الببغاء في داخلنا

الأصدقاء الأعزاء

السلام عليكم،

أتلقى الكثير من مقاطع الفيديو التي لا تخلو من طرافة أو غرابة، وأنا عموماً أتجنب إعادة إرسال أكثر المرفقات كبيرة الحجم ما لم يكن في مضمونها درس يستفاد أو عبرة تتخذ، وهي المظنَّة في هذه الحالة.

ولي عندكم رجاء:  شاهدوا الملف المرفق أولاً ثم تابعوا معي التعليق في الأدنى

http://www.hayran.info/Parrot.wmv

.

.

.

.

.

 

.

.

.

بهذه السرعة عملتم داون لود للملف وشاهدتموه؟؟!!

فضلاً، عودوا فشاهدوا الملف أولاً.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

 

 

 

والآن بعد مشاهدة الملف المرفق، هل ذكركم بشيء ما؟ ... بعد قليل من التدبر والتفكر ألم يخامركم شعور داخلي بأنكم رأيتم هذا المشهد أو ما يشبهه على الأقل من قبل ... ديجافو...؟!

هذا الانتقال اللافت المتميز باليسر والسهولة من "حبيبي" إلى سورة الإخلاص إلى الصلاة والسلام على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم إلى "بابا فين بابا هو هنا هو" إلى "لولولولولولولوليش"... يرسم ظلالاً لمعالم شخصية نمطية أصبحت منتشرة على نطاق واسع بين المسلمين.  أولئك يمارسون إسلامهم ممارسة هي أقرب للترديد الببغائي المتكئ على الألفاظ والمتشبث بها في غفلة شبه تامة عن المعاني والاستحقاقات لهذه الألفاظ.

لعل في الكلام بعض المبالغة والجَوْر.

ربما!

ولكن فلنتمعن في المشهد قليلاً ..  هذه السيولة والسلاسة والانسيابية والأريحية البالغة في التحول والتجول والارتحال بين عبارات متفاوتة الوزن والمحتوى والقيمة والدلالة دون أية حواجز أو معوقات أو مقدمات أو تغيرات حتى في نبرة الصوت وإيقاع الكلمات حتى لكأنها تستوي جميعاً من حيث الأهمية والحيز الذي يجب أن تحتله في الضمير والوجدان والزمان والمكان ... أليست هذه سمات طاغية أصبحت تطبع كثيراً من سلوك مسلمي اليوم؟

ألم يمسي إسلامنا عبارة عن "معلبات" متنوعة: شعارات تكرر ولازمات تردد ولافتات ترفع على طريقة "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون" دون تفكر أو تدبر أو تبصر، يشمل ذلك خليطاً غير متجانس مما ورثناه عن الآباء من العبادات والعادات، الدين والعرف، الأحكام الشرعية والتقاليد الاجتماعية، السنة والبدعة، الحقيقة والخرافة، العصبيات العرقية والمذهبية والصور النمطية التعميمية والاختزالية؟

كلام نظري حتى الآن، فلنضرب مثالاً عملياً.

رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول "من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو فقد مات على شعبة من النفاق" ويقول في حديث آخر "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا" ويقول أيضاً "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى" هو نفسه الذي نصلي ونسلم عليه آلاف الصلوات على مدار الساعة فماذا لو أتيحت لأحدنا الفرصة لوضع جميع هذه الأحاديث موضع التطبيق مرة واحدة؟

بأقل من ثلاثمئة دولار في الشهر مثلاً، أنت تستطيع أن تقيم أود أسرة فلسطينية فقدت معيلها جراء الاعتقال أو العجز الدائم الناشئ عن إصابة بالغة أو الشهادة في سبيل الله.  هذه الأسر تضاعف عددها مؤخراً بانضمام آلاف جديدة من الشهداء والجرحى والمعتقلين خلفها العدوان الوحشي الأخير على غزة.  هذا إضافة إلى الأعداد الأصلية من الأسر التي كانت تعاني معاناة مرة تحت وطأة الحصار الخانق المستمر قبل وبعد العدوان.  واليوم بعد أن انقشع غبار الحرب وهدأت الضجة الإعلامية المرافقة لها وانصرف الناس إلى مشاغلهم اليومية يبرز أمام المسلم اختبار لشعاراته التي يعلنها على الداوم: أن يبادر ليضرب بسهم في دعم إخوانه الصامدين في غزة.  فهل يستجيب ويكون بذلك قد حدث نفسه بالغزو وغزا وكفل يتيماً (على الأرجح) أم يتخاذل حتى عندما تعرض له فرصة كهذه وتأتيه إلى باب داره (وهي بالمعنى الإسلامي الأصيل فرصة ثمينة فعلاً لمن هو قادر مادياً عليها من المسلمين)؟  كثيراً ما يأتيك الجواب على النحو التالي:

 

 

 

حبيبي ..... قل هو الله أحد .... ألف الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا حبيب الله .... بابا فين بابا هو هنا هو .....  لولولولولولولولوليش. 

الترجمة من الببغائية إلى العربية: حبيبي ...... نحن مؤمنون موحدون ومتأكدون أن الله سينصر إخواننا المسلمين في فلسطين فهذه حتمية في صلب عقيدتنا الإسلامية .... ونحن نحب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وحذار أن يكون في إزجاء هذا الطلب أي إشارة أو تلميح أننا مقصرون في حبه واتباعه والإكثار من الصلاة والسلام عليه .... ولكن أنت تعلم أن تكاليف المعيشة صارت باهظة هذه الأيام فإيجار المنزل وأقساط السيارة ومتطلبات العيال من غذاء ودواء وكساء وتعليم وترفيه وسفر وسياحة كثيرة وثقيلة .... وبعدين الأولاد عاوزين نزوجهم، وهذا يحتاج مصاريف حفلة الخطبة والجهاز والمولد وكتب الكتاب وهدايا المعازيم والوليمة والعرس وكله يجب أن يكون لائقاً بغلاوة أولادنا علينا وبمكانة أسرتنا الاجتماعية حتى لا تغدو سيرتنا علكة تلوكها ألسنة الناس ..... والعقبى لأولادكم إن شاء الله ... ولولولولولولولولولوليش.

ويا عجبي كيف يعلن أولئك، بنبرة ملؤها الإيمان واليقين، الولاء لله الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ثم يسلمون إخوانهم في الدين والمعتقد، وهم ينفقون شهرياً أضعاف ما يسد رمق أسرة محتاجة على مظاهر الترف ورموز المباهاة والمفاخرة، دون أن تطرف لهم عين أو يرف لهم جفن، تماماً كما ينتقل طائرنا العزيز من" قل هو الله أحد" إلى "لولولولولولوليش" في نفس واحد.  بل قد يصبح البعض أقل شأناً من الببغاء عندما يتجاوزون حدود التقلب في نعيم كماليات العادات والتقاليد على حساب أساسيات الدين والنصرة إلى مرحلة أشد خطراً وخطلاً تتمثل في الركون للذين ظلموا وإنفاق المال بغية التقرب منهم وخطب ودهم ومشاركتهم في استثماراتهم بل والاستقواء بهم أحياناً على إخوانهم عند الخصومة والنزاع!!

فلماذا لا نكف عن إطلاق الشعارات ونبادر بالعمل طاعةً وتوحيداً لله عز وجل ومحبة واتباعاً لرسوله صلى الله عليه وسلم، ونتمثل في أنفسنا قول الله سبحانه في محكم التنزيل: "اعملوا آل داود شكراً" فنحن أحوج ما نكون مع الله ورسوله إلى "اعملوا معاشر المسلمين توحيداً واعملوا طاعةً واعملوا محبةً واعملوا اتباعاً"

والمطلوب من كل واحد منا (وما أبرئ نفسي) أن يقبل على ما قال الله وقال الرسول بكل مشاعره وجوارحه وأن يحرر نفسه من جسد الببغاء الذي يلجم حركته ويحبط مبادرته ويكبل إبداعه ويضعف تأثيره ويخفف وزنه ويثبط عزيمته ويفوت عليه الفرصة بعد الفرصة لينمو روحياً ويسمو خلقياً ويرتقي دينياً في مراقي الفلاح والنجاح

ومما لا شك فيه أن تحقيق ذلك ليس تلقائياً ولا مجانياً.  فسلعة الله غالية والإقبال عليها بصدق وتجرد ينطوي على مجاهدة مستمرة للنفس الأمارة والشيطان النزّاغ والأعراف المرهقة والتقاليد المقعِدة.  وهي تحتاج إلى قدر وافر من الشجاعة الأدبية للتمرد على السائد ما دام السائد باطلاً والهجرة إلى المهجور ما دام المهجور حقاً، والخروج من نطاق الدعة المحفوف بالشهوات إلى نطاق الدعوة المحفوف بالمكاره، ومن منطقة الراحة والأمان (Comfort Zone) المضمونة العواقب حفاظاً على مكتسبات البشر إلى منطقة المجازفة والمغامرة المحتمِلة للمخاطر طمعاً في ثواب الله.

وإذا كان حمل النفس على هذا المنهج شاقاً وصعباً فإن ما يكتنفه من الفوائد على الرغم من وعورة الطريق لا ينكر أهميته عاقل أريب.  فتوطين النفس على التمرد على عادات المجتمع البالية المخالفة لمنطق الدين والعقل فيه تحصين لها من الإمعية التي تتجسد أعلى صورها في الانسياق والانسياح الأعمى وراء أجهزة الإعلام الجبارة التي تحيل المعروف منكراً والمنكر معروفاً وتعيد صياغة العقول وتعريف المفاهيم بالجملة ما يضمن تحول الجماهير إلى غثاء لا لون له ولا طعم ولا رائحة ولا شغل إلا الاستهلاك، وفيه أيضاً تخفيف من قابلية النفس للاستسلام لشيوع الخطأ والسلبية إزاء مسئولية الفرد تجاه المجتمع ودوره في الفضاء العام بدل الخضوع لإملاءات المصلحة الفردية الضيقة فقط،  وفيه تهميش لأسلوب التلقين القسري لمصلحة أسلوب التفكير النقدي الذي يسير وينظر ويتأمل ويسبر ويعرض ويقيس على معايير الشرع ولا يتلقى بالقبول لمجرد أن من حوله فعل.

وخلاصة هذا النهج هو دوام إعادة معايرة النفس عبر تعريضها لسؤال مستمر عند كل موقف يستدعي اتخاذ قرار: من الذي يقف عند دفة القيادة، الببغاء في داخلنا، وهو موجود في كل منا ولكن بأحجام متفاوتة، أم إيمان راسخ ومعتقد ثابت ينعكس على الجوارح تذليلاً للعقبات وعملاً للصالحات؟

شاهد مقطع الفيديو من جديد وامتحن نفسك ..

مع خالص تحياتي

أبو إسماعيل

  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة