الثبات..واجب فردي ام اجتماعي؟

الثبات..واجب فردي ام اجتماعي

السلام عليكم ورحمة الله...

لا يخفى على أحد من المسلمين والمهتمين بالدعوة وشجونها ورسالتها ان الثبات على الحق و تركيز دعائم الايمان ركن اساس و أصل عظيم من اصول الدعوة الاسلامية.

ذاك ان اللحظة الايمانية المتولدة من صحوة فكر أو شحنة عاطفة أو شجاعة عارمة , لا بد لها من عناية تتداركها وتسرع لاحتضانها مثبتة فيها حلاوة اللحظة و صوابيتها ورافدة لها بآليات الدعم اللازمة لمواجهة الفتن و المكر والمضاعفات التي ستحاول بشتى الطرق أن تعصف بهذه اللحظة الايمانية لتقلب حالها و تخبي مفاعيلها.

بل ان الثبات و تأمين احتياجاته لا يعدو كونه عملا يوميا مستمرا الى ان تفضي الروح الى بارئها... وأن اللحظة الايمانية الاولى على روعتها وعظمتها وحلاوة ذكراها لا تكفي لتحصيل المراد الاساس من الايمان عينه.

وإن كان الامر كذلك... فلا بد من أن يفهم اهل الدعوة ..بل المسلمين عامتهم... اهمية احتضان "الطفل الايماني"  لحظة ولادته و معاهدته بالرعاية اللازمة محافظة عليه واستثمارا له ليغدو شابا قويا يافعا لا تهزه الازمات ولا تعصف به الملمات...

ومما قد يضيع به البعض هو تصوير الايمان كأنه مسؤولية فردية بحتة لا يعدو الدخول فيه والخروج منه سوى قرار شخصي يتحمل المسؤولية فيه صاحبه فقط لا غير...

ورغم أن هذه النظرة قد تبدو سليمة للوهلة الاولى الا أنها غير مكتملة نظريا... وغير مجدية وفاعلة عمليا... وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والتاريخ الاسلامي يؤكدان هذا.

 

إن المنظومة الاجتماعية والسياسية و الفكرية التي يسعى الاسلام لتحقيقها يكاد يكون هدفها الاول تأمين البيئة الحاضنة والملائمة للثبات وتوفير مقوماته وتذليل العقبات التي تعترض طريقه.

إن الله عز وجل خلق الانس لعبادته... والعبادة بالمفهوم الاولي هي تسليم المرء امره في شؤون حياته وحركاته وسكناته الى الله عز وجل وامتثال " افعل ولا تفعل". وهذه كلها اعمال فردية تتحقق بارادات و اعمال افراد.. فما هي الغاية من الاصرار على ايجاد نوع من النظام السياسي والاجتماعي والفكر المتبني لهذه المبادئ ؟!! قد لايكون الجواب الا "تأمين" مقومات الثبات ومتطلباته...مما يؤدي لا محالة الى تسهيل امر الدعوة وتسهيل امر الانضمام اليها وبالتالي تحقيق الفوز العظيم  والنجاة للافراد...

 

من هنا كان الثبات الفردي مسؤولية الفرد و المجتمع المسلم معا... يحاسبون معا في حال تضييع الايمان... ولا يعفى احدهما بسبب تخاذل الاخر... فلا الفرد معذور في تخليه عن الايمان بسبب تخاذل المجتمع...ولا المجمتع خارج اطار المسؤولية عن ثبات الفرد على الايمان... هذا كله يتأكد أكثر وأكثر في زمن الفتن والاستضعاف...

ولكي نضيء على هذا المفهوم أكثر... سنتطرق الى امثلة من القرآن والسنة تؤكد ما ذهبنا اليه وتوضحه بشكل صريح:

1)المؤلفة قلوبهم:

 

إن التشريع الاسلامي اعتنى اشد العناية بالوافدين الجدد الى ظلاله. فكان الايمان خيارا فرديا مدفوعا بحجج  وادلة ودعوات صادقة...وكان التلقف السريع للحظة التالية ...وتأليف القلوب احد اوجه هذا التلقف العظيم

وتأليف القلوب ليس انتقاصا من قدر الوافدين الجدد..ولا يجب ان ينظر اليه هكذا.. بل هو فهم دقيق لبعض الطبائع البشرية وحاجاتها في مجالات معينة لتأمين "هالة" الثبات والشعور بالامان وعدم الخضوع لهزات ارتدادية مدفوعة بالخوف او التردد او الضغط الاجتماعي.

وتأليف القلوب ورد بصيغة مالية...ولكن المفهوم يحتمل ان يترجم بصيغ عدة ( تأمين العمل..تأمين المسكن..تأمين الزواج)... بحيث يتم تلقف نقاط الضعف او الجذب لدى كل وافد جديد والعمل على تغطيتها وتأمينها...

ولعل قائل هنا يقول: ولكن عمر بن الخطاب الغى العمل بهذا البند... نجيبه بأن عمر ابتداء اوقف العمل بالالية في مرحلة ما ولم يلغ المفهوم اطلاقا...

في زمن عمر بن الخطاب كانت مقومات الثبات موجودة... والمجتمع الاسلامي قوي مترابط متوسع...والمسلمين في عزة وانفة...باختصار... مقومات الثبات موجودة... فكان اجتهاد الفاروق عمر بتجميد الالية احتراما للمفهوم الاصيل..كي لا يتحول الامر الى مجرد استرزاق مما يضرب اصالة واهمية الفكرة الاساس.

2)عمار بن ياسر:

إن قصة عمار بن ياسر اكبر دليل عملي على الفكرة وابعادها... بل هي دليل على ان المسؤولية الفردية تحتمل الرخص والتيسير حين غياب المقومات المادية للثبات..بمعنى آخر غياب القدرة العملية للمجمتع لممارسة مسؤولياته. فعمار كان في زمن الاستضعاف وغياب "الدولة" القصري و عدم تكوين المنظومة الاجتماعية الاسلامية التي تؤمن الحماية ومتطلبات الثبات... فرخص له بقول كلمة الكفر وهذه رخصة لا تصح الا في هكذا مكان.. ولم يأت التوبيخ الالهي لعمار قائلا: الا يكفيك قول نبيك لكم: صبرا فإن موعدكم الجنة!!... نقطة في غاية الاهمية... فقول النبي صلى الله عليه وسلم هو باب من ابواب الحث على الثبات ولكنه لا يحمل معه مقومات مادية عملية تعين عليه...

وهذا لا ينتقص من قدر المحتمع المسلم الاول لغياب القدرة والتكوين التنظيمي...لذا مجددا...جاءت الرخص الفردية... في الوقت الذي لم يرخص بالفرار وتولية العدو ظهورنا في اعتى حروب دولة المدينة المنورة الفرار...رغم ان موقف الحرب والرؤوس المتطايرة وبلوغ القلوب الحناجر اشد وطأة احيانا من التعذيب الجسدي ( النصر يأتي احيانا بالرعب...فالعامل النفسي مهم جدا ايضا).. لماذا ؟!! لان مقومات الثبات كانت متوفرة للجيش المسلم في المدينة... للجيش كافراد وعائلات تخلفهم في المدينة... فأي تقاعس حينها سيكون ضعفا ايمانيا وقلة ثبات على الصعيد الفردي... ( فضلا طبعا على ان مثل هذه الاخطاء في الحروب لها انعكاسات خطيرة على معنويات الجيش)

الامر واضح اذن... حين تتأمن البيئة الاجتماعية الحاضنة تتضاعف المسؤولية الفردية... وحين غيابها يرخص للفرد وتتعاظم المسؤولية الاجتماعية ان كانت القدرة متوفرة.

 

ولكن الاسلام كان واضحا..بحيث اشار الى ان غياب الدعم الاجتماعي قد يرخص في الحالة "الصورية" للايمان ولكنه لا يرخص في الحالة "القلبية والاعتقادية". مجددا...هو التكامل بين المسؤولية الفردية والعامة

3)ابو جندل وابو بصير:

من اروع الصور التي تعين على توضيح الفكرة وترسيخها...وبالتالي تطبيقها في كل زمان ومكان.

صلح الحديبية كانت حقيقته وباطنه رحمة للمؤمنين الموحدين، وظاهره ظلم وتعد على المستضعفين الذين حيل بينهم وبين الهجرة إلى المدينة. عندما قال مفاوض المشركين في الحديبية ساعتئذ سهيل بن عمرو وكان مشركاً: "على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا"، قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟!

فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، وقال: يا محمد، قد لجَّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا؛ قال: "صدقت"، فجعل – سهيل – ينتره بتلبيبه ويجره، يعني يرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرَدُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد ذلك الناس على ما بهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم.

ما القضية هنا؟ القضية هي عجز قصري كامل للمجتمع المسلم عن تأمين مقومات الثبات العملية بأي طريقة او محاولة...عجز يعذر فيه المجتمع...ويطلب حينها من الفرد المسلم بذل اقصى الصبر والمثابرة... والله هو الحكم العدل ...

ولكن على المقلب الاخر... لم يتعلل المجتمع المسلم بالصلح المقيد له..ولم يركن الى الدعة والتخلي عن مسؤلياته في الحالات التي يمكن ان يقدم  فيها شيئا... بل ان المجتمع حاول ان يجترح حلولا وابوابا جانبية  ليمارس دوره في تأمين الثبات... وهنا جاءت قصة ابي بصير التي نعلمها كلنا... وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم سكوتا نبويا تعليميا عبقريا... يضفي الشرعية ويحفظ العهد في آن.... ويؤمن قبل كل هذا وبعده اسباب الثبات المادي للبعض والثبات المعنوي للبعض الاخر (من بقي محتجزا في مكة يسمع باخبار ابي بصير ومن معه ويمني النفس باللحاق بهم...فالحل قد وجد الان)

وبعد ان وضحت الصورة الان... وتبين الدور العظيم للمجتمع المسلم ..كان لا بد من نظرة لواقعنا المرير ووضع النقاط على الحروف واعادة التأكيد على ان المجتمع مسؤول عن تأمين مقومات الثبات لافراده... وان سقوط احدهم لا قدر الله..مسؤولية فردية اجتماعية مشتركة.

ومسؤولية المجتمع هي نوع من انواع فروض الكفاية... بحيث من غير المعقول ان يجلس كل امرء منتظرا بقية افراد المجتمع ان يقوموا بالمبادرة ..لانه في حال غياب هذا سيكون اول الاثمين.

ونحن اذ نعيش اليوم المرحلة المدنية على صعيد الافراد... (الاحكام واضحة بحق كل فرد والتشريع قد تم الخ الخ) الا اننا نعيش مزيجا من المكية والمدنية على صعيد المنظومة الكيانية او الاجتماعية... فالجاهلية بصور عدة متفشية... والاستضعاف و الافتقار الى مقومات القوة امر واضح جلي...ولكن فرص الخروج من هذه الحالة ممكنة...والمقدرات المادية لعملية النهوض متوفرة....

من هنا كان لا بد لفئة رائدة من المجتمع ان تتصدر للنهوض بالكينونة المسلمة ..مستعدة بذلك لتحمل صعاب المرحلة المكية...واضعة نصب عينيها المنظومة المدنية وما تشكلة تاليا من حالة ثبات للكل... ومنظومة أمان للخائفين المترددين.

إن هذه الفئة الرائدة لن تنزل من السماء... ولن تتشكل الا حين يتم رفض القبول بالواقع المعاش وبقيود التقاليد.. رفضا واعيا منتجا...وليس رفضا غوغائيا مدمرا...

إن الاعتراف بقساوة المرحلة الآنية لا يمكن ان يكون مدخلا الى القبول بها او التنحي عن تولي المسؤولية...فإن سنة الله في هذه الحياة تقتضي ان تضحي كوكبة من المسلمين بالغالي والنفيس لتعوض النقص الذي سببه تقاعس الاجداد مما ادى الى وضع راهن قاس.

وإن لم يكن المسلمون من اصحاب العلم والثقافة و المال ااوئل هذه الكوكبة..فمن تراه يكون ؟

قد لا يكون الامر بسيطا او سهل المنال... ولم يدع احد ذلك... ولكن الاعتراف بمسؤولية المجتمع المسلم الحالي عن معاناة كل محتاج لمقومات الثبات... هذا الاعتراف.. هو اول الغيث... وأول الطريق

والله ولي التوفيق

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة