الثالوث وعبادة مريم

الاوسمة: 

يعترض النصارى على الآيات التي تتهمهم بعبادة مريم او بالعبادة ثلاث آلهة. فالنصارى يؤمنون بإله واحد وليس ثلاثة. أما بالنسبة لعذراء فهي الانسانة الأكثر مباركة بين النساء. وهي وسيطة لهم في صلواتهم بينهم وبين الله (شفيعة).

للحقيقة كنت اتألم كثيرا عندما ارى بعض النصارى يثيرون الشبهات والأكاذيب حول ديننا ونبينا دون أن يتعبوا أنفسهم بالنظر في ما يقوله الاسلام عن هذه المواضيع. لذلك قررت ألا اقع في نفس الخطأ حين احلل الدين النصراني. أعتقد بأني قضيت وقتا لا بأس به في قراءة كتب النصارى المقدسة وتفسيراتهم لعقيدتهم ولم اكتف بالأخذ بوجهة النظر الإسلامية في هذا الموضوع. وقد حاورت الكثير من النصارى الغربيين خاصة لأتاكد مما سبق و فهمته من كتب النصارى0629. ومن اهم الكتب التي بحوزتي كتب توزع احيانا في معرض الكتاب من قبل جمعيات نصرانية لأن هذه الكتب موجهة للتبشير وبالتالي فهي تجيب عن معظم الاسئلة التي يستغربها غير النصارى بأسهل طريقة ممكنة.  وقد حرصت على عدم الخلط بين قضية التثليث (عبادة ثلاث آلهة)  والثالوث (ثلاث اقانيم لاله واحد) ولم ادع بأن النصارى يعبدون مريم عليها السلام كشريكة في الألوهية ولكن ملاحظاتها كما يبدو موجهة للآية التي وردت معنا في الحلقة السابقة "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ " والتي توحي بالتثليث والآية "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْن"ِ  التي توحي بانهم يؤلهون مريم.

القضايا الغيبية البحتة في نظر القرآن.

يلحظ القراء بأني لا اتحدث عن التثليث او الثالوث في مناقشتي لعقيدة النصرانية. بالنسبة للمسلمين التثليث قضية مستحيلة عقلا اذ يستحيل ان يصبح الثلاثة واحدا ولكن النصراني سيقول لك بأن هذا الامر مستحيل في عالمنا ولكنه ليس مستحيلا في حق الله لأن قوانيننا لا تنطبق عليه. ولكن السؤال الذي يطرح  في هذه الحالة اذا كان هذا الامر لا يفهم ولا يفسر فلماذا نتكلم به؟ لماذا نخوض في الذات الالهية ونشرحها؟ ممنوع اسلاميا أن نتفكر في ذات الله لأن هذا العمل سيقودنا إلى الكفر بلا شك كما كفرت كل الفلسفات التي حاولت أن تفكر في ذات الله وتفهم أزليته وكينونته. لذلك نرى أن منهج القرآن الكريم في أي قضية غيبية بحتة هي عدم الرد أو المجادلة بل النهي عن الدخول بها ورد أمرها إلى الله خاصة مع انعدام الدليل  " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون" وحتى في حالة الروح التي تعيش بين اضلعنا لا يخبرنا القرآن عن ماهيتها "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" فهل تراه يخبرنا عن ذاته بما يستحيل علينا ان نفهمه؟ حاشاه.

كيف يتحول الثلاثة اقانيم الى ثلاثة آلهة في نظر القرآن.

كما قدمنا لو كانت الثلاثة أقانيم روحية وغيبية ولم نرها بأعيننا لما استطعنا اتهام النصارى بتثليث الآلهة بل لتوقفنا عند القضية السابقة وهي ان اي بحث في ذات الله وتشريحها هو في حد ذاته ضلال. ولكن بما ان احد هذه الاقانيم هو ذات بشرية معروفة وهي المسيح عليه السلام فالقضية تتحول الى شرك والى عبادة اكثر من آله. يحول القرآن الكريم قضية الثالوث الى قضية شركية وله مطلق الحق في ذلك لأن العبرة ليست باللفظ بل بمدلول اللفظ "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ ". لسنا مجبرين على القبول بأن النصراني يعترف بآله واحد لمجرد انه يقول هذا الشيء فيما هو يجعل من البشري آلها من دون الله او معه. لو قرأنا القرآن الكريم كله فلن نجد فيه مناظرة فلسفية فأما ان يتوقف ويقول بان هذا مما اختص به الله في علمه واما ان يحول القضية الفلسفية الى معناها المبسط بعد ان يجردها من الاعيب اللفظية كما في حالة الثالوث.

عبادة مريم

وبنفس المنطق يحول القرآن الكريم قضية تقديس مريم عليها السلام الى قضية تأليه لأنه مرة اخرى ليست العبرة باللفظ بل بالممارسة. وللدلالة على هذا الامر دعونا نستعرض الآيات القرآنية التي تتحدث عن التأليه وعبادة ما دون الله. 

أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا: لم نسمع بمن يعبد الها يسمى الهوى ولكن معنى الآية ان هذا الانسان جعل هواه مقياسا لتحيديد الحلال من الحرام فيما هذا الامر متروك لله وحده.

اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون

وهنا أيضا لم يعبد النصارى أحبارهم ولكن ادعاء العصمة لهم ومنحهم حق الغفران واتباع أوامرهم حتى لو خالفت كلام المسيح هو نوع من التأليه والعبادة.

ياأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا: هذه وصية ابراهيم لأبيه الذي لم يكن يعبد الشيطان ولكن كان يعبد الاصنام ولكن بما أن عبادة الاصنام هي من وساوس الشيطان أصبحت عبادة الأصنام مرسوم طاعة للشيطان

والآن نأتي إلى قضية السيدة مريم عليه السلام فنجد أن القرآن يقول "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْن" بينما النصارى لا يعتبرون مريم آلهة بل المباركة بين نساء الأرض وشفيعة للنصارى في صلواتهم.

في الإسلام هناك شفاعة وليس وساطة. سيشفع الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من المسلمين امام الله بمعنى انه سيطلب من الله التخفيف عنهم وهذا لا ينافي الدين كون هذا الموقف موقف محاكمة وليس موقف دعاء او عبادة. اسلاميا نحن لسنا بحاجة الى وساطة بيننا وبين الله "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون" بل نستعينه مباشرة "اياك نعبد واياك نستعين" ولفظة "إياك" تفيد الحصر فالله وحده هو الذي نبتهل اليه. فإذا جعلنا مخلوقا وسيطا بيننا وبين الله كنا كالوثنيين الذين يقولون انهم لا يعبدون الأصنام بل يجعلوها وسيلة ليتقربوا منها إلى الله أو رمزا له حاشاه . "ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى". أنا لا أدقق على كلمة "وسيطة" (فقد تكوني تفهمينها بمعنى الشفيعة) فأنا لا أهتم بالكلمات ولكن بالممارسات فدعونا نرى عبادة النصارى كما تمثلها المسلسلات المكسيكية على سبيل المثال. نحن لا نراهم يذكرون الله ولا حتى المسيح بل نراهم يجلسون أمام تمثال العذراء باكين طالبين منها الخلاص وأن تساعدهم وأن تنقذهم مما هم به وأن تمنحهم الخلاص. لو كانوا يقولون "يا مريم اشفعي لنا عند الله  بما اعطاك من مكانة" لقلنا هذا نوع من التوسل نستطيع أن نغض الطرف عنه )علما اننا في الاسلام لا نحبذ هذا النوع من التوسل ايضا بل ندعو الله مباشرة واذا اراد احدهم التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم قال "يا رب اغفر لي بجاه نبيك محمد" وليس "يا محمد اشفع لي عند ربك" لأن الدعاء ينبغي ان يكون لله). ما معنى أن نطلب الغفران والنجاة من مريم عليها السلام إلا عبادتها وما معنى اتخاذ التماثيل لها والركوع أمام هذه التماثيل إلا التشبه بالوثنيين؟ ليست العبرة بما نقوله عن مريم بل بما نفعله في حقها وانا ارى ان بعض المجتمعات النصرانية غيبت الله تعالى تماما ولم تعد تذكر ألا "يسوع" وبعضها الأخر غيب الله ويسوع ولم يعد يذكر إلا "مريم " وبعضها الآخر غيب كل ما سبق واكتفى بالتقرب من القديس "شربل". لماذا؟ وهل الله بعيد عنا حتى نتوسط بيينا وبينه بالأشخاص وألا يكفي أن نعترف بذنبنا أمامه حتى  يغفر لنا بدل ان نذهب ونعترف أمام القسيس؟ هذا أمر لا يقبل به الله ولا عيسى ومريم عليهما السلام.

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة