الثبات على المبادىء

1-مقدمة

في تتمة للموضوع السابق حول الغاية والوسيلة يتعذر اكثر الناس ان الضرورات تبيح المحظورات فدعونا نناقش هذا الموضوع هنا..

2-لا حلول اسلامية لواقع غير اسلامي

قال احد الحكماء: لا تسأل الله أن يخفف حملك ولكن سله أن يقوي ظهرك. يسأل كثير من الناس عن حكم التأمين على البضائع، والاقتراض من البنوك لتوسعة التجارة، وخلع الحجاب في بلاد الغرب خشية الاضطهاد. . . كل هذه وأمثالها، لم تكن لتحدث لو كان نظام الإسلام هو الذي يحكم الحياة، ويقود المجتمع وفق شرع الله . ولكن مأساتنا أننا أخذنا أنظمة الحضارة الغربية وخاصة في المال والاقتصاد، وهي أنظمة رأسمالية، تقوم في الأساس على فلسفة للمال غير فلسفتنا، ونظرة للحياة غير نظرتنا . فالربا يجري منها مجرى الدم في العروق، لا تحيا إلا به، ولا يمكنها الاستغناء عنه، والمعاملات المشتملة على (الغرر) تسري في نظامها كله . . ولهذا يكون من الظلم أن نحاول نحن ترقيع هذا النظام بأجزاء إسلامية، لأن هذه الأجزاء ستكون " قطع غيار " في غير جهازها وغير مكانها. إن خطأنا الأساسي أننا نستفتي الإسلام في مشكلات لم يصنعها هو، ونريد منه أن يعالج أمراضًا جلبناها نحن من مكان آخر، ولم نتبع أسلوب الإسلام في الوقاية منها. نستورد نظام المصارف أو البنوك بعجره وبجره، كما أنشأته الرأسمالية الغربية الربوية اليهودية، ونخضع رقابنا له، ونجري معاملاتنا على أساس وجوده . ثم نقول للإسلام: حل مشكلاتنا مع البنوك الربوية. وجواب الإسلام الصحيح: أن دعوا هذه البنوك واسسوا لأنفسكم مصارف أو " بنوكًا " إسلامية الأساس، تقوم على غير الربا وتتعامل بشرع الله - إن كنتم مؤمنين. وليس هذا بالمستحيل ولا بالمتعذر لو صدقت النيات وصحت العزائم، فقد قيل: إذا صدق العزم وضح السبيل.

3- الضرورات لا تحلل الحرام 

قد تقول: وما ذنب الفرد إذا انحرف المجتمع، أو انحرفت الأنظمة والحكومات ؟ وماذا يستطيع أن يفعل وهو فرد، لا يقطع عرقًا ولا يريق دمًا ؟ والجواب: أن المجتمع ما هو إلا أفراده، وقد ساهم هو بسكوته ورضاه، بل بتعامله الإيجابي مع المؤسسات اللاإسلامية - في صنع الواقع المخالف للإسلام. وينبغي أن يظل الفرد المسلم غير راض عن نفسه، وعن الأوضاع المعوجة من حوله وأن يبقى هذا الشعور حيًا متوقدًا بين جنبيه، حتى يستطيع - بالتعاون مع أمثاله من المؤمنين الثائرين على حياتهم وعلى انحرافات مجتمعهم أن يعملوا على تغيير الأوضاع اللاإسلامية إلى أوضاع إسلامية، يومًا ما. إن هذه الشحنة هي رصيد هذا التغيير المنشود . وبدون هذه الشحنة النفسية من الغضب والنقمة لا أمل في أن يستقيم نظام أعوج، أو يصحح وضع منحرف. لا بد أن يبقي الفرد المسلم في ظل الأوضاع المذكورة شاعرًا بالإثم، وبالضيق، وبالتبرم، فإن هذا الإحساس من بقايا الإيمان، لأن معناه أنه لا يزال يرى المعروف معروفًا والمنكر منكرًا وأن أخطر ما تصاب به الأمة المسلمة أن تفقد - بطول رؤيتها للمنكرات وإلفها لها - إحساسها بها، وتمييزها لها، فلا تلبث أن يختلط عليها الأمر ويلتبس عليها السبيل، وتضطرب في حياتها الموازين، حتى ترى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا . وقد تتوغل في الضلال، فتنتهي إلى مرحلة أسوأ وأقبح، وهي أن تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، وربما تفعل ما فعلت بنو إسرائيل، فتقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس.

4- الضرورات تقدر بقدرها

جميع الحركات الاسلامية تبرر تنازلاتها بقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" ولكنهم جميعا ينسون تتمة القاعدة التي لا تنفصل عنها الا وهي "ان الضرورات تقدر بقدرها".. فلنرجع قليلا الى النص القرآني الذي اعتمد كمصدر لهذه القاعدة.. انه يقول : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم. وكأننا بالناس تقرأ الآية و لا تكملها.. فهم اولا يتأولون انهم مضطرون ويبيحون لانفسهم اكل لحم الخنزير ومن ثم يتلذذون بلحم الخنزير هذا فيعكفون عليه ويأكلون فوق ما تبيحه لهم حالة الاضطرار على فرض فعلا انهم مضطرون.

5- خطورة التعود على مذاق لحم الخنزير

وهذه ناحية نفسية مهمة جدا.. فمن اشد مساوىء تكرار استعمال الرخص الشرعية انك قد تستعملها اول مرة في محلها ولكن فيما بعد تعتاد ان تستعملها حتى لو لم تكن تحتاجها فقد سقط المحرم في نظرك وتجرأت على القيام بما كنت تستفظعه. ومن هناك نستمع احيانا لبعض القانونيين يقولون "القضية قضية مبدأ" او "هذه الحادثة ان حصلت قد تصبح سابقة في القانون".. ومنها مثلا بدعة التعديل الدستوري لمرة واحدة واخيرة.. والذي حصل حاليا ان بعض الحركات الاسلامية قد تطلب احيانا الممنوع بدعوى الاضطرار مرتكزين على قاعدة "الضرورة" ومن ثم يعتادون على هذا الامر حتى لو لم تكن هناك ضرورة. لنفترض انهم رأوا ان الاحجام عن المشاركة في الانتخابات سيضيع حقوق المسلمين.. ودخلوا اللعبة الدمقراطية لذلك.. الا نجدهم يتخطون هذا الهدف وينتقلون الى تلميع صورة المشرك والتحالف معه.

6- امثلة معاصرة

اذا اعطينا امثلة التعاون مع المشركين.. فاننا نرى ان هذا التعاون دائما يبرر بالضرورة. دولة اسلامية تتعرض لهجوم من دولة اسلامية اخرى فتستعين بدول غربية تحت ذريعة الضرورة .. طبعا لا يعدم فقهاء السلاطين في ايجاد ذريعة كأن يكفروا الدولة المعتدية.. او يدعوا ان الامر لا يطاق اذ وصلت الامور الى استباحة الدم والعرض من قبل الجيش المعتدي.. ولكن كل هذا غير مقنع اسلاميا.. اذ ان الحل ان تقوم الدول الاسلامية بطرد المعتدي ولو اخذ هذا الامر وقتا اطول "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين".. لكن الاخطر من ذلك هو ان يصبح الامر سابقة بحيث يتم التعاون مرارا وتكرارا مع المشرك حتى بعد زوال الحاجة لمجرد الشعور بالتهديد ولو كان بعيدا..

ملاحظة: نعرف تماما ما سيقوله البلد المظلوم.. "لو كنت مكاننا ماذا كنت لتفعل؟؟" السؤال لا يطرح بهذه الطريقة.. لأنه شبيه بمن يقول لو تعرضت لاغواء امرأة العزيز ماذا كنت لتفعل؟؟ القضية هي قضية حلال او حرام وليست قضية سهولة او صعوبة في اتخاذ القرار.. ممكن كثيرون يضعفوا ويختاروا ان يستعينوا بالمشركين.. ولكن الصواب لم يكن سهلا دوما.

7-ملحق من اصول الفقه: شروط قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"

1- أن تكون الضرورةُ قائمةً بالفعل لا مُتوهَّمةً ولا مُنتظَرةً ولا مُتوقّعةً؛ لأنّ التوقُّعَ والتوهُّمَ لا يجوز أن تُبنى عليهما أحكامُ التخفيف.

2- أن تكون الضرورةُ مُلْجِئَةً بحيث يُخشى تلفُ نَفْسٍِ أو تضييعُ المصالحِ الضروريةِ وهي حِفظ الضرورياتِ الخمسِ: الدِّين، النفس، المال، العقل، العِرْض.

3- أن لا تكون للمضطرِّ لدفع الضرر عنه وسيلةٌ أخرى من المباحات إلاّ المخالفات الشرعية من الأوامر والنواهي.

4- أن يقتصر المضطرُّ فيما يُباح للضرورة على القدر اللازم لدفع الضرر، أي: الحدّ الأدنى فيه، لذلك قُيّدت قاعدة «الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ» بقاعدةٍ متفرِّعةٍ: " تُقَدَّرُ الضُّرُورَاتُ بِقَدَرِهَا ".

5- أن يكون وقتُ الترخيصِ للمضطرِّ مقيَّدًا بزمنِ بقاءِ العُذر، فإذا زال العذرُ زَالَ الترخيصُ والإباحةُ، جريًا على قاعدة: «إِذَا زَالَ الخَطَرُ عَادَ الحَظْرُ» أو قاعدةِ: «إِذَا زَالَ المَانِعُ زَالَ المَمْنُوعُ» أو قاعدةِ: "مَا جَازَ لِعُذْرٍ بَطَلَ بِزَوَالِهِ".

6- أن يكون الضررُ في المحظور الذي يَحِلُّ الإقدامُ عليه أنقصَ من ضرر حالة الضرورة، فإن كان الضررُ في حالة الضرورة أنقصَ أو يساويه فلا يُباح له كالإكراه على القتل أو الزِّنا فلا يباح واحد منهما لِمَا فيه من المفسدة الراجحة إذ ليس نفسُ القاتل وعِرضُه أولى من نفسِ المقتول وعِرضِه. ومن ذلك لا يجوز نَبْشُ قبرِ الميِّت -الذي لم يُكفَّن- لغَرَض تكفينه؛ لأنّ مفسدةَ هَتْكِ حُرمته أشدُّ من مفسدةِ عدمِ تكفينه، الذي قام القبرُ مقامَه.

7- أن لا يكون الاضطرارُ سببًا في إسقاطِ حقوق الآدميّين؛ لأنّ "الضَّرَرَ لاَ يُزَالُ بِمِثْلِهِ"، إذ "الضَّرَرُ يُزَالُ بِلاَ ضَرَرٍ" و"لاَ يَكُونُ الاِضْطِرَارُ مُبْطِلاً لِحَقِّ الغَيْرِ" فما لَحِقَ الغير من أضرارٍ يلزمه تعويضُها عنهم.

8- أن لا يخالفَ المضطرُّ مبادئَ الشريعةِ الإسلاميةِ وقواعدَها العامّةَ من الحِفاظ على أصولِ العقيدة وتحقيق العدل وأداء الأمانات، فكلُّ ما خالف قواعدَ الشرع لا أَثَرَ فيه للضرورة؛ لأنّ المضطرّ يُخالف بعضَ الأحكامِ الشرعيةِ لا قواعدَ الشريعةِ العامّةَ

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة