الحكمة من القصاص في الزنا

 

بداية لنتذكر أن الرجم لا يطبق الا في المحصن اي من سبق له الزواج لأن من ذاق طعم الحلال لا مسوغ له بأي شكل من الاشكال ان يقع في الحرام. كما إن الرجم يطبق في حالة وجد اربع شهود ثقات رأوا عملية الجماع باعينهم )فلا يكفي مثلا ان يروهما عاريين في سرير واحد( و بديهي ان هذه حالة لا تحدث الا عند انتشار الفاحشة بشكل جنوني كما يحدث اليوم في بعض الدول الغربية و من هذا المنطلق فالهم الأول للشريعة كان حماية المجتمع من الاباحية ومحاربة انتشار الدعارة اكثر من معاقبة شخص قام بنزوة و الدليل على ذلك ان سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم لم يتسرع في تطبيق الحد على ماعز الاسلمي بل حاول اعطاءه المجال للتراجع عن اقواله (حتى عند التنفيذ حيث يكون احتمال التراجع عن الاعتراف بسبب الخوف من الموت كبيرا) و كذلك فعل في حالة الغامدية الي قال فيها قولا يقال عادة بالشهداء ("جادت بنفسها لله"). لم يغلق الرسول صلى الله عليه و سلم الباب امام الزاني ان يتوب دون ان يقام عليه الحد بل نصح من اوقعته الرذيلة في ذلك الفخ ان يستتر من هذا الذنب و يتوب منه و يتطهر والا اقيم عليه الحد ان اظهر الفاحشة او اعترف.
حدثني مالك عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى اللهم عليه وسلم فدعا له رسول الله صلى اللهم عليه وسلم بسوط فأتي بسوط مكسور فقال فوق هذا فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال دون هذا فأتي بسوط قد ركب به ولان فأمر به رسول الله صلى اللهم عليه وسلم فجلد ثم قال أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله
و هذا موقف معظم العلماء اليوم حينما يستفتيهم الزاني ينصحوه ان يقلع عن الزنا و يخوفوه بآثاره المقيتة و عقوبته الشديدة و ينصحوه بالتوبة و الستر الا إن بعض العصاة يتعاظم الذنب في نفسه و يفضل ان يعاقب في هذه الدنيا (عبر تنفيذ الحد) على ان يظل مؤرق الضمير (كما رأينا في قصة الغامدية التي كانت متلهفة على تنفيذ الحد فيها). طبعا هذه الحالات يندر وجودها اليوم لأنه ما من ايمان يماثل ايمان الصحابة.
و البينة الثالثة التي تستوجب الرجم هي الحمل للثيب غير ذات البعل (عادة المطلقة او الارملة او التي سافر عنها زوجها منذ مدة طويلة) لأن البكر لا ترجم بل تجلد. و لكن تطبيقا للقاعدة المهمة "ادرءوا الحدود بالشبهات" فإن الحد لا يقام على الحامل اذا ادعت بأنها اغتصبت و بالتالي تستطيع انقاذ نفسها كون الحد لا يطبق في حالة الشك. وأي بينة او دليل للزنا عن غير الطرق التي حددها الشارع اي "الشهود الاربعة"، "الاعتراف"، و"الحمل بدون وجود شبهة براءة" لا يؤخذ به حتى لو تم التحقق من الزنا بفحص الحمض النووي للطفل و مقارنته بالمتهم و لا ينفع تقرير الطبيب بفض البكارة و لا حتى شهادة الزوج نفسه بالرؤية العينية لزنا زوجته و من هنا لا يقبل في الدين ما يسمى اليوم بجرائم الشرف.
الزنا داء اجتماعي خطير صعب ان يقضى عليه في اي مجتمع مهما كان مثاليا لذلك كافح الاسلام ما بطن و ستر منه بالترغيب بالزواج و التطهر و الاخلاق الكريمة و المحافظة على كرامة الانسان و تصرف الرجل مع النساء كما يحب ان يتصرف سائر الرجال مع اخواته البنات من غض للبصر و تجنب الاختلاط غير المبرر... كما قضى الاسلام على الزنا و الدعارة العلانية و التهتك الاخلاقي عبر منظومة الحدود و التعزير لأن الزنا المكشوف و المباح اشد خطرا من الفاحشة المستترة كون من يمارسه يفسد مجتمعا بأكمله كما يحصل في الغرب و تهدد الرسول صلى الله عليه و سلم المجتمعات التي تعلن الفاحشة و تتبجح بها بأمراض لم تكن في من سبقهم و هذا من الاعجاز في السنة الشريفة حيث اثبت انتشار الايدز (و هو مرض لم يعرف الى الآن مصدره) صدق هذه المقولة.
أقبل علينا رسول الله صلى اللهم عليه وسلم فقال يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم.
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة