الحكمة من الغيبيات

تسأل احدى الاخوات عن امراة تعلمها الدين قصت على زوجها بعض الامور الغيبية التي تعلمتها كنحو ان اسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور فهزأ منها ومن هذه الامور مما اثر سلبا على مستوى ايمانها. لذا سنحاول في هذا المقال تبيين الحكمة من هذه الامور.

الاثبات والتأويل في موضوع الصفات

قد يسأل العامي او المستهزىء بالدين مستغربا: هل الله يضحك مثلنا ويغضب و يحب ويكره ويكيد ويمكر.. اليست هذه صفات انسانية بشرية؟؟

والجواب ان المشترك بين هذه الصفات والصفات البشرية هو الاسم فقط.. فغضب الله ليس شعورا انفعاليا بل هي صفة خاصة به ينتج عنها مثل ما ينتج من غضب الانسان من عقاب. اما لماذا استعمل الله هذه الالفاظ معنا فلأن ترسيخ وجود الله في عقولنا ضروري ولا مفر من ان يتحدث معنا رب العالمين بألفاظنا التي نفهمها كي يقرب الصورة الينا ولكن علينا ان نتذكر بعد كل اثبات لصفة ما ان الله ليس كمثله شيء وهو ما نطلق عليه اسم التنزيه. في خاطرة مهمة من كتابه الشيق صيد الخاطر يتحدث ابن الجوزي عن الحكمة من كون رب العالمين يستخدم معنا مفردات تحاكي واقعنا وصفاتنا فيقول ان اثبات الصفات لازمة ضرورية كي يترسخ في ذهن الانسان وجود الله وان الافراط في التأويل تحت مسمى التنزيه قد يؤدي الى تعطيل الصفات عن المعاني التي اراد الله ترسيخها .. لذلك حرص الصحابة ان يأمروا هذه الاشياء كما جاءت بدون تأويل (التأويل هو صرف المعنى الى معنى مجازي قد يكون بعيدا). ورفض الامام احمد ان يخوض في مسألة هل اللفظ بالقرآن مخلوق ام لا خشية ان يهون الخوض في هذه الامور من مقام القرآن في قلوب العامة.

وهكذا نكون قد شرحنا اول بند من بنود الغيبيات وهي المتعلقة بصفات الله والقينا الضوء على اهمية استعمال العبارات المحسوسة فيها وقلنا ان غرضها الاثبات وترسيخ وجود الله في ذهننا اذ لو تم وصفه بصفات هيولية مجردة بعيدة عن احساسنا ومفاهيمنا لزال اثر الخوف والاجلال من قلوبنا. هذا ولا يجب ان يفوتنا طبعا اننا عقب كل اثبات لصفة يجب ان ننزه الله عن مشابهة المخلوقات.

قصة ابليس

بعد الانتهاء من موضوع الصفات نأتي لموضوع ابليس الذي يجادل فيه الملحدون كذلك حيث يزعمون ان ابليس غير موجود وان الانسان اخترعه لينسب اليه الشر.. والجواب ان ابليس موجود والحكمة من وجود مصدر ملموس يوسوس بالشر للناس هي حكمة قريبة لموضوع التعبير عن الصفات .. فبغير وجود ابليس سيكون ترسيخ مفهوم الشر صعبا في عقولنا.. لكن بنفس الوقت وكما انتقلنا من الاثبات الى التنزيه في موضوع الصفات  علينا ان نتذكر بعد ان نثبت وجود ابليس ان الحكمة الاساسية من ذكر القرآن الكريم به ليست شرح تفاصيل صفاته وحياته وذريته وازواجه وعنصره الذي خلق منه انما استخلاص الدروس والعبر من حربه مع آدم عليه السلام.

وهذا تذكير بالامثلة الرمزية التي تمر في قصة آدم عليه السلام مع ابليس ودلالاتها

قصة آدم عليه السلام بمجملها هي درس للبشر يتعرضون فيه لما تعرض له ابيهم آدم فكأن هذه التجربة هي رمز لكل تجرية يخوضها الانسان مع الشيطان.

وجود آدم المؤقت في الجنة مع انه خلق ليستعمر الارض ودلالة هذا الامر الرمزية على كونها موطنه الاصلي.

تعليم الله لآدم الاسماء وتمييزه عن الملائكة بهذه الخاصية ودلالة هذا الامر الرمزية على التفوق الانساني بالعلم.

الشجرة المحرمة رمز للحرام وسائر الاشجار رمز للحلال.

كشف العورة لدى حدوث المعصية ودلالته الرمزية على الانحدار الاخلاقي عند المعصية وان كل عورة في المجتمع وراءها خرق لأمر وناموس إلهي.

مسالك الشيطان للايقاع بنا كما تجلت في مسالكه للايقاع بأبينا آدم : التكبر، الحسد، العنصرية، اتباع الهوى، المنطق التبريري، الاغراء المتدرج، الترغيب بالممنوع، تزيين حب الشهوات من المال والسلطة والنساء، قلب المفاهيم، التمني بدون العمل، المنطق التبريري، استغلال الدين لمصالح دنيوية.

طرق الحماية من كيد الشيطان كما تجلت في افعال أبينا آدم عليه السلام ونصائح رب العالمين له: التقوى، التمسك بحبل الله، التوبة والاستغفار، تحكيم العقل والفطرة،  النظر في حقيقة الأمور،اجتناب المنهيات والابتعاد عنها قدر الامكان.

 

موضوع الملائكة

ننتقل الان الى موضوع الملائكة وهو عين السؤال المطروح.. لا اعرف صراحة ما المضحك والطريف في قصة الملاك الذي ينفخ في الصور ايذانا بالبعث؟؟ هل لأننا لا نرى الملائكة؟؟ ولكن نحن لا نرى ايضا الاشعة النووية والموجات الكهربائية والمغنطيسية ولا احد ينفي وجودها.. اصبحت البشرية اليوم في حالة تطور ورقي لا يسمح لها بنفي ما هو غير ملموس امامها ان اثبت وجوده دليل عقلي او نقلي يقيني. اما ان كان المستغرب في الموضوع ان الله لا يحتاج لهذه الملائكة كي يحاسب الناس فالحكمة من وجودها كبيرة الا وهي اظهار قدرة الله وقوته.. فالملك في عرفنا وحسنا يتميز بقوة جنده وبجلال عرشه.. وفائدة اخرى تتمثل في مزيد من مراقبة الله في اعمالنا حينما نعرف وجود ملكين يسجلان كل ما نقوم به لحظة بلحظة ودون ان يغفلوا اي امر وهذا يدفعنا اكثر لتجنب الذنوب والمعاصي.. هذه هي الحكمة من ذكر الملائكة وانواعها واعمالها ووظائفها وايضا نشدد كما شددنا في حالة ابليس والجن ان لا كبير فائدة من الجدل في مواصفات الملائكة واحجامها وعدد اجنحتها واسمائها.. وطرح اسئلة لا تفيدنا في دنيانا ولا آخرتنا مثل: ماذا يحل بالملكين الموكلين تسجيل الحسنات والسيئات بعد موت الانسان .. او الجدال في اسم ملك الموت هل هو عزرائيل ام لا..

مثال عن النصرانية:

من يقرأ اناجيل النصارى يجد ان الحديث عن وصف نعيم الجنة قليل واقل منه وصف جهنم التي لا تذكر الا في انجيل واحد.. لذلك تجد النصارى وعلى عكسنا تماما بعيدون جدا عن مفاهيم الدار الآخرة ويكادون لا يلقون لها بالا بل هم يعتبرونها امورا رمزية ومعنوية.. فالجحيم عندهم هي البعد عن الله ولا اعرف اي ردع في النفس يتركه هذا العقاب لشخص هو بعيد عن الله اصلا في الدنيا.. فنقول شتان ما بين مفهومهم ومفهومنا.. وشتان ما بين اثر ذكر الجنة علينا واثرها عليهم.. وها هو المسلم يبكي حين يسمع العذاب الذي ينتظر الكافر في النار ويسمع كيف تبدل الجلود كلما نضجت وكيف يكون طعامه حميما وصديدا ويفرح بالمقابل حينما يسمع عن النعيم في الجنة.. ولو لم توصف هذه النعم بعبارات ملموسة من واقعنا مثل الانهار والاشجار والنساء الحسان والذهب والفضة لما استطاع هذا الصحابي ان يقول عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أسمع عواء أهل النار...

الخلاصة

ان الانسان مفتون بالامور الحسية وهذا سبب زهده باوامر الشرع حتى لو ايقن ان البعث حق ذلك ان كل ما هو غيبي قليل التأثير في النفس التي جبلت على حب الدنيا.. لذلك اقتضت الحكمة الإلهية ان تساعد المؤمن في طريقه الى الجنة فجسد لنا رب العالمين كثيرا من هذه الأمور الغيبية بطريقة ملموسة والا فهو مستغني عن الملائكة والجن والعرش والصراط والميزان وما خلق هذه الامور الا لترسيخ الايمان به وبيوم البعث ورفع مستوى الايمان من المستوى الغيبي النظري الى مستوى الايمان القلبي الحار الذي يدفع الانسان للعمل كي ينال ما وعد به المؤمن ويتجنب النار التي اعدت للكافر. وختاما نطلب من هذه الاخت المؤمنة الا تبالي بكلام -هذا الرجل- بل تدعو الله له بالهداية فمن كان ايمانه قويا لا يجب ان يزيده استهزاء الناس به الا يقينا.

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة