الحسن و القبح

الحسن والقبح حالان اعتباريان لا موجودان ذاتيان : وإذا أدركت هذه الحقيقة ، أدركت إلى جانب ذلك أن الحسن أو القبح ليس له جذور ذاتية مرتبطة بذات الشيء بحيث لايمكن الانفكاك عنه ، وإنما هو معنى استتبع حكما من أحكام الله عز وجل ، ولو شاء الله لجعل الحسن قبيحا والقبيح حسنا ، مادام الكل بخلق الله وحكمه . وهذا معنى قولنا : إن الحسن والقبح في الأشياء اعتباري .

و نحن من شدة ما إلفنا الترابط الذي خلقه الله بين الأشياء وخواصها ، نظن أن معنى الحسن أو القبح قد غدا كامنا في ذات كل منهما فهما لاينفكان بعضهما عن بعض. فاذا أدركت هذه الحقيقة إدراكا جيدا ، علمت أن الله تعالى ليس مجبورا في خلقه وفي حكمه على أي شيء . فجائز على الله تعالى أن لايثيب الطائع ويعذبه ، وأن لايعذب الكافر ويثيبه . ولا يقال إن ذلك مناف للحكمة والمصلحة ، لأن الذي جعل الشيء حكمة أو مصلحة هو الله عز وجل ، فلا يعقل أن يتصف شيء من أفعاله بأنه مناف للمصلحة . غير أننا نقول : إن الله كتب على نفسه في صريح كتابه ، ان يثيب الطائع ، لطفا منه ورحمة . فلا بد أنه سينفذ وعده لأنه أخبرنا بذلك ولأنه أصدق الصادقين، ولأنه جعل الصدق بشرعه حسنا والكذب قبيحا . وصفوة القول أن الله خلق ماشاء في هذا العالم ، ورتب جزئياته على بعضها ترتيبا صير البعض منهما حسنا مفيدا ، وصير البعض الآخر قبيحا مفسدا . ولم نكن نعلم أونستشعر صفة الحسن أو القبح في هذا ولا ذاك لولا خلقه وترتيبه وتأليفه بين الذوات وخصائصها .

وهذه الحقيقة تكشف لك عن ثلاث نتائج ، متفرعة عنها :

 الأولى : أن الأشياء في أصلها خالية عن صبغة الحسن والقبح والنفع والضرر ، الله عز وجل صبغ بعض الأشياء بهذه الصبغة وبعضها الاخر بتلك . وهذا معنى قولنا إن الحسن والقبح في الأشياء اعتباري وليس جوهريا .

 الثانية : أنه يصدق قولنا إذن بأن الله خلق القبيح أو الضار . لأنه عندما ركب في الأشياء خصائص معينة أو ساقها إلى نتائج ذات تأثير معين تخالف مصالح الناس ، أو خلق في الأمزجة اشمئزازا منها  فمعنى ذلك أنه قد خلق القبيح ، ضمن ما خلقه من المكونات .

الثالثة : ليس من صفات النقص التي علمنا أن الله منزه عنها ، أن يكون قد خلق القبيح والضار في الكون . لأن من صفات الكمال الثابتة لله أنه يخلق ما يشاء دون أن يصده عن ذلك أي شيء ، قوة كان أوعرفا أوقانونا . وليس خلقه لأصناف الموجودات من قبيح وحسن وضار ونافع إلا مظهرا لهذه الصفة الكاملة . ولكن المنافي لصفة الكمال والمستلزم للنقص ، أن يقال إنه اكتسب القبيح أواتصف به . وفرق كبير بين هذا وذاك . ليس نقصا في ذات الله أن يخلق العجز في الكون متمثلا في شتى المظاهر ، ولكن النقص أن يتصف هو بشيء من العجز . وليس قبيحا أن يخلق الله الكذب ( ظاهرة يتصف بها بعض الناس ) ولكن القبيح أن يتلبس هو بشيء من هذا الكذب الذي خلقه، لا لأنه قبيح بحد ذاته عقلا ، فقد أثبتنا بطلان ذلك ، ولكن لأنه متلبس بمعان ومستلزمات لاتتفق ومصالح العباد ولأن الله جعله بشرعه قبيحا . فلا يمكن أن يتصف البارئ جل جلاله به .

ولاينبغي أن يلتبس عليك الأمر فتقول :  وإذا فلا ينبغي أن يعذب الطائع ، أو يبتلي الناس بمصائب دون جريرة اقترفوها والا كان هذا ظلما- لأن الظلم هوأن تتصرف بشيء يخص غيرك بدون رضاه ، فهذا هو الذي قبحه الشرع . أما تصرف الله عز وجل بمخلوقاته ، فليس من ذلك في شيء ، بل هو إنما يتصرف بملكه الذي له المشيئة المطلقة فيه كما لا يخفى عليك . والشبهة إنما تطوف بذهنك ، بسبب قياسك ذات الله تعالى على نفسك وعلى ما تواضع عليه عرف الناس في مجمتعاتهم ، فهذا الذي تواضع عليه عرف الناس إنما هو جزء يسير جدأ من تكوين الله وخلقه ، ولايمكن بحال من الأحوال أن يكون أي جزء من أجزاء هذه المخلوقات حاكما على إرادة الخالق وتصرفاته .

على أن هذا الذي تراه في الكون من مظاهر البؤس والابتلاء والمصائب التي يصاب بها كثيرمن الناس ، والتي يسميها البعض حسب اصطلاحنا في التعامل مع بعضنا (ظلما ) ينطوي على حكم ومصالح قد تغيب عنا ، وليس من شرط صحتها أن نكون على علم بها واطلاع عليها.  لأنه ليس من شرط مشروعيتها أن توقع عقولنا عليها بالموافقة والرضا . وحسبك مظهرا من مظاهر الحكمة أن تتأمل قوله تعالى :  و نبلوكم بالشر و الخير فتنة و الينا ترجعون.

ويترتب على كل ماذكرناه أن العقل بمفرده لايستطيع أن يستظهر حكم الله في الأشياء بموجب مايتراءى فيها من صفة الحسن أوالقبح . لأن ماتراه فيها من هذه الصفة ليس ضرورة عقلية ملازمة للذات ، مجيث لابد أن يكون حكم الله تابعا لها ، وإنما هو ارتباط جعلي أو تصورخيالي بسبب ارتباط تلك الأشياء بما ذكرناه من المصالح الظاهرة الخارجة عنها ، وقد لايأتي حكم الله على وفقها . ولذلك اتفق جمهور المسلمين على أنه لا شرع قبل بعثة الرسل ولا تكليف ، وأن أهل الفترة الذين انقطعوا عن خبرالأنبياء السابقين وبعثة خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام ليسوا مؤاخذين ولا مكلفين . ويدل عليه قوله تعالى :  وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة