلج اذا اعطيت لها مجالا ستكبر مع الوقت و تدمر المجتمع.

اين يصل التدرج

 لذلك حينما اتى الله و حرم الزنا حرم معه كل ما قد يؤدي اليه من اختلاط محرم. و قضية النظر لم ينفرد فيها الاسلام ففي انجيل "متى" يرد ما معناه  "لقد قيل لكم لا ترتكبوا الزنا و انا اقول لكم ان من نظر الى امرأة بشهوة فقد زنا بها في قلبه". و لنحلل كيف يمكن ان تسير الامور اذا حلل الاسلام المصافحة فسيأتي من يقول و ما الضرر في القبلة على الخد؟ انها وسيلة للتحية ايضا، و نحن لا نقوم بهذا الامر بشهوة. ثم يأتي من يقول و ما الضرر في العناق و الضم؟ انه وسيلة للتعبير عن الشوق و التحية الحارة ايضا. و ها انت ترى معي اخي القارىء كيف يمكن ان نتدرج بنفس الطريقة حتى نصل الى القبلة فما لفم والفواحش اعاذنا الله منها. وانت تعرف عبقرية الرجال في هذه الامور و محاولة جر المرأة عبر اقناعها بان هذا الامر عادي و متعارف عليه حتى اصبحنا لا نستهجن ثياب البحر التي لا تخبىء الا سنتمترات قليلة من جسد المرأة و كل هذا تحت ستار التطور و مواكبة العصر.   لنتذكر ان الله لم يحرمنا النظر الى جمال المرأة في الحلال فليتزوج الانسان و يتمتع قدر ما يريد بجمال امرأته. كثيرا ما اقود السيارة و ادخل شارعا ليتبين لي في آخر الأمر انه مقطوع فماذا تكون ردة فعلي؟ "الا لو ارادوا ان يقطعوه فليقطعوه من اوله و يجنبونا هذا العذاب!!". و هذا موقف الدين يقطع الطريق من اوله اما خشية من ان يستغل بعض المتمردين على المنهج هذا الطريق و اما خشية من ان تعتاد النفس على المعاصي و تتدرج بها.

و انا لا اوافق بأن هكذا موقف يجعل من المرأة رمزا جنسيا فالاديان السماوية احترمت المرأة و قدرتها و الغرب هو الذي جعل منها رمزا جنسيا و اكبر دليل على ذلك انك لا تجد اليوم أي امرأة مشهورة الا و سمعت ان لها صورا خليعة تظهر بها "ربي كما خلقتني"  في المجلات و على محطات الانترنت و لا يقتصر هذا الامر على عارضات الازياء (او عارضات الأجساد بالاحرى) فهذا تحصيل حاصل بل يطال بطلات السينما و الرياضة. و الوحش الكاسر من الرجال هو الذي جمع انحلال الغرب الى جهل الشرق لأننا للأسف لا نأخذ من الغرب الا عاداته الخاطئة و نذر الحسن منها.

لقد حاولت في هذه الرسالة و ما قبلها شرح فلسفة الاسلام في قضية النظر و المصافحة و انا اعرف بأني لن استطيع اقناع الكل بحكمة هذه الفلسفة و لكن على الاقل اتوقع منكم ان تروا فيها وجهة نظر متماسكة و مبررة. و اذا وصلنا الى هذه المرحلة و ضمينا هذه القناعة الى ان يقيننا بأن الله لا يأمرنا بما هو شر لنا لن نستصعب على الاطلاق الايمان بها، لان المؤمن الحق لا يستصعب الايمان حتى بما يجهل حكمته فكيف و ان عرف الحكمة منه. و بعد الايمان يأتي التطبيق و ليس كل من آمن استطاع التطبيق بل هذا يتوقف على ارادة الشخص. و لا ادعي بأن غض البصر اليوم من الامور السهلة و المناظر المؤذية تلاحقك في كل مكان في هذا العصر. و لكن فلنأت منه ما استطعنا عسى الله ان يتوب علينا و يعذرنا لأننا نعيش في قلب الفتنة لا في المجتمع المثالي الذي وجد في صدر الاسلام. و الحديث الشريف يقول "حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات" فلا ننسى ان هذه الدنيا فترة اختبار و ليست هدفا بحد ذاتها وبالتالي فعسى الله ان يعوضنا ما حرمنا منه في هذه الدنيا في جنة فيها ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على بال مخلوق.

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة