التعامل بموضوعية مع الآخر

 

 

أزمة غياب الموضوعية ..

 

كان العالم ومازال يموج بالتيارات الفكرية والنظريات الفلسفية المتصارعة فضلا عن أن تكون متضادة ومختلفة ، ولكن الجديد في العالم المعاصر نوءه بالنوافذ الإعلامية الهائلة المعبرة عن تلك التيارات والاتجاهات والمدارس بما يصيب المجتمعات رغما عنها بالحيرة والبلبلة وعدم الاستقرار الفكري وغياب الأمن الفكري الذي هو أهم أنواع الأمن ، وما ذلك إلا لتجاهل الأيديولوجيات المتصارعة لمنهج الموضوعية في التفكير ومن ثم العرض والدعاية والترويج ، وإدعاء كل مدرسة -النابع من إيمانها باحتكار الحق والصواب- وجهدها الدءوب في إزالة الآخرين من الوجود باعتبارهم ضد الحق والصواب معا ، فتيه العالم بين أعاصير تيارات الأفكار والنظريات ناتج كله من غياب الموضوعية في التأمل والفكر والتنظير والطرح والإعلام ، ولئن كانت الاكتشافات العلمية في العلوم التطبيقية كلها تستند إلى الحقائق الثابتة وتصل إليها باستخدام المنهج الموضوعي مقصية من ذلك الظنون والاحتمالات ، فإن غياب الموضوعية عن مختلف المجالات الإنسانية الأخرى والعلوم الاجتماعية والإنسانية هو سبب التشتت والتعصب وبالتالي النزاعات والحروب..

تطبيقات على الموضوعية:

فإذا آمنا بأن مكونات المنهج الموضوعي كلها قيم إسلامية أصيلة ، فإن هذا يدعونا إلى تطبيق المنهج الموضوعي في مختلف المجالات ، ومن تطبيقات المنهج الموضوعي المثمرة :

أولا : في الخطاب أو التواصل الإسلامي – الإسلامي:

- التواصل السني - السني

إن تعدد التيارات والمدارس الفكرية الإسلامية – السنية منها – وبالتالي تعدد أكثر للجماعات والتنظيمات الممثلة لها في العالم ، فتيار إخواني وآخر سلفي وثالث سلفي جهادي ورابع تيار رسمي ممثلا في الأزهر ووزارات الأوقاف والدعوة والإرشاد ، وخامس صوفي .. وهكذا ، وما يتشعب تحت هذه التيارات والمدارس من أحزاب إسلامية وجماعات تبليغ وأنصار سنة وجمعية شرعية وطرق صوفية ، إلى آخر تلك التفريعات ليس معناه التضاد والتعارض ولا يستوجب بالتالي التحزب والتعصب ومن ثم النزاع والتصارع والمواجهة ، فتطبيق منهج الموضوعية بأصوله الإسلامية يقرب وجهات النظر ويحافظ على التنوع والتباين والتعدد في إطار الثوابت المجمعة وتحت مظلة الإخاء العام ، وهو ينزع فتيل الأزمات دون أن يشترط ضرورة الذوبان والاندماج واختزال الاجتهاد في نسق واحد ، وهو ما تلمسه عادة عند عقلاء كل تيار – وهم موجودون لكنهم مغيبون - دون الغلاة الذين يعلوا صوتهم في الغالب الأعم فوق كل صوت وبالتالي فوق صوت العقل والموضوعية..

- خطاب ذوي المرجعية الإسلامية ، مع العلمانية والليبرالية :

من المعروف أن العلمانية والليبرالية في بلاد المسلمين لم تخلع العقيدة الإسلامية عن معتنقيها من المسلمين ، ولكنهم خلعوا عن أنفسهم المرجعية الإسلامية في الفكر والسياسة وجوانب الحياة الأخرى ، وبالتالي فإن على المسلمين ذوي المرجعية الإسلامية عدم تكفيرهم أو معاملتهم على أنهم أعداء وكذا مؤاخذة المعتدلين منهم بآراء الغلاة المتطرفين ، والنظر إلى أطروحاتهم بموضوعية ، تبدأ بدراسة هذه الأطروحات وبالتالي تفنيدها على أسس علمية وتاريخية وشرعية بما يساهم في تعليمهم وتبيين أوجه الحق لهم والعمل على احتوائهم بدلا من الدعوة إلى استئصالهم وكسب مزيد من عدائهم واضعين في الاعتبار حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أبي ابن سلول رأس النفاق : حتى لا تحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه ، - والحديث للتوضيح والتمثيل وليس للتشبيه والمقارنة منعا لسوء الفهم والتأويل الخاطئ – وفي المقابل فالعلمانيون والليبراليون مطالبون أكثر بالانفتاح على الثقافة الإسلامية ، وعلى العلوم الشرعية ، ولو بقدر انفتاحهم على الثقافة الغربية والأيديولوجيات المختلفة والنظريات – المسماة بالحديثة – وكذلك الانفتاح على الخطاب الدعوي والحركي لتيارات المرجعية الإسلامية ، فإذا كان الطرح العلماني واضحا تقريبا بصورة شبه تامة في أذهان الإسلاميين ، بحكم فرضه على الجميع من قبل وسائل الإعلام بأنواعها ، فإن الطرح الإسلامي يعتبر مغيبا بفعل فاعل ، وعلى العلمانيين البحث الموضوعي والمنهجي عنه وفيه قبل تعميق الهوة والفجوة بينهم وبين هذا الطرح وكذا طارحيه ، فإن أول قواعد الموضوعية والمنهج العلمي والتفكير الحر غير المنحاز تستوجب ذلك ، كما يجب عليهم البحث قبل إصدار الأحكام على خلفيات غير موثقة ، وشهادات اغلبها تأتي من مناوئين أو خصوم ، وليس من الموضوعية في شيء إرسال الكلام على عواهنه ونقله وإشاعته دون تثبت ويقين ، ودون التقيد بوقائع محددة ، ودون إسناد مرجعي يمكن الرجوع إليه والوثوق فيه ..

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة