الحكمة من تحريم الربا

الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس (274) ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280)

الاقتصاد والمال و الربا

نسمع تعابير ازدحام السكان أو الانفجار السكاني، بينما توجد اماكن تتطلب خلقا ويوجد خلق يبحث عن أماكن، فلماذا هذا الاختلال؟ هذا الاختلال ناشىء من أن السلوك البشري غير منطقى فى هذا الكون. والكون الذى نعيش فيه ، فيه إرتقاءات عقلية شتى، وطموحات ابتكارية صعدت إلى الكواكب، وتغزو الفضاء، ووجدت فى كل بيت آلات الترفيه، أما كان المنطق يقتضى أن يعيش العالم سعيدا مستريحا؟ نحن نجد أغنى بلاد العالم هى التى يعاني الناس فيها القلق، وهى التى تمتلىء بالاضطراب وهى التى ينتشر فيها الشذوذ، وهى التى تشكو من ارتفاع نسبة الجنون بين سكانها إذن فالعالم ليس منطقيا. وهذا التخبط يؤكد ما يقوله الحق : "إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" إنها حركة هستيربة فى الكون تدل على أنه كون غير مستريح، كون غير منسجم مع طموحاته وابتكاراته. أما كان على هذا الكون بعقلائه أن يبحثوا عن السبب فى هذا، وأن يعرفوا لماذا نشقى كل هذا الشقاء وعندنا هذه الطموحات الابتكارية.  كان يجب أن يبحثوا، فالمصيبة عامة، لا تعم الدول المتخلفة أو النامية فقط، بل هى أيضا فى الدول المتقدمة، كان يجب أن يعقد المفكرون المؤتمرات ليبحثوا هذه المسالة، فإذا ما كانت المسألة عامة تضم كل البلاد متقدمها ومتأخرها وجب أن نبحث عن سبب مشترك.

الأرزاق التى توجد فى الكون تنقسم إلى قسمين : رزق ننتفع به مباشرة،  ورزق هو سبب لما أنتفع به مباشرة. أنا آكل رغيف الخبز، هذا اسمه رزق مباشر ، واشرب كوب الماء ، وهو رزق مباشر ، واكتسي بالثوب وذلك أيضا رزق مباشر، وأسكن فى البيت وهذا رابع رزق مباشر، وأنير المصباح رزق مباشر . ولكن المال يأتي بالرزق المباشر، ولا يغنى عن الرزق المباشر. فإذا كان عندى جبل من ذهب وأنا جوعان، ماذا أفعل به ؟ إذن فرغيف الخبز أحسن منه ، هذا رزق مباشر ، فالنقود أو الذهب لتشترى بها هذا وهذا ، لكن لايغنينى عن هذا وهذا. وقد جاء وقت أصبح الناس يرون فيه المال هوكل شيء حتى صار هدفا وتعلق الناس به. و الحق أن المال ليس غاية، ولا ينفع أن يكون غاية بل هو وسيلة. فإن فقد وسيلته وأصبح غاية فلابد من أن يفسد الكون. فعلة فساد الكون كله فى القدر المشترك الذى هو المال، حيث أصبح المال غاية ولم يعد وسيلة. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يطهر حياة الأقتصاد للناس طهارة تضمن حل ما يطعمون ، وما يشربون ، وما يكتسون ، حتى تصدر أعمالهم عن خليات إيمانية طاهرة مصفاة ذلك أن الشىء الذى يصدر عن خلية إيمانية طاهرة مصفاة لا يمكن أن ينشا عنه إلا الخير.

ومن العجيب أن نجد القوم الذين صدروا لنا النظام الربوى يحاولون الأن جاهدين أن يتخلصوا منه ، لا لأنهم ينظرون إلى هذا التخلص على أنه طهارة دينية ، ولكن لأنهم يرون أن كل شرور الحياة ناشئة عن هذا الربا. وليست هذه الصيحة حديثة عهد بنا ، فقديما قام رجل الاقتصاد العالى " شاخت " في لمانيا وقد رأى اختلال النظام فيها وفى العالم ، فوضع تقريره بان الفساد كله ناشىء من النظام الربوى، وأن هذا النظام يضمن للغنى أن يزيد غنى ، ومادام هذا النظام قد ضمن للغنى أن يزيد غنى ، فممن يزداد غنى؟ لاشك انه يزداد غنى من الفقير. إذن فستؤول المسألة إلى أن المال سيصبح فى يد أقلية فى الكون تتحكم فى مصائره كلها ولاسيما المصائر الخلقية . لماذا؟ لأن الذين يحبون أن يستثمروا المال لا ينظرون إلا إلى النفعية المالية ، فهم يديرون المشروعات التى تحقق لهم تلك النفعية. و هناك رجل اقتصاد آخرهو  "كينز" إالذي يتزعم فكرة " الاقتصاد الحر" فى العالم يقول قولته المشهورة : إن المال لايؤدى وظيفته فى الحياة إلا إذا انخفضت الفائدة إلى درجة الصفر . ومعنى ذلك أنه لا ربا .

وإذا ما نظرنا إلى عملية عقد الربا فى ذاتها وجدناها عقدا باطلا لأن كل عقد من العقود إنما يوجد لحماية الطرفين المتعاقدين ، وعقد الربا لا يحمى إلا الطرف الدائن فقط ، وهناك أمر خلقى آخر وهو أن الإنسان لا يعطى ربا إلا إذا كان عنده فائض زائد على حاجته. ولا ياخذ إنسان من المرابى إلا إذا كان محتاجا . فانظروا إلى النكسة الخلقية فى الكون . إن المعدم الفقير الذى لا يجد ما يسد جوعه وحاجته يضطر إلى الاستدانة ، وهذا الفقير المعدم هو الذى يتكفل بان يعطى الأصل والزائد إلى الغنى غير المحتاج. إنها نكسة خلقية توجد فى المجتمع ضغنا، وتوجد فى المجتمع حقدا ، وتقضي على بقية المعروف وقيمته بين الناس ، وتنعدم المودة فى المجتمع . فإذا ما رأى إنسان فقير إنسانا غنيا عنده المال ، ويشترط الغنى على الفقير المعدم أن يعطيه ما ياخذه وأن يزيد عليه ، فعلى أية حال ستكون مشاعر وأحاسيس الفقير؟ كان يكفى الغنى أن يعطى الفقير ، وأن يسترد الغنى بعد ذلك ما أخذه الفقير ، ولكن الغنى المرابى يطلب من الفقير أن يسدد ما أخذه ويزيد عليه .

الجدال في الربا

تعلل البعض بالآية "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون" ويقولون: إن النص القرآني إنما يتكلم عن الربا فى الأضعاف المضاعفة، فإذا ما منعنا القيد فى الأضعاف المضاعفة لايكون حراما!! فيأتي الجواب "وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم". إن هذا القول الحكيم لم يجىء إلا ليبين الواقع الذى كانوا يعيشونه، ولم يستثن الله ضعفا أو أضعافا لأن الحق جعل التوبة تبدأ من أن ياخذ الإنسان رأس ماله فقط.

2- وكانوا يتعللون أن اتفاق الطرفين على أى أمر يعتبر تراضيا ويعتبر عقدا . قد يكون ذلك صحيحا إن لم يكن هناك مشرع أعلى من كل الخلق يسيطر على هذا التراض . فهل كلما تراض الطرفان على شىء يصير حلالا؟ لو كان الأمر كذلك لكان الزنا حلالا.  لأنهما طرفان قد تراضيا . إن الله قد فرض أمرا يقضى على التراضى بينى وبينك لأنه هو المسيطر، و الذى حكم فى الأمر، فلا تراض بيننا فيما يخالف ما شرع الله أو حكم فيه وإذا نظرنا نظرة أخرى فإننا نجد أن التراضى الذى يدعونه مردود عليه. تراض باطل بالفحص الدقيق والبحث المنطقى لماذا ؟ لأننا نقول إن التراضي انما ينشا بين اثنين لا يتعدى أمر ما تراضيا عليه إلى غيرهما ، أما إذا كان الأمر تعدى من تراضيا عليه إلى غيرهما فالتراض باطل.

فهب أن واحدا لا يملك شيئا ، وواحدا آخر يملك ألفا ، والذى يملك ألفا هي ملكه ، وأدار بها عملا من الأعمال ، وحين يدير صاحب الألف عملا فالمطلوب له أجر عمله ليعيش من هذا الأجر . أما الذى لا يملك شيئا إذا ما أراد أن يعمل مثلما عمل صاحب الألف، فذهب إلى إنسان وأخذ منه ألفا ليعمل عملا كعمل صاحب الألف ، فيشترط من يعطيه هذه الألف من الأموال أن يزيده مائة حين السداد فيكون المطلوب من الذى اقترض هذه الألف أجر عمله كصاحب الألف الأول - ومطلوب منه أيضا أن يزيد على أجره تلك المائة المطلوبة لمن أقرضه بالربا فمن أين يأتي من اقترض ألفا بهذه المائة الزائدة ؟ إن سلعته لو كانت تساوى سلعة الآخر فإنه يخسر وإن كانت سلعته أقل من سلعة الاخر فإنها تكسد وتبور. إذن فلابد له من الاحتيال النكد ، وهذا الاحتيال هو أن يخلع على سلعته وصفا شكليا يساوى به سلعة الاخر ، ويعمد إلى إنقاص الجواهر الفعالة فى صنعة سلعته ، فيسحب منها ما يوازى المائة المطلوب سدادها للمرابى . فمن الذى سيدفع ذلك ؟ إنه المستهلك.

إذن فالحق سبحانه وتعالى أراد أن يشيع فى الناس الرحمة والمودة . وأن يشيع فى الناس التعاطف . إنه الحق - سبحانه - صاحب كل النعمة أراد أن يشيع فى الناس أن يعرف كل صاحب نعمة فى الدنيا أنه يجب عليه أن تكون نعمته متعدية إلى غيره ، فإن رآها المحروم علم أنه مستفيد منها ، فإذا كان مستفيدا منها فإنه لن ينظر إليها بحقد، ولا أن ينظر إليها بحسد، ولايتمنى أن تزول لأن أمرها عائد إليه. ولكن إذا كان السائد هو أن يريد صاحب النعمة فى الدنيا أن يأخذ بالاستحواذ على كل عائد نعمته ، ولا يراعى حق الله فى مهمة النعمة ، ولا تتعدى هذه النعمة إلى غيره ، فالمحروم عندما يرى ذلك يتمنى أن تزول النعمة عن صاحبها وينظر إليها بحسد. ويشيع الحقد ومعه الضغينة ، ويجد الفساد فرصة كاملة للشيوع فى المجتمع كله.

الربا و الزكاة

يريد سبحانه أن يقول : إياكم أن يخدعكم الربا بلفظه ، فالألفاظ تخدع البشر لأنكم سميتموه "ربا" لما ؟ بالسطحية الناظرة : لأن الربا هو الزيادة ، والزكاة تنقص ، فالمائة فى الربا تكون مائة وعشرة مثلا حسب سعر الفائدة ، وفى الزكاة تصبح المائة  97.5  ، فى الأموال وعروض التجارة وتختلف عن ذلك فى الزروع وغيرها. وفى ظاهر الأمر أن الربا زاد ، والزكاة أنقصت ، ولكن هذا النقصان و الزيادة هى فى اصطلاحاتكم وفى أعرافكم . والحق سبحانه وتعالى يمحق الزائد ، وينقى الناقص فهو سبحانه يقول :

يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276)

وكلمة " يمحق " من " محق" ، أى ضاع حالا بعد حال ، أى لم يضع فجأة ، ولكن تسلل فى الضياع بدون شعور ، ومنه " المحاق"  أى الذهاب للهلال . " ويمحق الله الربا " أى يجعله زاهيا أمام صاحبه ثم يتسلل إليه الخراب من حيث لا يشعر . ولعلنا إن دققنا النظر فى البيئات المحيطة بنا وجدنا مصداق ذلك . فكم من أناس رابوا ، ورأيناهم ، وعرفناهم ، وبعد ذلك عرفنا كيف انتهت حياتهم . " يمحق الله و الربا ويربي الصدقات" ويقول فى آية اخرى : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله فإياكم أن تعتقدوا أنكم تخدعون الله بذلك . . ما هو المقابل ؟ وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون

كل "يا أيها الذين امنوا"  فى القرآن هى حيثية كل حكم ياتي بعدها ، وأنت تفعل مايامرك به الله ، لان سألك أحد : وقال لك : لماذا فعلت هذا الأمر؟ فقل له فعلته لأننى مؤمن ، والذى أمرني به هو الذى آمنت بحكمته وقدرته . وأنت لا تدخل فى متاهة علل الأحكام ، لإنك آمنت بان الله إله حكيم قادر ، أنزل لك تلك التكاليف ، واياك أن تدخل فى متاهة علة الأحكام ، لماذا ؟ لأن هناك أشياء قد تغيب علتها عنك ، أكنت تؤجلها إلى أن تعرف العلة؟. أكنا نؤجل تحريم لحم الخنزير إلى أن يثبت حاليا بالتحليل أنه ضار ؟ لا ، إذا كان قد ثبت حاليا بالتحليل أنه ضار فنحن نزداد ثقة فى كل حكم كلفنا الله به ولم نهتد إلى علته.

ويتابع الحق : " وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين " ، و" ذروا " أى اتركوا ، ودعوا ، وتناسوا ، واطلبوا الخير من الله فيما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين حقا بالله.

فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون . فى هذه الآية قضية كونية يتغافل عنها كثير من الناس . لقد جاء نظام ليحمى طائفة من ظلم طائفة ، ولم يات هذا النظام إلا بعد أن وجدت طائفة المرابين الذين ظلموا طائفة الفقراء المستضعفين. وحسب هؤلاء الستضعفين الذين استغلوا من المرابين أن ينصفهم القران وأن ينهى قضية الربا إنهاء يعطى الذين رابوا ما سلف لأنهم بنوا حياتهم على ذلك. و حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه هى الأمر الظاهر . وحرب رسول الله جنودها هم المؤمنون برسوله ، وعليهم أن يكونوا حربا على كل ظاهرة من ظواهر الفساد فى الكون ليطهروا حياتهم من دنس الربا .وهكذا وضع الله نهاية لأسلوب التعامل ، حتى يتطهر المال من ذلك الربا ، فإذا قال الحق : " فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " فمعنى هذا أنه سبحانه يبين لنا بهذا القول أنه لاحق للمرابين فى ضعف ولا ضعفين ، ولافى أضعاف مضاعفة . وحينئذ " لا تظلمون " (بالكسر) من رابيتم ، بان تأخذوا منهم زائدا عن رأس المال.

ولكن ما موقع "ولاتظلمون" (بالضم) ومن الذى يظلمهم ؟ قد يظلمهم الضعيف الذى ظلم لهم سابقا ، ويأخذ منهم بعضا من رأس المال بدعوى أنهم طالما استغلوه فاخذوا منه قدرا زائدا على رأس المال . إن المشرع يريد أن يمنع الظالم السابق فينهى ظلمه ، وأن يسعف المظلوم اللاحق فيعطيه حقه. وكثير من النظريات التى تاتي لتقلب نظاما فى مجتمع ما تعمد إلى الطائفة التى ظلمت، فلاتكتفى بان تكفها عن الظلم ، ولكن تمكن للمظلوم أن يظلم من ظلمه، وذلك هو الإجحاف فى المجتمع ، وهذا ما يجب من ان يتنبه إليه الناس جيدا لأن الله الذى نصفك أيها المظلوم من ظالمك ، فمنع ظلمه لك ، يجب أن تحترم حكمه حينما قال : "فله ما سلف " وبهذا القول انتهت القضية . و بعد ذلك يأتي القرآن الكريم ليفتح باب جديدا من الامل للمظلومين فيقول لدائنيهم "صحيح ان رأس المال حقكم و لكن لا تأخذوه حالا بل تمهلوا الدين ان كان معسرا و ان اردتم ان تتساموا في الايمان فاعفوا لهم و تنازلوا حتى عن رؤوس اموالكم النبي حكم الله لكم بها الى المعسرين من مدينيكم" و ذلك في وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون (280).

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة