التجديد والمجددون في الإسلام

 

 

تمهيد:

الدين هو الدين والمجددون لن يأتوا بدين جديد حالهم كحال الكتاب والأدباء لم يأتوا بمصطلحات لغوية جديدة ولكنهم أبدعوا بطرق طرحهم وكانوا مختلفين في أسلوبهم عمن سبقوهم فالمكتبات مليئة بالكتب وعدد بسيط منها الذي يعتبر مميزا مع أن كل الكتب الجيدة والرديئة لا تحمل بين طياتها إلا كلمات كان مصدرها القاموس اللغوي فما الذي ميزها عن غيرها إلا طريقة ترتيب الكلمات وانتقاء الألفاظ والتشبيهات وطرح الأمثال؟؟ .... بدأت بهذا المثال لأوضح شبهة قد يقع فيها أكثر السامعين لكلمة التجديد في الإسلام ولأبين أن القاموس الذي استعان به الكتاب واحد وبناءا على هذا فإن التجديد في الإسلام لن يخرج مصدره عن شرائع الدين الإسلامي التي لم تتغير منذ أن بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم الرسالة ونزل قوله تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا" حيث ان هناك أمورا لا تقبل التغيير ولا التبديل فيما يتعلق بالعقائد من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لأنها ثوابت ومسلمات، فلا يظن أحد منكم أن كلمة تجديد قد ترتبط بتغير الإسلام وتشريعاته لكي يتماشى مع عصرنا، ولكن الإسلام لكن زمان ومكان والمروجون لتلك المقولة لا يريدون إلا أن يأطروا الإسلام ليتناسب مع أهوائهم لا أكثر.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) رواه أبو داوود و وأجمع على صحته كل من: الألباني والزرقاني والسيوطي والعراقي والبيهقي وابن حجر والحافظ الذهبي والسخاوي والنووي ( وذكرت كل أولئك لأن بعض الطوائف تضعف هذا الحديث وتطعن في صحته). وفي هذا الحديث نرى وعدا وبشارة من الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيظهر من يجدد أمر هذا الدين على رأس كل مئة سنة، ولماذا كل مئة سنة تحديدا؟؟ أعتقد أن أي حزب أو دين إن استمرعلى ثبات معين دون تجديد وتذكير لمدة مئة سنة تمله الناس وتترك تعاليمه فإما أن يأتي من يجدده ويذكر أهله بما نسوه وإما أن ينهار وهذا ينطبق بنظري على الأحزاب أكثر ما ينطبق على الأديان لعظم تمسك الناس بها ووجود من يجددها دائما.

- كما جاء في الحديث على رأس كل مئة عام : المراد برأس المائة هو آخرها لا أولها أي أن يكون العالم حيا قبل اكتمال المئة ويموت بعد تمامها حسب التاريخ الهجري بالطبع ومن هذا التفسير المصطلحي للحديث فهذا يعني أنه لا يشترط مرور مئة عام حتى يظهر من يجدد فيها، فإن كان متوسط عمر الإنسان المسلم بين الستين والسبعين فهذا يعني أن التجديد سيأخذ مجرى دائرة مستمرة لا تنقطع، فلا يموت مجددا إلا ويخلفه مجدد آخر

ما المقصود بالتجديد في هذا الحديث ؟

يشابه المعنى هنا معنى حديث آخر يشتبه معناه عند كثير من المسلمين ألا وهو "من أحيا سنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" إذ يظن البعض أن إحياء السنة يعني اختراعها و يتداخل عند البعض اختراع البدعة الحسنة على أنها السنة المقصودة بالحديث السابق ولكن كما قال صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة وكل تفيد الشمول ولا حاجة للإلتفاف حول النص لأنه واضح وصريح ... 

إن معنى إحياء السنة في الحديث السابق هو إعادة تطبيق سنة موجودة في الأصل ( على اتفاقنا السابق أن الإسلام كامل) ومن ثم إعادة تطبيقها وتوعية الناس بها حتى يفعلوها من جديد وقد تكون هذه السنة اختفت من نشاطات المسلم اليومية لعدة أسباب منها العادات والتقاليد ومنها الجهل بأمور الدين ومنها التساهل بالسنن وعدم الإهتمام بأدائها ولسن بصدد التحدث عن هذا الآن

...

ما هو التجديد في الإٍسلام؟

التجديد : يكون  إما بإحياء سنة اندثرت مع الزمن وإما بإبراء العمل من البدع التي اختلطت به وإظهار الحق على أهل الباطل والقول والعمل بأمر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتكذيب كل من كذب على رسول الله.

وقد يعني التبحر والإضافة فيما غفل عن معناه السابقون كبعض آيات القرآن التي لا يتم تفسيرها الآن إلا بظواهر وثوابت علمية غريبة لم يكن يفقها السابقون أو الذي لم يخوضوا فيه كالحاجة إلى أحكام فقيه لأشياء لم تكن موجودة في السابق ولم يفتي بها أحد من قبل أو عملية توحيد المذاهب الأربعة في مذهب واحد يتم به إنكار كل الأخطاء الموجودة ضمن المذاهب الأربعة في محاولة إلى تقريب أهل السنة والجماعة من بعضهم وسبل التجديد كثيرة ويمكن أن تكون في طرق النقل ويمكن أن تكون في طرق الطرح ويمكن أن تكون في طرق التوصيل. 

‏بالنهاية أنا أرى أن باستطاعة كبار المفكرين والعلماء أن يضعوا منهجا للتجديد في الإسلام ويضعوا نقاطا ومجالا محددة بحاجة إلى تجديد وبهذا يضعوا أمام طلاب العلم الشرعي أهدافا واضحة تساعدهم في إفادة الأمة بدلا من الإستنزاف الحاصل للجهود في غير أوجهها فأنا أرى أنا ثمانين بالمئة من الجهود البحثية المبذولة تذهب في أمور محسومة لا داعي للخوض بها والبحث بها والعشرين بالمئة الباقون هم من يجددون وقد قام بعض العلماء بالخطوات الأولى في وضع هذا المنهج جزاهم الله خيرا ولكننا نحتاج إلى المزيد من الجهد

.

- صفات المجددين:

يتصف المجدد باختصار شديد بأنه يجب أن يكون من أهل السنة و الجماعة و أن الرحال تشد إليه لطلب العلم منه و أنه يسعى دائما لأحياء السنة من خلال مجالسه ودروسه وأن يكون جامعا لكل فن كالقرآن وتفسيره والحديث ومصطلح الحديث والفقه وأصوله واللغة العربية والتاريخ الإسلامي وأن يعم علمه أهل زمانه لا يغتر بمنصب ولا جاه هدفه نشر الدين طاهرا نقيا كما أنزل يؤمن بصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان ومجال ويؤمن بشموليته لكل مجالات الحياة ، ويضيف بعض العلماء شرطا أن يكون هذا الرجل من أل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشهدين بـحديث ضعفه الكثير من المحدثين : من طريق حميد بن زنجويه : سمعت أحمد بن حنبل يقول : يُروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يَمُن على أهل دينه في رأس كل مئة سنةٍ برجلٍ من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم) وسنده صحيح إلى الإمام أحمد , وقال السبكي في الطبقات 1/199 ( وهذا ثابت عن الإمام أحمد)

ذكر في  كتاب منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل  عن هذا الحديث : لكن متنه فيه نكارة , إذ حصر المجدد في رجل واحد , وأن يكون من أهل البيت , هذا مع ضعف إسناده , لجهالتنا بالإسناد فيما فوق الإمام أحمد , نقول هذا – وإن كان الظاهر احتجاج أحمد به - , لأنه لا يجوز نسبةُ حديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد ثبوت صحة الإسناد إليه صلى الله عليه وسلم لدينا , وهذا غيرُ متوفرٍ لنا في مثل هذا اللفظ للحديث , وقد علمت أن الذي ثبت لدينا بالإسناد الصحيح هو اللفظ السابق (يقصد الحديث الذي لا يشترط أن يكون المجدد من أهل البيت)

فإذا نظرنا إلى هذه المواصفات وجدنا أن بعضا من العلماء السابقون والمعاصرون تنطبق عليهم هذه الصفات.

يقول السيوطي رحمه الله:

لقد أتى في خبر مشـتهر :. رواه كل عالم معــتـبر

بأنه في رأس كل مائــة :. يبعث ربنا لهذى الأمــةِ

مَنّاً عليها عالما يُجـّـدّدُ :. دين الهدى لأنه مجــتهدُ

ويرجوا السيوطي من الله في نهاية قصيدته أن يكون المجدد للمئة الهجرية التاسعة في بيته:

وقد رجوت أنني المجدد :. فيها بفضل الله ليس يجحد

 

 -التجديد مهمة جماعية لا فردية:

ليس بالضرورة أن يكون المجدد فردا واحدا بل يمكن أن يكونوا مجموعة كما نوه ابن حجر إلى ذلك في توالي التأسيس وكذلك في فتح الباري ويستشهد العلماء بحديث ثوبان أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) رواه مسلم

.

هل تم تحديد المجددين بعينهم ؟

لقد تم تبيين أسماء المجددين السابقين واللاحقين من قبل بعض العلماء ولكن ليس بالضرورة أن تكون عملية تصنيفهم صحيحة, ومن ضمن تلك التصانيف تصنيف السيوطي في أرجوزة سماها ( تحفة المهتدين بأخبار المجددين) ولا أدري إن كان هناك أحد من المعاصرين ممن حاول جمع أولئك المجددين منذ عهد الخلفاء الراشدين إلى يومنا هذا !!؟؟ جمعت لكم بعضا من أسماء المجددين نقلا عن من جمعوهم من القدامي وكان أكثر ما اتفق العلماء على أنه مجدد هو ماجاء على أن أول المجددين هو عمر بن عبدالعزيز رحمه الله للمائة الهجرية الأولى والثاني هو محمد بن ادريس الشافعي للمائة الهجرية الثانية وذكرت هذا لأبراء ذمتي ممن سأذكرهم الآن و الذين اختلف العلماء على أنهم مجددون أم لا وقد جمعت أكثر هذه الأراء من كتاب عون المعبود في شرح سنن أبي داود:

رأس المائة الأولى : عمر بن عبدالعزيز و ابن شهاب الزهري والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والحسن البصري ومحمد بن سيرين ومحمد الباقر وابن سيرين وابن كثير والزهري.

وعلى رأس المائة الثانية :محمد بن إدريس الشافعي والمأمون والؤلؤي"من أصحاب أبي حنيفة" وأشهب "من أصحاب مالك" والكرخي و يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل.

وعلى رأس المائة الثالثة : النسائي والمقتدر و الطحاوي الحنفي و الخلال الحنبلي وابن سريج والأشعري.

وعلى رأس المائة الرابعة : الحاكم صاحب المستدرك والحافظ عبد الغني بن سعيد المصري والإسفراييني والقادر بالله وعبد الوهاب المالكي والحسين الحنبلي والباقلاني وابن فورك والثوري.

وعلى رأس المائة الخامسة : الغزالي.

وعلى رأس المائة السادسة : ابن تيمية و الإمام الرازي ، والرافعي.

وعلى رأس المائة السابعة: ابن دقيق العيد.

وعلى رأس المائة الثامنة: البلقيني أو حافظ الأنام زين الدين.

واستمرت بعض التصنيفات إلى رأس السنة الرابعة عشرة ولكني فضلت التوقف عند الثامنة .. وأود الإضافة أنه ورد أن آخر المجددين في الإسلام سيكون المهدي المنتظر.

ولا أستطيع أنا أختار بعض الأسماء ليكونوا من المجددين فسيتدخل في اختياري الكثير من العوامل السياسية والطائفية لذلك أفضل النقل عن التحدث بلساني وأنقل لكم ما قاله الشيخ العلامة عبدالرحمن الباني أطال الله في عمره في أحد دروسه عندما تحدث عن المجددين في هذا العصر وذكر منهم ( المحدث محمدناصر الدين الألباني رحمه الله وذكر الشيخ ابن باز رحمه الله وذكر المفكر حسن البنا رحمه الله) انتهى حديثه

- إذا سائلنا أنفسنا لماذا أجمع العلماء على أن الشافعي هو المجدد في المئة الهجرية الثانية؟

فنقول أنه أبدع علم أصول الفقه وصنفه في كتابه الرسالة وهو بهذا لم يفيد الإسلام فحسب بل قامت الكثير من الحضارات الأخرى بتعلم طريقة النهج والإثبات والترتيب من خلال طريقة الشافعي في أصول الفقه فأخذوا يفعلوا ما فعله مع كل فروع العلم الأخرى، ليكون علم أصول الفقه إضافة إلى علم مصطلح الحديث علمان يتميز بهما المسلمون عن باقي الحضارات والديانات، وهذا ما أعرفه عنه وأنا متأكد أن هناك أشياء كثيرة يمكن أن يكون لها السبب في جعل العلماء يتفقون على أنه إمام مجدد للمائة سنة الهجرية الأولى

.

- الخاتمة:

يسألني أحد الأصدقاء بكل جدية: لماذا لا يقوم خطباء المساجد باستخدام البروجيكتر "جهاز عرض" في عرض خطبهم ؟؟! فما وجدت جوابا ولا وجدت مانعا لطلبه، وهذا إن حصل فهو تطبيق لأحد أنواع التجديد في عملية الإلقاء والخطاب الإسلامي، فإن كانت هذه الطريقة تستقطب الكثير من الشباب وتزيد نسبة التركيز في الخطبة والإنصات فما المانع من استخدامها؟ طبعا أنا لا أحصر التجديد في مثل هذه الأمور ولكني أحببت أن أختم بها مقالي.

هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد و على آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة