الحكمة من الكوارث

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

(اذا زُلْزلت الأرضُ زلزالَها_ وأخرجَت الأرضُ أثقالها_ وقال الانسانُ ما لَها_ يومئذٍ تُـحدّثُ أخبارهَا_ بأن ربَّك أوحى لها…) الى اخر السورة

هذه السورة الجليلة تبين بياناً قاطعاً؛ ان الأرض في حركاتها وزلزالها وحتى في اهتزازاتها أحياناً، انما هي تحت أمر الله ووحيه.

)لقد وردت الى القلب أجوبة ـ بمعاونة تنبيه معنوي ـ عن بضعة أسئلة تدور حول الزلزال الذي حدث حالياً، ورغم اني عزمت على كتابة تلك الأجوبة كتابة مفصلة عدة مرات، فلم يؤذن لي ، لذا ستكتب مختصرة ومجملة(.

السؤال الأول:

لقد أذاقت هذه الزلزلة العظيمة الناس مصيبةً معنوية أدهى من مصيبتها المادية الفجيعة، تلك هي الخوف والهلع واليأس والقنوط التي استولت على النفوس، حيث انها استمرت ودامت حتى سلبت راحة اغلب الناس ليلاً. وعمّ القلق والاضطراب أغلب مناطق البلاد.. تُرى ما منشأ هذا العذاب الأليم وما سببه؟

بمعاونة تنبيه معنوي كذلك كان الجواب هو الآتي:

ان مما يُقترف في أرجاء هذه البلاد ـ التي كانت مركزاً طيباً للاسلام ـ من مجون وعربدة جهاراً نهاراً، وفي شهر مبارك جليل كشهر رمضان، واثناء اقامة صلوات التراويح، واسماع الناس اغانٍ مثيرة باصوات نساء، واحياناً من الراديو وغيرها.. قد ولّد إذاقة عذاب الخوف والهلع هذا.

السؤال الثاني:

لماذا لا ينزل هذا العذاب الرباني والتأديب الإلهي ببلاد الكفر والالحاد وينزل بهؤلاء المساكين المسلمين الضعفاء؟.

الجواب: مثلما تحال الجرائم الكبيرة الى محاكم جزاء كبرى، وتُعهد اليها عقوبتها بالتأخير، بينما تحسم الجنايات الصغيرة والجَنح في مراكز الأقضية والنواحي، كذلك فان القسم الأعظم من عقوبات أهل الكفر وجرائم كفرهم وإلحادهم يؤجل الى المحكمة الكبرى في الحشر الأعظم، بينما يعاقب أهل الايمان على قسم من خطيئاتهم في هذه الدنيا، وذلك بمقتضى حكمة ربانية مهمة. 

السؤال الثالث:

لماذا تعم هذه المصيبة البلاد كلها، علماً انها مصيبة ناجمة من اخطاء يرتكبها بعض الناس؟

الجواب: ان أغلب الناس يكونون مشتركين مع اولئك القلة الظلمة، إما مشاركة فعلية، أو التحاقاً بصفوفهم أو التزاماً باوامرهم، أي يكونون معهم معنىً، مما يُكسب المصيبة صفة العمومية، اذ تعم المصيبة بمعاصي الأكثرية.

السؤال الرابع:

ما دامت هذه الزلزلة قد نشأت من اقتراف الخطايا والمفاسد، ووقعت كفّارة للذنوب، فلماذا تصيب الأبرياء اذن، ويحترقون بلظاها وهم لم يقربوا الخطايا والذنوب، وكيف تسمح العدالة الربانية بهذا؟

وكذلك بمعاونة تنبيه معنوي كان الجواب هو الآتي:

ان هذه المسألة متعلقة بسر القدر الإلهي، لذا نحيلها الى "رسالة القدر" ونكتفي بالآتي:

قال تعالى (واتقوا فتنةً لا تُصيبنَّ الذين ظَلَموا منكم خاصّة) (الانفال:25) وسرّ هذه الآية ما يأتي:

ان هذه الدنيا دار امتحان واختبار، ودار مجاهدة وتكليف، والاختبار والتكليف يقتضيان ان تظل الحقائق مستورة ومخفية، كي تحصل المنافسة والمسابقة، وليسمو الصديقون بالمجاهدة الى أعلى عليين مع أبي بكر الصديق، وليتردى الكذابون الى أسفل سافلين مع مسيلمة الكذاب.

فلو سلم الابرياء من المصيبة ولم يمسّهم سوء ولا أذى، لأصبح الايمان بديهياً، أي لاستسلم الكفار والمؤمنون معاً على حد سواء، ولأنتفى التكليف وانسدّ بابه، ولم تبق حاجة الى الرقي والسمو في مراتب الايمان.

 فما دامت المصيبة تصيب كلاً من الظالمين والمظـلومين معاً، وفق الحكمة الإلهية، فما نصيب اولئك المظلومين من العدالة الإلهية ورحمتها الواسعة؟.

الجواب: ان هناك تجلياً للرحمة في ثنايا ذلك الغضب والبلاء، لأن اموال اولئك الابرياء الفانية ستخلد لهم في الآخرة، وتدّخر صدقة لهم، أما حياتهم الفانية فتتحول الى حياة باقية بما تكسب نوعاً من الشهادة، أي ان تلك المصيبة والبلاء بالنسبة لأولئك الأبرياء نوعٌ من رحمة إلهية ضمن عذاب أليم موقت، حيث تمنح لهم بمشقة وعذاب مؤقتين، وقليلين نسبياً، غنيمة دائمة وعظيمة.

السؤال الخامس:

ان الله سبحانه وتعالى، وهو العادل الرحيم، والقدير الحكيم، لا يجازي الذنوب الخاصة بعقوبات خاصة، وانما يسلط عنصراً جسيماً كالأرض، للتأديب والعقاب. فهل هذا يوافق شمول قدرته وجمال رحمته سبحانه؟.

الجواب: لقد اعطى القدير الجليل كلَّ عنصرٍ من العناصر وظائف كثيرة، ويُنشئ على كلٍ من تلك الوظائف نتائج كثيرة. فلو ظهرت نتيجة واحدة قبيحة ـ أي شر ومصيبة وبلاء ـ من عنصر من العناصر في وظيفة من وظائفه الكثيرة، فان سائر النتائج المترتبة على ذلك العنصر، تجعل هذه النتيجة الوخيمة في حكم الحسن والجميل، لأنها جميلة وحسنة اذ لو مُنع ذلك العنصر الغاضب على الانسان من تلك الوظيفة للحيلولة دون مجئ تلك النتيجة الوحيدة البشعة للوجود لتُركت اذن خيرات كثيرة بعدد النتائج الخيرة المترتبة على سائر وظائف ذلك العنصر.. كل ذلك للحيولة دون مجئ شر واحد! وما هذا الاّ منافاةٌ للحكمة.وهو قبح واضح، ومجافاة للحقيقة، وقصور مشين. بينما الحكمة والقدرة والحقيقة منزّهة عن كل نقص وقصور.

ولما كان قسم من المفاسد هو عصياناً شاملاً وتعدّياً فاضحاً على حقوق كثير من المخلوقات واهانة لها واستخفاف بها حتى يستدعي غـضب العناصر ولا سيــما

الارض، فيثير غيظها، فلاشك أن الايعاز الى عنصر عظيم بأن يؤدب اولئك العصاة، اظهاراً لبشاعة عصيانهم وجسامة جنايتهم، انما هو عين الحكمة والعدالة، وعين الرحمة للمظلومين في الوقت نفسه.

السؤال السادس:

يشيع الغافلون في الأوساط، ان الزلزلة ما هي الاّ نتيجة انقلابات المعادن واضطراباتها في جوف الأرض، فينظرون اليها نظر حادثة نجمت من غير قصد، ونتيجة مصادفة وأمور طبيعية، ولا يرون الاسباب المعنوية لهذه الحادثة ولا نتائجها، كي يفيقوا من غفلتهم وينتبهوا من رقدتهم. فهل من حقيقة لما يستندون اليه؟

الجواب: لا حقيقة له غير الضلال، لاننا نشاهد ان كل نوع من الآف أنواع الأحياء التي تزيد على خمسين مليوناً على الكرة الأرضية، يلبس أقمصته المزركشة المنسقة ويبدّلها كل سنة، بل لا يبقى جناح واحد وهو عضو واحد من مئات اعضاء الذباب الذي لا يعد ولا يحصى، لا يبقى هذا العضو هملاً ولا سدىً بل ينال نور القصد والارادة والحكمة. مما يدل على ان الافعال والأحوال الجليلة للكرة الأرضية الضخمة ـ التي هي مهد ما لا يحد من ذوي المشاعر وحضارتهم ومرجعهم ومأواهم ـ لا تبقى خارج الارادة والأختيار والقصد الإلهي، بل لا يبقى اي شئ خارجها، جزئياً كان ام كلياً.

ولكن القدير المطلق قد جعل الاسباب الظاهرة ستائر أمام تصرفاته بمقتضى حكمته المطلقة، اذ حالما تتوجه ارادته الى احداث الزلزلة، يأمر ـ أحياناً ـ معدناً من المعادن بالاضطراب والحركة، فيوقده ويشعله.

هب ان الزلزال نشأ فرضاً من حدوث انقلابات المعادن واضطراباتها، فلا يحدث أيضاً الاّ بأمر إلهي ووفق حكمته لا غير.

اذ كيف أنه من البلاهة والجنون، وضياع جسيم لحق المقتول، الاّ يؤخذ القاتل بنظر الاعتبار ويُحصر النظر في البارود المشتعل في طلقة بندقيته،كذلك فان الحماقة الاشنع منها الانسياق الى الطبيعة ونسيان الأمر الإلهي باشعال القنبلة المدخرة في جوف الارض بحكمته وارادته، تلك المأمورة المسخرة والسفينة والطائرة للقدير الجليل، فيأمرها سبحانه بالانفلاق إيقاظاً للغافلين وتنبيهاً للطغاة.

(تتمة السؤال السادس وحاشيته)

ان اهل الضلال والالحاد، يبدون تمرداً غريباً، وحماقة عجيبة الى درجة تجعل الانسان نادماً على انسانيته، وذلك في سبيل الحفاظ على مسلكهم المعوق لصحوة الايمان. فمثلاً:

ان العصيان الظالم المظلم، الذي اقترفه البشر في الآونة الاخيرة، والذي عم العالم وشمله، حتى اغضب العناصر الكلية. بل تجلت ربوبية خالق الارض والسموات بصفة رب العالمين وحاكم الاكوان ـ لا بصفة ربوبية جزئية خاصة ـ في العالم اجمع، وفي دائرة كلية واسعة، فصفع رب العالمين البشرية ببلايا وآفات عامة مرعبة كالحرب العالمية والزلازل والسيول العارمة والرياح الهوج والصواعق المحرقة والطوفانات المدمرة. كل ذلك ايقاظاً لهذا الانسان السادر في غفلته، وسوقاً له ليتخلى عن غروره وطغيانه الرهيب. ولتعريفه بربه الجليل الذي يعرض عنه. فاظهر سبحانه حكمته وقدرته وعدالته وقيوميته وإرادته وحاكميته اظهاراً جلياً. ولكن على الرغم من هذا فان شياطين حمقى ممن هم في صور اناسي، يتمردون في وجه تلك الاشارات الربانية الكلية والتربية الإلهية العامة للبشرية، تمرداً ببلاهة مشينة، اذ يقولون: انها عوامل طبيعية، انها انفجار مواد واخلاط معادن، انها مصادفات ليس الا، فقد تصادمت حرارة الشمس والكهرباء فاحدثت توقفاً في المكائن في امريكا لمدة خمس ساعات واحمرّ الجو في (قسطموني) حتى كأنه يلتهب.! الى آخر هذه الهذيانات التي لا معنى لها.

فالجهل المريع الناشئ من الضلال، والتمرد المقيت المتولد من الزندقة، يحولان دون ادراكهم ماهية الاسباب، التي هي حُجب وستائر (امام القدرة الإلهية) ليس الاّ.

اذ ترى احدهم ـ من جهله ـ يبرز اسباباً ظاهرية، ويقول: هذه الشجرة الضخمة للصنوبر ـ مثلاً ـ قد انشأتها هذه البذرة. منكراً معجزة صانعها الجليل. علماً انه لو احيلت الى الاسباب لما كفت مائة من المصانع لتكوين تلك الشجرة.

فابراز اسباب ظاهرية ـ مثل هذه ـ انما هو تهوين من شأن عظمة فعل الربوبية الجليلة المفعمة بالحكمة والاختيار.

وترى آخر يطلق اسماً علمياً على حقيقة مهمة يقصر العقل عن ادراك مداها وعمقها. فكأن تلك الحقيقة قد عرفت وعُلمت بمجرد وضع اسم عليها. وغدت مألوفة معتادة، لا حكمة فيها ولا معنى!

فتأمل في هذه البلاهة والحماقة التي لا منتهى لهما! اذ الحقيقة التي لا تسع مائة صحيفة لبيان حكمتها وتعريفها، كأن وضع هذا العنوان عليها جعلها معروفة مألوفة! وقولهم: هذا الشئ من هذا. وهذه الحادثة من مادة الشمس التي اصطدمت بالكهرباء.. جعل ذلك الشئ معروفاً وتلك الحادثة مفهومة!!

بل يظهر احدهم جهلاً اشد من جهل ابي جهل، اذ يسند حادثة ربوبية مقصودة خاصة، يرجعها الى احد قوانين الفطرة، وكأن القانون هو الفاعل! فيقطع بهذا الاسناد نسبة تلك الحادثة الى الارادة الإلهية الكلية واختياره المطلق وحاكميته النافذة والتي تمثلها سننه الجارية في الوجود.. ثم تراه يحيل تلك الحادثة الى المصادفة والطبيعة! فيكون كالابله العنيد الذي يحيل الانتصار الذي يحرزه جندي او فرقة، في الحرب، على نظام الجندية وقانون العسكرية، ويقطعه عن قائد الجيش، وسلطان الدولة، والافعال الجارية المقصودة.

ولننظر الى حماقتهم الفاضحة بهذا المثال:

اذا ما صنع صناع ماهر مائة اوقية من مختلف الاطعمة، ومائة ذراع من مختلف الاقمشة، من قطعة صغيرة من خشب لا يتجاوز حجمها قلامة اظفر. وقال احدهم ان هذه الاعمال الخارقة قامت بها تلك القطعة الخشبية التافهة! ألا يرتكب حماقة عجيبة؟ فهذا شبيه بمن يبرز بذرة صلدة وينكر خوارق صنع الصانع الحكيم في خلق الشجرة، بل يحط من قيمة تلك الامور المعجزة باحالتها الى مصادفة عشواء او عوامل طبيعية!

والامر كذلك في هذا...

السؤال السابع:

كيف يفهم بان هذه الحادثة الأرضية متوجهة بالذات الى مسلمي هذه البلاد، أي انها تستهدفهم؟ ولماذا تقع بكثرة في جهات "أزمير" و"ارزنجان".

الجواب: ان هناك امارات كثيرة على ان هذه الحادثة استهدفت أهل الإيمان، اذ وقوعها في قارس الشتاء وفي ظلمة الليل، وفي شدة البرد، وخاصة في هذه البلاد التي لا تحترم شهر رمضان، واستمرارها الناشئ من عدم اتعاظ الناس منها، ولإيقاظ الغافلين من رقدتهم بخفة.. وامثالها من الأمارات تدل على ان هذه الحادثة استهدفت اهل الايمان، وانها تتوجه اليهم وتزلزلهم بالذات لتدفعهم الى اقامة الصلاة والدعاء والتضرع اليه سبحانه.

اما شدة هزّتها في أرزنجان المنكوبة، فلها وجهان:

الأول: انها عجّلت بهم تكفيراً عن خطاياهم الطفيفة.

الثاني: يحتمل انها ضربت صفعتها أولاً في تلك الأماكن،حيث أسس أهل الزندقة مركزاً قوياً لنشاطاتهم منتهزين الفرصة من قلة عدد حماة الاسلام الأقوياء وحفظة الايمان الاصلاء، أو لكونهم مغلوبين على أمرهم.

لا يعلم الغيب الاّ الله

(سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلاّ ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم)

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة