التجسد والفداء

الاوسمة: 

اعتقاد  النصارى بتجسد الله في جسد بشري لفداء مخلوقاته.

*** كيف يموت الله أو المسيح ***

يقول المسلمين عن شهداءهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ثم ينفون أن يكون المسيح حيا في حالة استشهاده بالصلب حتى لا يتركون فرصة للعقل احتمال كون المسيح هو الله الذي لا يموت. وقد نسوا أن الله هو القدير الودود الذي تفوق محبة لمخلوقاته على محبة وتضحية الأم لوليدها. فإن التضحية تأتي من الكبير للصغير من الغالي إلى الرخيص. فالتضحية بالنفس في سبيل الأرض والعرض هي تضحية بالرخيص في سبيل الغالي وكذلك فإن تضحية المسلمين من أجل الجنة هي تضحية بالرخيص في سبيل الغالي. دعني اقولها صراحة إن لم تكن التضحية هي بالغالي في سبيل الرخيص وإن لم تكن هي تضحية القوي في سبيل الضعيف أو تضحية الكبير في سبيل الصغير فإنها ليست تضحية أبدا بل هي أنانية مستفحلة. والكتاب المقدس يحذرنا من مثل هذه التضحيات الزائفة ويحرضنا على إتباع نموذج التضحية السمائي الذي رسمه الله كالنموذج الأمثل في المحبة والتضحية الحقة.

واخترت فقرة من كتاب كان يتم توزيعه في معرض الكتاب من قبل جمعية المحبة وتشرح بوضوح أكثر فكرة التجسد والفداء.

نستطيع أن تقرب مفهوم الإيمان الفعال بأن تضرب مثلا توضيحيا عن لاعب سيرك تمكن من العبور فوق شلالات نياجارا على حبل رفيع حاملا على ظهره كيسا من الرمل يزن خمسين كيلوغراما. وبعد أن أنهى محاولته بنجاح، سأل أحد المتفرجين ، هل تؤمن أني أستطيع أن أفعل ذلك مرة أخرى أجاب المتفرج أنا متأكد من ذلك، فرمى لاعب السيرك كيس الرمل عن ظهره وقال له، " إذا أركب ظهري ودعني أحملك. الإيمان الحقيقي هو أكثر بكثير من مجرد الموافقة العقلية على المبادئ المسيحية. إنه الاستعداد للركوب والمخاطرة بحياتنا. وأي شيء أقل من ذلك ليس إيمانا بالمعنى الكتابى للكلمة. سمعت مرة قصة عن قاض أحضرت أبنته إلى محكمته بتهمة السواقة بسرعة زائدة. وفرض عليها أكبر غرامة ممكنة مما أدهش جميع الحاضرين. ثم نزل من على كرسي القضاء، وأخرج محفظته ودفع بالغرامة عنها. وهكذا تم إرضاء  كل من القانون المطالب بالعدالة وقلب الأب المحب . شرح الدكتور جراهام ما سبق أن فعله الله في شخص يسوع - فقد نزل الله وتنازل وأصبح إنسانا ليموت من أجل الجنس البشري لأنه أحبنا. أضاف الدكتور جراهام بأن علينا أن تكون مستعدين للاعتراف بخطيتنا وقبول غفران الله لنا من خلال الإيمان بموت المسيح وقيامته من أجلنا. لا يمكننا أبدا أن نعمل لكسب هذا الغفران أو دفع ثمنه. فهو هبة يمكننا أن نقبلها أو نرفضها.

وهناك سبب آخر جعل الله يختار أن يصبح إنسانا، وهو جسر الهوة ببن الله والجنس البشري. ولو كان يسوع المسيح إنسانا فقط آو مجرد كائن مخلوق ، لبقت تلك الهوة الواسعة السحيقة بين الله والإنسان ، بين اللامحدود والمحدود، بين الخالق والمخلوق، بين القدوس والفاجر. وما كان لنا أن نعرف الله لو لم ينزل إلينا. وما كان في مقدور أي كائن مخلوق أن يجسر الهوة الهائلة بين الله والبشر، أكثر مما هو في مقدور قطعة فخار أن تطمح إلى فهم الفخاري الذي صنعها والوصول إلى مستواه . وقد نزل الله إلينا مدفوعا بمحبته. أراد أن يفتح طريقا لكي يعطي مجالا لجميع الناس أن يعرفوه .
 العاطفة ليست مقياسا للحقيقة

لا شك بأن النصرانية دين مبني على العاطفة وعلى التراجيديا ولا يستطيع إي مشاهد إلا أن يتأثر بطريقة كلام المسيح التراجيدية كما وردت في الأناجيل وقصة حياته القائمة على الإخلاص والتفاني والفداء ، هذه القصة التي ترجمت إلى فيلم أبكى الملايين خاصة عندما يحمل المسيح الصليب على ظهره ويجبر على وضع إكليل من الشوك على رأسه سائرا بين اليهود الذين لم يتوانوا عن شتمه وضربه على جانبي الطريق. وهذه القصص التي يشرح فيها النصارى عقيدة التجسد والفداء مؤثرة أيضا وخاصة قصة القاضي وبنته ولكن السؤال الذي يطرح : هل الحقيقة مبنية على إثارة العواطف؟ وماذا نفعل عندها بسائر القصص التراجيدية التي تحفل بها سائر الحضارات؟ ليست العبرة بقدرة القصة على استدرار الدموع و إلا لكانت قصة ET المخلوق الفضائي (غير الموجود) صالحة لتكون في عداد القصص المقدسة. المحبة والعاطفة مطلوبة في الدين وكثير من العلماء المسلمين يتحدثون بلغة وجدانية محببة ولكنهم يوردون هذه القصص في باب الحث على الفضائل وعلى التقوى وليس على ابتداع نظريات وعقائد لم ينزل بها الله من سلطان. لقد مر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بمرحلة عذاب وأذى كالتي مر بها المسيح ، كان الصبيان يرمون الرسول بالحجارة حين مر إلى الطائف ليدعوا أهلها وكان المشركين يضطهدون أتباع الرسول دون أن يزيدهم ذلك إلا إيمانا. ولم تصل المواصيل بالمسلمين لتأليه محمدا صلى الله عليه وسلم يوما ما.

عدم ثبوت التجسد تاريخيا

ما حدث للنصارى هو نفس ما حدث لمعظم الديانات الأخرى وهو ظاهرة الغلو كما يصفها القرآن "ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق" وهذه الظاهرة موجودة عند بعض الفرق الإسلامية كالشيعة الذين غالوا في حب علي رضي الله عنه وفي تقدير معركة كربلاء حتى أصبحت الحدث الرئيسي عندهم متفوقة على جميع الإحداث التي وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.  وأي قارىء محايد في تاريخ النصارى سيجد أن عقائدهم مبنية على الظن فلا شيء يثبت إطلاقا أن كل ما نسب إلى المسيح قاله فعلا بل هناك شبه اتفاق على أن ما ينسب إلى المسيح في الأناجيل كان مما تذكره بعض الناس عنه بعد أن رشوا عليه كثيرا من البهارات نتيجة تأثرهم بحادثة الصلب. على انه مع وجود كل هذه الإضافات والتعديلات على كلام المسيح فإن عقائد التثليث وألوهية المسيح وفداءه للبشر تكاد تكون مبهمة ورمزية ومتناقضة بما لا يتناسب مع طبيعة العقيدة التي ينبغي أن تكون واضحة كوضوح الشمس خاصة إذا ترتب عليها ثواب وعقاب. وهذا الباب واسع جدا فلن ادخل فيه إلا إذا أحب القراء التعرف على ما استنتجته في هذا الصدد.

استحالة التجسد عقليا

الحجة الأساس في رفض تجسد الله في المسيح هو استحالة هذا الفعل ولا ينفي هذا الامر قدرة الله لان قدرة الله تتعلق بالممكن عقليا وليس بالمستحيل العقلي. المستحيل العقلي عمليا هو كلام لا معنى له فإذا جئت إلى شخص أعزب وقلت له "هل طلقت زوجتك؟" فهل يستطيع أن يجيبك ب "لا" أو ب "نعم"؟ سؤالك لا معنى له في الأساس. ومن هذا الباب تدخل جميع الأسئلة من جنس "هل يستطيع الله أن يخلق آلها غيره؟" أو "هل يستطيع الله أن صبح معدوما؟"  "هل يستطيع الله أن يتحول إلى مخلوق ضعيف؟" و هذه الإشكالية موجودة حتى عند النصارى  لذلك فهم يعتبرونها سرا يؤمن به القلب دون العقل.

تناقض التجسد مع التراث الديني للمسيحية نفسها

وهذا أيضا مما تحدثنا عنه من قبل، إذ دعا كل الأنبياء باعتراف النصارى إلى عبادة الله وحده وحتى المسيح في الإنجيل يدعو إلى عبادة الله وحده وباستثناء انجيل يوحنا (الذي لم يكتبه يوحنا) لا نجد أي اشارة إلى ألوهية المسيح. أليس غريبا أن تختلف دعوة الأنبياء؟ وان يكون دخول الجنة تارة بعبادة اله واحد وتارة بعبادة ثالوث؟؟؟

انعدام الخطيئة الأصلية.

يتحدث المسيحيون عن وجوب الفداء لتغفر لنا الخطيئة الأصلية التي نحملها من عهد آدم. ولكننا كمسلمين نعتقد بأن معصية آدم قد غفرت له لأنه تاب منها. وافتراضا انه لم يتب منها فما ذنب الأبناء بجريرة الآباء؟ "ولا تزر وازرة وزر أخرى" ومن هنا لا نرى ضرورة لأن نفتدى بعامل خارجي عنا عن خطيئة لم نقم بها نحن بالأصل. المسؤولية في الإسلام فردية "كل نفس بما كسبت رهينة" والجزاء فردي كذلك "وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا".

تناقض الفداء مع صفات الله المعترف بها في الأديان السماوية

يقر اليهود والمسلمون والمسيحيون بأن الله عظيم قوي منتقم قادر عالم عادل ورحيم . وقصة الفداء لا ترينا إلا جانب الرحمة من الموضوع فأين جانب القوة والعظمة في موته مصلوبا؟ عقيدة الفداء تنص على أن الله تخلى عن جبروته وقوته كي يرينا محبته وهذا أمر مستحيل عقليا كما قدمنا إذ إن صفات الله لا تتغير ولكني الآن لا أركز على الاستحالة العقلية بل احاول مناقشة المسيحيين بالعبرة الأخلاقية للموضوع كونها نقطة تركيزهم. أين الروعة يا ترى في موقف الضعف المهين الذي جرى بحق الله كما تدعون؟ فإذا عدنا إلى قضية القاضي وبنته نرى إن القاضي وقع في مأزق؟ فهل الله يقع في مأزق أيضا؟ القاضي كان مجبورا على الانصياع للقانون؟ فهل الله مجبور على شيء؟ أليس هو من وضع القوانين؟ وأين صفة العلم عند الله إن كان يجهل أن البشرية ستخطىء ؟ وهل صدر الشر رغما عن إرادة الله؟ أما إن كان الفداء معدا له عن سابق تصور وعلم وتقدير فلم يعد للقصة من مغزى اخلاقي بل أصبحت مسرحية شكلية.

تناقض العقاب الإلهي مع فكرة المحبة بلا حدود

 تشديد المسيحية المعاصرة على فكرة المحبة بهذا الشكل (وأقول المعاصرة لأن بابوات القرون الوسطى لم يكونوا بتسامح البابا الحالي) لم يترك للعقاب الأخروي أي فرصة للتجانس مع معتقد الفداء ؟ فلماذا سيعاقب الله الناس إن كان يحبهم بهذا الشكل إلى درجة استعداده للتخلي عن ألوهيته ولبس الثوب البشري من اجلهم؟ إن كان ليس من عقاب كما يقول بعض النصارى اليوم بل محبة مطلقة فكيف نفسر ما ورد عن عذاب جهنم في أمكنة كثيرة من الكتب المقدس والعهد الجديد ؟ هل هي إشارات رمزية أم كذبة لتخويف الناس كي لا يذنبوا؟ وكيف يؤمن المسيحيون بالثالوث الذي لم يذكر في الكتاب المقدس (على الاقل  بشكل صريح) ولا يؤمنون بجهنم التي ذكرت بالتصريح عدة مرات. فلنترك قضية العقاب الأخروي لأنها قضية غيبية ولنرى عالمنا اليوم ، أليس هذا العالم مليئا بالمآسي؟ فإذا كان الله يتألم لكل عذاب يمس بشرا فلماذا لم يخلق عالما بلا أمراض وبلا كوارث؟ ولماذا لا يمنع المجرمين من ارتكاب جرائمهم؟ هذه النظرة لتصوير محبة الله  ورحمته بهذا الغلو ليست متجانسة لا مع الكون الذي حولنا ولا مع كلام الله ووعيده في الكتب السماوية (حتى في الكتاب المقدس بشكله الحالي كما يؤمن به اليهود والنصارى) واذا تغافلنا عن الشرور غير المباشرة فكيف نغض النظر عن العقوبات الدنيوية المباشرة بأمر من الله؟؟؟ يتفق المسلمون والنصارى واليهود في كون الله غضب على قوم لوط (سدوم وعمورة بلغة الكتاب المقدس) وانه دمر قريتهم فكيف يتفق هذا الفعل مع ما يصفونه به من انه يتألم للشرور والحروب التي بين البشر الذين فداهم بتجسده في شخص المسيح. في الإسلام هذه المحبة بغير حدود مرفوضة  "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير" هذه النظرة القاصر إلى الله والتي لا ترى فيه إلا الرحمة والتي تجرده من صفات الجلال هي التي دفعت كثيرا من النصارى الغربيين إلى الإلحاد لأانهم وجدوا انفسهم امام دين غير متجانس ينسب إلى الله كثيرا من الصفات المتناقضة التي لا تستوعبها العقول. وللدلالة على وجود العقاب القاسي عند النصارى كان بإمكاني استعمال الكثير من النصوص من العهد القديم للإشارة إلى صفات الجلال عند الله من غضب وانتقام ولكني آثرت أن استعين بمقطع من كلام القديس بطرس من العهد الجديد. وبطرس هو الصخرة التي بنى عليها المسيح كنيسته كما يقول العهد الجديد.

ولكن كان أيضا في الشعب أنبياء كذبة كما سيكون فيكم أيضا معلّمون كذبة الذين يدسّون بدع هلاك وإذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم يجلبون على أنفسهم هلاكا سريعا. وسيتبع كثيرون تهلكاتهم.الذين بسببهم يجدف على طريق الحق. وهم في الطمع يتجرون بكم بأقوال مصنعة الذين دينونتهم منذ القديم لا تتوانى وهلاكهم لا ينعس. لأنه إن كان الله لم يشفق على ملائكة قد اخطأوا بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء ولم يشفق على العالم القديم بل إنما حفظ نوحا ثامنا كارزا للبر إذ جلب طوفانا على عالم الفجار. وإذ رمد مدينتي سدوم وعمورة حكم عليهما بالانقلاب واضعا عبرة للعتيدين أن يفجروا  وأنقذ لوطا البار مغلوبا من سيرة الاردياء في الدعارة. إذ كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم يعذب يوما فيوما نفسه البارة بالافعال الأثيمة. يعلم الرب أن ينقذ الاتقياء من التجربة ويحفظ ألاثمة إلى يوم الدين معاقبين. ولا سيما الذين يذهبون وراء الجسد في شهوة النجاسة ويستهينون بالسيادة.جسورون معجبون بأنفسهم لا يرتعبون أن يفتروا على ذوي الأمجاد. حيث ملائكة وهم أعظم قوة وقدرة لا يقدمون عليهم لدى الرب حكم افتراء. أما هؤلاء فكحيوانات غير ناطقة طبيعية مولودة للصيد والهلاك يفترون على ما يجهلون فسيهلكون في فسادهم. آخذين أجرة الإثم.الذين يحسبون تنعم يوم.لذة ادناس وعيوب يتنعمون في غرورهم صانعين ولائم معكم. لهم عيون مملوءة فسقا لا تكف عن الخطية خادعون النفوس غير الثابتة.لهم قلب متدرب في الطمع.اولاد اللعنة. قد تركوا الطريق المستقيم فضلّوا تابعين طريق بلعام بن بصور الذي أحب أجرة الإثم. ولكنه حصل على توبيخ تعديه إذ منع حماقة النبي حمار أعجم ناطقا بصوت انسان. هؤلاء هم آبار بلا ماء غيوم يسوقها النوء.الذين قد حفظ لهم قتام الظلام إلى الأبد. لأنهم إذ ينطقون بعظائم البطل يخدعون بشهوات الجسد في الدعارة من هرب قليلا من الذين يسيرون في الضلال  واعدين اياهم بالحرية وهم انفسهم عبيد الفساد.لان ما أنغلب منه احد فهو له مستعبد أيضا. لأنه إذا كانوا بعدما هربوا من نجاسات العالم بمعرفة الرب والمخلّص يسوع المسيح يرتبكون أيضا فيها فينغلبون فقد صارت لهم الأواخر اشر من الأوائل. لأنه كان خيرا لهم لو لم يعرفوا طريق البر من إنهم بعدما عرفوا يرتدّون عن الوصية المقدسة المسلمة لهم. قد اصابهم ما في المثل الصادق كلب قد عاد إلى قيئه وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة.

صفات الله في الإسلام

قبل أن أتحدث عن صفة الرحمة في الإسلام أحب أن أسوق نظرة سريعة لصفات الله كما يحددها الإسلام: هناك صفات جمال مثل اللطف والرحمة والعدل والإنعام وهناك صفات جلال مثل القوة و الغضب والانتقام والكبرياء. ولا تقبل الفطرة السليمة أن تنسب صفات الجمال إلى الله من دون صفات الجلال فضلا على أن صفات الجمال و الجلال على حد سواء مثبتة من قبل الله عز وجل في الكتب السماوية كما إنها منعكسة في أفعاله ومخلوقاته كما وردت في هذه الكتب وكما نشاهدها في حياتنا اليومية أيضا. وصفات الله في الإسلام لا تحمل نفس معنى صفات الإنسان ولو تماثلت الكلمات المستعملة لأن علم الإنسان يحصل بعد جهل و غضبه يحصل نتيجة لانفعال لا يسيطر عليه وهذا كله منتف بحق الله الذي لا يتغير ولا يتبدل. إنما وجه الشبه بين صفات الله وصفات الإنسان هو في ما ينتج عن هذه الصفات من تأثير على المخلوقات فغضب الله ليس انفعالا عاطفيا تعالى الله عن ذلك إنما يستتبعه عقاب على المغضوب عليه وهكذا نفهم كل سائر الصفات مثل الرحمة والعلم والسمع والبصر.

الظلم والرحمة من منظور إسلامي

ولكن هل يظلم الله الإنسان إذا عاقبه؟ يجيب القرآن بوضوح على هذا السؤال "وما ربك بظلام للعبيد" والظلم في الأساس معناه أن تتعدى حدودك وتقوم بما لا يحق لك أن تقوم به أو تتعدى على ما لا تملك. لذلك لا معنى لهذه الكلمة في حق الله وجميع ما في الكون ملك له. على انه بالإضافة إلى هذا المعنى فأن الله لا يعاقب أحدا دون إنذاره وتبليغه بالدعوة. لذلك فدعوى الظلم مردودة على قائلها وإنما هي وسيلة من وسائل إبليس يتهرب فيها الإنسان من مسؤوليته أمام الله. وكن على ثقة بان الله سيهدي أي شخص يبحث عن الحقيقة صادقا أما ذلك الذي اتبع هواه أو قلد آبائه فهو يتحمل وزر هذا الخيار. وما اتهامه لله بالظلم أو القسوة إلا تهرب من فشله الشخصي تماما كذلك التلميذ الذي يفشل في الامتحان فيتهم الأستاذ بالظلم.

أما بالنسبة لرحمة الله فهي تطال المؤمن والكافر في الدنيا والمؤمن فقط في الآخرة بدليل قوله تعالى "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون" لذلك فنحن نتفق مع أسامة في قوله " أن الله هو القدير الودود الذي تفوق محبة لمخلوقاته على محبة وتضحية الأم لوليدها" لا بل إن العبارة مرت حرفيا في حديث لرسول الله مع فارق أن هذه الرحمة موجهة لعباد الله فقط وليس لجميع مخلوقاته لأن رحمة الله للمجرم معناها انتفاء العدل وانهيار القانون الأخلاقي الذي يقوم به الدين. "قدم على النبي صلى اللهم عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي صلى اللهم عليه وسلم أترون هذه طارحة ولدها في النار قلنا لا وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال لله أرحم بعباده من هذه بولدها"
 

الهوة بين البشرية والألوهية

يقول الكاتب إن التجسد كان بغرض تخليص الإنسانية من الخطيئة وبغرض ردم الهوة بين الله والإنسان فهل تخلص العالم فعلا من الشر أم أن الإنسانية اليوم هي في أحلك مراحلها وهل ساهمت العقيدة المسيحية في فهم الله أكثر أم إنها عقدت القضية وأورثت انفصاما بين العقل والقلب ووضعتهما في ازدواجية أمام مختلف التحديات. هل هناك إثبات ملموس بأن عقيدة التجسد تجعل المسيحي اقرب إلى الله من المسلم، هناك شبه إجماع اليوم من الموسوعات الدينية  بأن المسلم بشكل عام أكثر إخلاصا لدينه وتعاليمه من سائر الملتزمين دينيا فلو كانت الهوة مردومة فعلا بين المسيحي والله لوجب أن نراه ملتزما بتعاليم دينه أكثر من المسلم.

التضحية من المنظور الإسلامي

يقول الكاتب إن التضحية لا تكون إلا بالغالي مقابل الرخيص ومن اجل ذلك ضحى الله بالغالي "المسيح" مقابل الرخيص "البشر". وجوابنا على هذا الأمر بأن القضية قضية اولويات فمن قال بأن التضحية هي الأولوية في العبادة؟؟؟ الأولوية هي الطاعة. فهذا إبليس قد ضحى بالغالي "الجنة ورضى الله" من اجل الرخيص وهو "السجود لآدم" فهل نضع إبليس في قائمة المبجلين؟؟؟ لقد فصلنا في ما سبق ما يحمله هذا مفهوم التضحية هذا من نقائص بحق الله وعظمته فهل نسلب من الله كل صفات العظمة والجلال كي نهبه صفة المحبة والتضحية؟؟؟

على إن هناك توضيحا آخرا لقضية التضحية. يرفض الكاتب تضحية المسلمين بأرواحهم ودمائهم وأموالهم في سبيل الله متهما إياهم بالأنانية لأنهم يفعلون هذا الأمر من اجل الجنة وبالتالي فهم يضحون بالفاني من اجل الدائم وهذا صحيح ولكن السؤال الذي يطرح نفسه "هل من السهل أن تصل إلى هذه المرحلة؟؟؟". نحن نعرف فطرة الإنسان على النسيان ونعرف مدى صعوبة تطابق الإيمان مع الأفعال. كل مسلم يؤمن بأن الله الرازق ولكن من منهم يتوكل حقا على الله ويقبل ما قسمه له؟ من منهم يوقن حق اليقين بأن الله وحده هو النافع والضار لا الأمراض ولا الطبيب ولا الوزير؟؟؟ قال الملك لأحد الصالحين "ما أزهدك" فأجابه الصالح "أنت ازهد مني، لقد زهدت في الدنيا الفانية بينما أنت زهدت في الآخرة وهي الباقية". أن يبلغ الإنسان مرتبة هذا الرجل الصالح الذي يرى الأمور من هذه المنظار هو مطمح كل مؤمن لأن الإيمان يصبح عندها عين اليقين وليس علم اليقين فحسب. وحسبي للإشارة إلى هذا المفهوم هو الاستعانة بما سماه الكاتب "الإيمان الفعال" فكثير من الناس يؤمن بأن لاعب السيرك قادر على المشي على الحبل ولكن من يقبل بأن يحمله هذا اللاعب على ظهره؟ هذا هو المحك الحقيقي للإيمان. لقد اكتسب المؤمن هنا ما هو اغلى من التضحية ألا وهو الطاعة والتقوى وليس من وجه حق اتهامه بالأنانية لأنه اراد أن يتلذذ بطاعة الله.

الخلاصة

اعتقد بأننا بينا بشكل واضح لا يدعو للجدل انتفاء الدليل العقلي والديني والتاريخي والوجداني والأخلاقي لقضية التجسد والفداء وبينا فوق هذا كله التناقض الرهيب الذي تحمله هذه العقيدة. وهاجسنا في هذا الرفض إضافة إلى إقامة الحجة على بطلان عقيدة تأليه المسيح هو الرد على الشبهات التي تتهم السلام بالقسوة والنصرانية بالرحمة فقد بينا بعون الله تعالى أن النصرانية أيضا تتحدث عن العقاب الدنيوي والآخروي، أما كيف ينسجم هذا العقاب مع محبة الله المفتوحة فهذه مشكلتهم. أما كيف يفدي القاضي ابنته حين تتجاوز السرعة بسيارتها ولا يقبل أن يفديها حينما ترتكب جريمة قتل فأمر متروك لهم.

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة