التعزير

 

بخصوص تطبيق الشريعة . هل هي هدف ام وسيلة ؟ هل نستطيع استبدالها بانظمة تعطي نتائجا مماثلة ام لا؟ احب ان اذكر بان معيار المجتمع المثالي ليس نسبة الجرائم فيه فحسب بل قيمه الروحية و المعنوية كذلك. فالسويد التي تشهد نسبة منخفضة من الجرائم و لكنها تشهد اعلى نسبة من الانتحار و التهتك الاخلاقي كما ان النظام الشيوعي في موسكو الذي اعطيت مثاله سحق الفرد و فرض عليه قيما خارجية دون ان ينمي الضوابط الداخلية فكانت النتيجة ان هذه الموانع انهارت مع انهياره و سادت الجرائم و المافيا و تجارة الرقيق الابيض. و هذا ما تكلم عنه الاستاذ قطب حين قال ان الاسلام جاء وسطيا بين الانظمة التي تهدم الفرد لمصلحة المجتمع و الانظمة التي تهدم المجتمع لمصلحة الفرد. كذلك اذكر بأن الاسلام ترك حرية واسعة للحاكم و القاضي باستنباط القوانين و العقوبات حسب حاجة البلد و العصر على عكس ما يظن الكثيرون. إذ ان كل ما سوى الجرائم التي تستوجب الحدود يدخل من ضمن صلاحية الحاكم و القاضي. و هذه الحدود كما اشار الاستاذ محمد قطب امس لا تطبق كل ليلة كما يظن البعض. اذ ما نسبة ان يشاهد اربعة رجال ثقات رجلا و امرأة في حالة زنا واضحة في مجتمع اسلامي محافظ؟؟؟؟ اذا وضعنا الجرائم الاخلاقية في ملف خاص سنرى ان حالة كهذه قد لا تمر الا مرة بالالف و ان حالات منافية للآداب مثل التقبيل او الافعال المنافية للحشمة و اللباس المتهتك هي الحالات العامة و هذه يعاقب عليها بالتعزير (الذي سيعرف في المقطع التالي) والذي لا يهمل فيه محاولة اصلاح الفرد و تأديبه. وتبقى قضية الاجتهاد في الحدود مفتوحة ايضا و المثال على ذلك و هو "قطع يد السارق و من ثم اعادتها بعملية جراحية" و هي حادثة حصلت و اثارت اختلاف الفقهاء و اتى كل منهم بدليله على جواز التحليل او التحريم من النصوص الشرعية.
التعزير في اللغة المنع، واصطلاحا التأديب والتنكيل، وتعريفه الشرعي الذي يستنبط من النصوص التي جاءت عقوبة تعزيرية هوالعقوبة المشروعة على معصية لا حد فيها ولا كفارة. والتعزيرقد فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمر به. فعن أنس : "أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حبس في تهمة"، وعن الحسن "ان قوما اقتتلوا فقتل بينهم قتيل ، فبعث رسول الله صلى الله عليه و سلم فحبسهم" وروي انه صلى الله عليه وآله وسلم "حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار، ثم أخلى سبيله، وأنه حكم بالضرب ، وبالسجن". وروي ان عمر قضى بالجلد على من زور كتابا لبيت المال، ووضع عليه بصمة خاتم اصطنعه على نقش خاتم بيت المال، وقدمه لأمين بيت المال ، واخذ منه مالا. وعليه فالتعزير ثابت بالسنة و قد سار عليه الصحابة من بعد. والتعزير مشروع لكل ما لم يعين الشارع له عقوبة مقدرة، اما ما أورد الشرع فيه عقوبة فيعاقب مرتكبه بالعقوبة التي قدرها الشارع، فكل ما لم يقدر له الشارع عقوبة ترك للحاكم ان يقدر له عقوبة، وقد أطلق على هذه العقوبة اسم التعزير.
بخصوص المعاصي وهي عدم القيام بالفرض، والقيام بفعل الحرام، فانا وجدنا الشارع قد قدر عقوبات معينة لهذه المعاصي، كالسرقة وقطع الطريق، والردة وغيرها مما قدر له الشارع عقوبات معينة، وهذه هي الحدود، ووجدنا ان الشارع لا يقدر عقوبات معينة إلا لستة أشياء، أي الحدود، وما عداها لم يقدر لها عقوبات معينة، فهذه التي لم يقدر لها الشارع عقوبات معينة من المعاصي هي التعزير، فالتعزير انما ياتي فيما هو من جنس الحدود ونوعها مما لم يرد له عقوبة مقدرة.
وتقدر عقوبة التعزير على قدر الجريمة، فالجريمة الكبيرة تقدر لها عقوبة كبيرة، حتى يتحقق معنى العقوبة وهو الزجر، والجريمة الصغيرة تقدر لها عقوبة تزجر عن مثلها، ولا تقدر اكثر من ذلك، حتى لا تكون ظلما للمذنب. و بامعان النظر يتبين أن الشرع قد جعل تقدير عقوبة التعزير للخليفة، او الامير او القاضي مطلقا، يرجع فيه الى اجتهاده فيما يراه، وما يقتضيه حال الشخص وما يستوجبه واقع الجريمة، وواقع وضعها في البلد. فهو متروك للاجتهاد فتقييد الاجتهاد بحد اعلى او بحد أدنى هو تحديد فيجعله حدا وهو ينافي كونه تعزيرا، وينافي تركه لاجتهاده، وأيضا فان بعض الجرائم غير الحدود قد تكون أفظع من الحد، فمثلا الادمان على المخدرات كالحشيش والأفيون أفظع من شرب الخمر، وسرقة مبالغ ضخمة من بيت المال أفظع من سرقة متاع ثمنه ربع دينار من رجل من الناس وهكذا ، ثم إن هناك جرائم يمكن أن تؤدي الى تمزيق وحدة الأمة ، كالدعوة الى القومية ، او الى الاقليمية أوما شاكل ذلك . لهذا فان القول الحق ان لا يقدر التعزير بحد أعلى ولا بحد أدنى، بل يترك لاجتهاد الخليفة، او الامير ثم لاجتهاد القاضي. وتقدير عقوبة التعزير الاصل فيه انه للخليفة، ولكن يجوز ان تترك لاجتهاد القاضي، فالقاضي نائب عن الخليفة، والقضاء يتخصص بالزمان والمكان والحادثة فيجوز أن يخصصه الخليفة ببعض القضايا، فيمنعه من تقدير العقوبة في التعزير مطلقا، أو يمنعه من تقديرها في بعض القضايا، ويعطيها له في بعضها الاخر.
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة