التعصب المذهبي

 

ما هذا الذي يحدث بيننا كمسلمين في هذه الأيام، من تفجيرات أو قتل بالهوية أو تشريد أو اغتصاب وكله بين مسلمين وما ذنبهم إلا أنهم ينتمون إلى مذهب يخالف مذهب من يمثل بهم ويقتلهم ... ألم يستمعوا يوما لقوله صلى الله عليه وسلم عن جرير بن عبدالله في حجة الوداع قال قال لي الرسول صلى الله عليه وسلم : ( استنصت الناس) ثم فقال : ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) وما ما فعلوا ذلك إلا من جهل ومن تقليد أعمى لشرائع الرويبضة شيوخهم الذين حللوا لهم دم أخوهم المسلم بدون أي حجة مقنعة. و إنما هي فتنة التعصب المذهبي التي روج إليها من يريد تفرقنا ومن يريد أن يجعل بأسنا بيننا.
قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) التوبة : 31
يقول الإمام الرازي في تفسيره : " الأكثرون من المفسرون قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم" وهذا حال كل متعصب مذهبي، ربط على عينه بعصبة قاتمه وبات يقلد شيخه في كل ما أمر به ونهى عنه وقاطع كل من خالف شيخه وخالفه. في هذا المقال سأتحدث بشكل مبسط عن التعصب المذهبي ومسبباته وكيفية القضاء عليه:

من أسباب التعصب المذهبي:
-1 التعصب بالإنتماء الجبري:
لا يأتي التعصب إلا بسبب انتماء والإنتماء نوعين (إنتماء إختياري أو إنتماء جبري) أضرب مثلا عن الإنتماء الجبري بإنتمائك لعائلتك ... فأنت ولدت بينهم ولم تختارهم وهذا يؤثر عليك كثيرا ... فهم النموذج الأعلى بالنسبة لهم قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) لقمان 21. أما الإنتماء الإختياري فهو أن تفكر فيما تريد الإنتماء له وتنتمي إليه بمحض إرادتك بعد أن حاكمت عقلك.
2- حب التميز والتملك الفطري:
حب التميز والتملك شئ فطري في كل إنسان مع اختلاف الطرق المؤدية إليه وبهذا حاول بعض الأفراد تحقيق هذه الغريزتين عن طريق التعصب لبعض الطوائف أو الأحزاب سياسية كانت أم إسلامية لمجرد أنهم أرادوا أن يتميزوا بانتمائهم لتلك الحركة أو المنظمة أو الطائفة ... إلخ.

3- تبني الفكر البتري أو الإستبدادي:
يعجز بعض الناس عن المناظرة بالعقل و الفكر فيفرض رأيه على الآخرين أو يعرض عنهم، وقد تبنى بعض المذاهب هذه الفكرة وهي باختصار "من خالفني أخطئ ومن اتفق معي أصاب" فإن لم تتفق معه في بعض أفكاره البنائة أو الهدامة بترك وجعلك من أحقر الناس دون أن يتعب نفسه بالنظر إلى محاسنك وفضلك على الناس هذا إن افترضنا أنك أخطأت في حقه حينما خالفته.

4- قادات التعصب المذهبي:
يمكن للعالم أو الداعية أن يكون قائدا للتعصب عندما يبدأ في مجلس علمه بقذف فلان واغتياب فلان واتهام هذا والتنكيل بذاك من دون أي ظلم ارتكبوه إلا أنهم خالفوه في يوم من الأيام ... "وهو قدوة" وعلى مسراه يسيروا طلابه ... فمن منا يتخيل الشيخ فلان من المذهب الفلاني يجلس مع الشيخ فلان من المذهب الفلاني المخالف يجلسون مع بعضهم في مجلس واحد ويثنون على محاسن مذاهبهم ويعتبون بطريقة جميله على أخطائهم !! ربما كانت هذه الخطوة من أهم الخطوات نحو تآخي المسلمين وقد ساقت لنا كتب التاريخ الكثير من المناظرات الموضوعية التي يحترم المناظرون بها بعضهم البعض كمناظرة الإمام أبو حنيفة مع الإمام مالك لا كمناظرات المستقله التي لا تمس لأدبيات المناظرة بصلة.
كذلك من أصحاب السلطة عندما يقدموا مصلحة مواطن على آخر بسبب مذهبه فهو بهذا يعزز من التعصب لدى الأفراد وبالذات الذين تأخرت مصالحهم على حساب مصالح مخالفيهم ... وهكذا تتركز العنصرية في الدم وعندما يصبح المظلوم بموقع المسئول يبدأ بالظلم والتعسف رادا حقه وحق زملائه الذين ظلموا من قبل.

سيكولوجية المتعصب المذهبي:
في محاولة للنظر بعيني المتعصب إلى الآخرين كيف تعتقد أنه يرى الآخرين؟
- يحمل المتعصب راية الكمال ويغالط كل من خالفه أو خالف شيخه دونما أن يتأكد أنه على صواب أو خطئ فقط لمجرد أنه شيخه أو مذهبه سيدافع عنه، قال تعالى:(كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) المؤمنون 53
ببساطة يمكنني القول أن المتعنصر مذهبيا لا نظرة له ... فهو مصاب بالعمى لا يرى أمامه إلا خيالات مما حفظته ذاكرته من أمور ماضية و أصم لن يسمع لك شيئا مهما نصحته. إن الخوف يحيط بالمتعصب من كل مكان لمجرد تفكيره أنه قد يغالط شيخه يوما ما، ويبقى في صراع أزلي ما بين الحق وما بين الهوى الذي يرجح له صحة كلام شيخه وإن كان خاطئا. وأخيرا وليس آخرا فأن المتعصب المذهبي يجهل بفقه النصيحه و بأدبيات الحوار البناء والموضوعي فلا ينصح أحدا إلا وينفره منه وللأسف حتى ولو كان على صواب جعل المخالف يصر على رأيه بسبب أسلوبه الهمجي في النصح.
- بعض الطرق لتقليص التعصب و إلغائه من حياتنا:
هناك بعض الطرق والأساليب المتبعة التي قد تساعدك على تقليص التعصب من حياتك ومن ثم إلغائه .. وذكرت التقليص أولا .. لأنه من الصعب جدا أن تصبح محايدا بفكرك .. أي لابد بشكل من الأشكال أن تتعصب ولو بنسبة صغيرة جدا وبشكل لا شعوري ... أدعكم الآن مع الأساليب:

- الحق أولا:
حاول تقديم الحق على الإنتماء والولاء والهوى، ولا تجعل إيمانك يطغو على الحق رغم بطلان ما تنتمي إليه، كلنا يعلم أننا نحمد الله على نعمة الإسلام لأن الله فضل علينا أن جعل آبائنا منذ أن خرجنا على الدنيا مسلمين أليس في هذا حكمة ؟
وهذا حال المذاهب فليس كل مذهب نشأنا عليه وإن كان يرفع راية الكمال بالضرورة أن يكون على صواب.

- الفرق بين التقليد والإتباع:
هناك فرق كبير بين التقليد والإتباع وباختصار شديد:
التقليد : هو الذي يقلد شيخه أو مسلك مذهبه سواء كان صحيحا أو خاطئا، وكل حجته أنه إن كان شيخي على خطأ فهو من سيحمل وزري ... وهذا خطأ كبير هو له وزر باتباعك لفتواه ولكنه لايحمل وزرك،  فأنت مذنب أيضا لعدم تأكدك
أما الإتباع : فهو اتباع رأي شيخ موثوق به مشهود له، حتى يثبت عدم صحة كلامه، فإن حدث يترك كلامه ويؤخذ بالصحيح ، وقد ساق العلامة ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين) ثلاثا وسبعين مثالا من السنن الصحيحة الصريحه التي ردت على المقلدين مع الكلام عليها مفصلا ومناقشتهم فيها مناقشة علمية هادئة.
- المرونة الفكرية :
التوقف عن استخدام قاعدة التعميم واستخدام التخصيص في كل شيئ. فبدلا من أن يقول عالمي يفهم بكل العلوم ( تعميم) يمكنه أن يقول هو عالم في الفقه ( تخصيص) بهذا تصغر الهالة القدسية التي منحها لعالمه يوما ما ويبدأ بالبحث عن من هم متخصصون في علوم شرعية أخرى.
- إلغاء فكر البترية :
 أي أن تبتر عالما أو مفكرا لأنه خالف مذهبك بموضوع ما فلا تقرأ له شيئا ولا تحضر له درسا ... فيضيع عنك كل خيره، أو تلغي كل علماء الأمة الذين خالفوا شيئا من مذهبك لمجرد أنهم خالفوك وتختار عوضا عنهم بضع من العلماء لا يتجاوز عددهم الخمسة وتجعلهم مرجعيتك الوحيدة. نعم هناك علماء أخطأوا في بعض فروع العلم ولكنهم أبدعوا بفروع أخرى وهناك تأتي حكمة تفاوت الخلق ... لا يوجد شخص عالم بكل شيئ ... وإن كان هناك من يدعي علمه بكل شئ فهو لا يعلم شيئا ... الشاهد: لا يحق لنا أن نلغي العالم وعلمه لمجرد بضع أخطاء ارتكبها في بعض فروع الدين إلا في فرع واحد وهو العقيدة.

قصة وحكمة :
جاء المنصور خليفة المسلمين الإمام مالك يعرض عليه أن يعمم فقهه ويلغي كل المذاهب الفقهية الأخرى المنتشرة في تلك الآونة وقال الخليفة سنكتب كتابك ( الموطأ ) بماء الذهب ونأمر الناس في كل البلاد باتباع فقهك، فماذا قال رحمه الله ؟
قال لا تفعل، فقال الخليفة لماذا؟ فقال مالك إن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تفرقوا في في البلاد وعند كل قوم منهم رأي وعلم وفهم، فإنك إن جمعتنا على أمر واحد تكن فتنه فلا تفعل ... رحمه الله

ماذا نستفيد من القصة ؟
- رغم معرفة مالك بأن السلطان سيدعمه ويدعم رأيه لم يتعصب لنفسه وهواه ويوافق وكان يؤمن بالإختلاف سنة قومية ورغم علمه وفقهه آمن بأن العلم انتشر في الأمة مع انتشار الصحابة فيها فلا يمكن أن يكون كل ما يفقهه صحيحا أو كاملا الشاهد : لقد كان مالك رحمه الله ضد فكر البترية.
- رحم الله امرئ عرف قدر نفسه:
من أنت حتى تطعن في العالم فلان والمفكر فلان ... ماذا أصبت مما أصابوا من أعطاك لقب محامي الحق ... أين أنت منهم هل جئت بعشر ما جائوا به هل شهدك لك عشر من شهدوا لهم بالعلم ؟ إذن أقعد في محلك واعرف قدر نفسك.

- الكمال لله:
كل عالم في هذا الكون يؤخذ منه ويرد عليه ولكن من علماء يماثلوه بالعلم لا من طلاب علم، فإذا اقتنعت لهذه الحقيقة فلن تغضب البته حينما يقول لك أحد إن رأي فلان خاطئ فبدلا من أن تشتمه وتطرده وربما تتشاجر معه لعنصريتك ستسأله مباشرة أحقا ما تقول ؟ وما حجتك على هذه ( تقولها بكل قول رحب) ماذا قال أفقه الفقهاء عن هذه المسألة ؟ قال الشافعي : " كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا عنها في حياتي وبعد موتي" وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : " لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه " . " وفي رواية : حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا " .
وقال مالك رحمه الله تعالى : " إنما أنا بشر أخطئ و أصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة وكل مالم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه "وقال أحمد : " لا تقلدني ولا تقلد مالكا والشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا
"وقال السيوطي :" إن المقلد لا يسمى عالما لما نقله " وقال  "إن التقليد جهل وليس بعلم"

- التحقق من صحة أي شئ :
كثيرا منا يتحدث عن غير علم ناقلا مقال شيخه وحسب المرء كذبا أن يحدث بما سمع، هناك أمر بسيط وميسر لنا أكثر من سابقينا وهو سهوله الوصول إلى المعلومات والكتب والمكتبات فكان السابقون يشدون الرحال إلى بعض البلدان ليتحققوا من حديث أو من فتوى وكانت تأخذ رحلتهم شهورا وأما نحن فبإمكاننا بساعه واحدة أن نتحقق من فتوى مع كل الأدلة التي وردت بها وصحة تفسيرها وتأويلها ويمكننا في دقيقتين أن نتحقق من صحة حديث. فما المانع من ذلك ؟
لماذا نسمع حديثا لسنا متأكدين منه وإذا قال لنا أحد بأنه موضوع نقول له لعنك الله لقد قاله الداعية فلان وقاله الشيخ فلان ... وهل هم معصومون عن الخطأ ؟   فلنتأكد بأنفسنا ولنكسب الأجر بدلا من أن نكسب الوزر.
وهنا أود تذكيركم بأننا معاتبين جميعا على ما نقول وبالذات إن كنا لا نعلم ما نتفوه به، قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)  الإسراء : 36

وبالنهاية أنصحكم جميعا بأن لا تكونوا من المتذهبين الذين يقولون مذهبي صحيح يحتمل الخطأ ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب ... إنهل الحكمة من الجميع وتذكر أن البشر يخطئ والكمال لله.

والله أعلم والله ولي التوفيق

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة