البلادة الفكرية

 

مرض خطير أنتشر في الأوساط الإسلامية لعدة أسباب وشكل انتشاره خمولا في التفكير وانحدارا في المنطق والعقل، لاحظت أن أعراض هذا المرض بدأت بالتسلسل إلى منظومتي بعد أن طال غيابي عن أوفى الأصدقاء " الكتاب" بسبب انشغالي في نصفي الآخر"مشروع الزواج " فبدأ عقلي بالضمور وبدأ فكري بالتبلد وهو إن حاولت تشبيهه بشئ من الطبيعة فيمكنني أن أقول إن العلم والفكر كالماء الذي يسري بالجداول يبقى يهدر طالما لم يتوقف منبعه أو لم تتوقف الأمطار عن النزول ... فإذا انقطعت تلك المصادر جف ذلك الجدول ومات كل شئ حوله مع مرور الوقت ... ستلاحظون في نهاية قرائتكم للمقال أن أكثر من 90 % من الشعب العربي مصاب بهذا المرض.

من أعراض هذا المرض:

-          المصاب بهذا المرض يفضل البقاء بعيدا عن ما يشغل فكره ويأخذ جهدا تحليليا منه.

-          يخاف من كل جديد ويفضل أن يبقى كل شئ على حاله وهو العدو الأول للإبداع والإبتكار.

-          دوائر اهتمامه الفكرية ضيقة جدا وتكاد لا تتجاوز إلا دائرة الحصول على ما يسد أنين البطن.

-          ليس لديه مشكلة في أن يعيش بروتين قاتل لعشرين سنه ويميل فكره بالإبتعاد عن تحسين الأوضاع من حوله اتجاه نفسه ووطنه ودينه ويموت ضميره مع الوقت ويتبلد إحساسه.

الفايروسات المسببة:

- إن الوضع العام في الدول العربية و الإسلامية مخز فكثير من الفيروسات المسببة للمرض قد تشكلت بسبب الأوضاع المحيطة بنا وبسبب ردات الفعل على مستوى الحكومات وأنا لا أتدخل في السياسة الآن ولكن سأضرب مثالين ..

1- قضية فلسطين ... عندما احتلوا الأرض المقدسة فلسطين كانت النساء تبكي في بيوتها عندما تسمع الأخبار من ذلك الراديو القديم وكانت الرجال في بلاد الشام تجهز السلاح والطعام وتشد الرحال لتقوم بهجمات عشوائية على جيش المحتل أما اليوم فأصبح خبر وفاة أحد الفلسطينين عاديا جدا وربما أصبح مشهد تهديم المنزل عاديا ... نشاهد وكأن الأمر لا يعنينا ونحن إن تجردنا من إنسانيتنا ووفائنا لإخوة الإسلام فعلى الأقل لنضع بالحسبان أن مصيرنا يمكن أن يكون كمصيرهم في يوم من الأيام ، لأن الأسد عندما يرى قطيعا من الثيران قد تجمعوا بجوار بعضهم لا يتجرأ على الإقتراب منهم ولكن إن رآهم متفرقين كحالنا فسيأكلهم واحد تلو الآخر.

2- العراق وصدام حسين،عندما نرى دولة عربية تنتهك من قبل جيوش أجنبية وتجلس بها أكثر من خمس سنوات بحجة إحلال السلام ومن ثم تعدم رئيسها فمن الطبيعي جدا أن نرى بعد فترة من يطالبون برئيس السودان كمجرم حرب وهذا ما حصل مع أبي عمار رحمه الله قبل صدام دون أن ينبس أحد ببنت شفة وهذا شئ مطابق لنظرية الثيران المذكورة في المثال السابق.  

-  فيروس مطور من هذا المرض يتميز بمناعة قوية نشأ بسبب الأوضاع الإقتصادية لأن الشخص ينشغل فكره بما يحتاج إليه فإن كانت حاجته وهمومه تدور حول طعامه فلن يفكر أبدا في يوم من الأيام بأن يسد جوع فكره بدلا من جوع بطنه فهناك شئ أهم من شئ ولهذا فإن معظم الدول المتقدمة علميا وفكريا قد انتهت من حل معضلة الطعام والسكن والتعليم لدى شعبها فسمى فكرهم عن التفكير بهذه الدوائر البدائية.

-الترويج إلى تقسيم الناس إلى فئتي نخبة وعامة أو طبقة مثقفة وطبقة عامة أدى إلى مشكلة كبيرة فرغم حقيقة وجود هذه الطبقات إلا أن ذلك أدى إلى حدوث انفصال ونفور بين هاتين الطبقتين فهؤلاء ازدادوا تخلفا و النخبة ازدادوا فكرا يتيما كحال ازدياد الفقراء والأغنياء وانعدام الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية، ونحن الآن بأمس الحاجة إلى وجود طبقة فكرية وسطى بين العرب.

هل المرض معد؟

بسبب طبيعة الإنسان الإجتماعية وتأثره بالدوائر المحيطة به فإن هذا المرض معد على المدى الطويل وسريع الإنتشار ولبعض العقلاء مناعه منه بحيث لا يمكن أن يصيبهم لأنهم يميزون من هم مصابون به فيبتعدون عنهم.

هل البيئة مساعدة على استمرار الفيروس حيا؟

للأسف إن البيئة المحيطة بنا هيأت أفضل الأوساط لهذا الفيروس كي يستمر دون أن يقف شيء في وجهه وكل ذلك بسبب تطبيق بعض القرارات التي لم تصدر إلا عن تخلف لا مثيل له أو بسبب مؤثرات خارجية تحب أن ترى الناس تسبح في مجاري حماماتها وتحب أن يتم تعليمها ما هم نسوه ورموه.

مثال بسيط يوضح ما أعني .. عندما سمحت بعض وزارت التربية والتعليم باستخدام الحاسبات في الإختبارات متغافلين عن مبدأ الكم والكيف ومحتجين بأن استخدام الحاسبة سيوفر المزيد من الوقت على الطلاب لحل المزيد من المسائل لكنهم نسوا أن المهم هو الكيف ونسوا أن كيفية فهم الطالب للمادة أهم بكثير من كمية الأسئلة التي سيجيب عليها في امتحانه ... المهم سبب ذلك بلادة حسابية في عقول الكثيرين .. وكثير ممن مر في هذا القانون يواجه صعوبات كثيرة إن مر عليه مسألة حسابية تحتوي أبسط العمليات.

أنا أكره التلفاز وأكره الإعلام ولكني لا أستطيع أن أنكر أبدا قوة تأثيره على شباب الجيل الحالي ومع وجود برامج ساقطة ودخيلة و مسلسلات خليعة تعكس ثقافات بعيدة عنا أشد البعد دخل فكر الشباب في مضيق طويل ينحصر في التفكير بالجنس وبالحب وبالنجاح والغنى السريعين، فلا عتب أن يؤمن بعض الأطفال في أن الخلاعة قد تكون سببا في النجاح عندما يروا قريبا لهم أمضى 10 سنوات ما بين دراسة وتخصص ومن ثم رمي في مزبلة التاريخ بسبب عدم تقدير دولته له وبين شاب خليع لو وضع في وسط معركة من معارك الصحابة لانتحر من شدة خوفه ..  يظهر ليهز بخصره و يدندن بصوته ليصبح مشهورا وغنيا في ظرف ثلاثة شهور ... فلا حول ولا قوة إلا بالله.

هل من علاج ؟

لا يوجد شئ مستحيل ولكل داء دواء، ارتفع ضغطي وأنا أنظر حولي إلى الناس كيف تبلد فكرها وأسألهم يا جماعه ماذا حدث لكم ؟َ! لقد كنا منبعا للعلوم فلماذا اصبحنا مكبا للنفايات ... فيقولون بقلب بارد رامت عليه خدع الغربيين : يا ابني أنت تحمل الدنيا فوق همها .. طنش تعش تنتعش .. ولربما صدقوا في هذه الجمله الأخيرة.

إن السبيل الوحيد لقتل هذا المرض جذريا هو نشر الطبقة الفكرية المتوسطة بين الشباب العربي .. على أن يتبى كل شخص ممن صنفوا على أنهم من النخبة تسعة ممن صنفهم على أنهم من العامة ويحيي بهم الفكر وحب العلم وحب التغيير والتقدم لأنه بالنهاية : الكثرة قوة ومجموعة من الضعفاء "الطبقة المتوسطة" تغلب بعض الأقوياء" النخبة" وعلى معادلة عددنا كمسلمين فمليار و ستمائة مليون مسلم هم قلة لأنهم متفرقون ولكن إن اتحدوا أصبحوا قوة لا تقهر على ضعفهم وقلة عتادهم.

أكتفي بهذا القدر ولربما كان لي عودة بعد اندثار هذه النار التي تملئ صدري من الواقع المرير.  

 

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة