الا يعتبر من يعبد الله طمعا في جنته انسانا انانيا يتبع مصلحته؟

الا يعتبر من يعبد الله طمعا في جنته انسانا انانيا يتبع مصلحته؟ واين التضحية في فعله ان كان يعبد الله طمعا بتحصيل المصلحة؟ ولماذا لا نعبد الله لأنه جدير بالعبادة فقط؟
1-                 اولا يجب تغيير ما في ذهن الناس من ذم المصلحة، لأن تحصيل المصلحة شيء مشكور ومطلوب لا بل واجب شرعا. فمقاصد الشريعة تنص على حفظ الاساسيات الخمسة الدين والنفس والعقل والعرض والمال. انما المصلحة المذمومة هي في تقديم الثانوي وتأخير الاولي  مثل تقديم مصلحة النفس على مصلحة الدين او مصلحة المال على مصلحة العرض... والعرف اليوم يستعمل كلمة مصلحة على غير مدلولها الاساسي فلا يستعملها الا للدلالة على مصلحة المال او الجاه و النفع المادي لا بل انه يفهم منها زيادة عن ذلك انها على حساب قيم الشخص . فنقول فلان "مصلحجي" أي يبيع امه واباه من اجل مصلحته ومنفعته المادية. فالفارق الاول بين هذا "المصلحجي" وبين من يعبد الله طمعا بالجنة ان الاخير لا يضر احدا بفعله بل على العكس يتقيد بقيم اخلاقية عالية للوصول الى هدفه السامي او مصلحته.
2-                 الفارق الثاني بأن الجنة وضعت بالاساس لمكافأة المطيع العابد وان النار وضعت لعقاب الكافر فكان الترهيب والترغيب ناتجا عن هذا الوضع لا منتجا له. فكأني بالسائل يريد ان يعامل المؤمن والكافر معاملة واحد مع ما في هذا الفعل من غرابة واستهجان في الفطرة الانسانية التي تعودت ان تكافىء  الانسان الناجح وتعاقب الانسان المهمل في كل امر من امور الحياة. لماذا لا ينظر السائل الى هذا الامر من هذه الزاوية : الا يستحق المؤمن ثوابا والا يستحق الكافر عقابا، بدل  ان ينظر الى الامر من ناحية كون الجنة وسيلة ترغيب والنار وسيلة ترهيب؟
3-                 الفارق الثالث هو وجود النية. فاذا قارنا الجنة بمنصب او مركز مهم يسعى اليه الانسان لوجدنا فارقا اساسيا. فالشخص الذي يسعى وراء المنصب بعمل ويكد ويجد سعيا للوصول اليه وقد يتكلف ان يظهر بمظهر النظيف الخلوق الجدي فقط ليضمن الوصول اليه ولكن في الداخل لا يملك أي من هذه المواصفات. اما الساعي الى الجنة فلا يكفيه ان يكون ظاهر اعماله متفقا مع الاخلاق الحميدة وحكم الله لأن الله مطلع على القلوب. فالذي يسعى الى الجنة فقط ويجعل من الاوامر الالهية مطية له للفوز بها دون ان يعتقد بأحقيتها ودون ان ينوي في قرارة نفسه طاعة الله لن يحصل عليها ولو عمل قدر جبل احد اعمالا ظاهرها الخير وباطنها الرياء. وللاسف هناك بعض الناس الذي يفكر بهذه الطريقة فيطلب من زوجته ان تصلي وهو لا يصلي وذلك كي تدخل البركة الى بيته وماله. وهذا قمة التناقض لأن هذا الشخص غفل عن كون الله مطلعا على نواياه وتصرف مع العبادة كوسيلة مادية محضة لتحقيق الربح المادي متناسيا بأن الوعد بالرزق لا يكون على ظاهر العمل انما على نيته كذلك.
4-                 الفارق الرابع ان عقول الناس مختلفة والله خالق البشر هو اعلم بطريقة تفكيرهم. فهو يعلم بأن ليس كل الناس سيرتدع عن فعل الشر لمجرد كون فعل الشر يغضب الله ولا يرضيه. ويعلم بأن ليس كل الناس يمتلك ايمان رابعة العدوية التي قالت انها تعبد الله لأنه جدير بالعبادة لا طمعا في الجنة. وحتى الدول المتقدمة لا تكتفي بالتوعية والتربية لضبط مجتمعاتها بل تعتمد مبدأ العقوبة لردع المعتدي الذي لا يردعه ضميره واخلاقه. فالذي يتساءل عن هدف وجود النار قد يكون مثاليا ويقيس عقلية الناس على عقليته.
5-                 ولكن حتى هذا الانسان المثالي هو انسان بالنهاية يحتاج الى دليل وحافز ملموس. فالله المثل الاعلى هل تكتفي الزوجة بحب زوجها لها ام تحتاج الى دليل ملموس يثبت هذه المحبة من كلام طيب ومداعبة وهدية؟ وبالمقابل اذا اخطأ احدهم بحقك خطأ كبيرا؟ الا تغضب وتعاتبه بشدة مهما كنت حليما؟ فالقضية في غضبك هنا ليست انفعالا خارجا عن السيطرة بل كونك تعرف انه بدون ردة فعل قوية منك فلن يشعر بشدة تأثير ما اخطأ به نحوك عليك. فلو لم يكن هناك دليل ملموس عن مدى غضب الله ورضاه (مجسدا بالجنة والنار) لما فهمنا ووعينا مقدار هذا الغضب او الرضا ولربما كنا عاملنا الحرام معاملة المكروه وتأولنا التأويلات لتبرير المعاصي.
6-                 كذلك لا نستطيع الاستهانة بعمل المؤمن للفوز بالجنة مفترضين انه كالتاجر الذي يركض وراء ربحه. فالفارق الاساسي بين الربح التجاري والجنة بأن الجنة غيبية لا تعرفها الا وصفا والربح وان كان مؤجلا فهو ملموس لأن التاجر رأى وعاش نعيم المال  والانسان كما نعلم ميال في غمرة انشغاله بالحياة الى نسيان وظيفته الاساسية فيها الا وهي عبادة الله  كما انه ميال غريزيا الى اتباع شهواته الملموسة الآنية لا الى التفكير بعاقبة فعله. ودليلنا على ذلك انغماس قسم كبير من المسلمين في شهواتهم مع ايمانهم بوجود الله وبالجنة. فلو كانت التقوى بغرض الدخول الى الجنة بهذه السهولة لكان اغلب المسلمين متقين وهو ما تنفيه وقائع الحياة. مثال آخر:هل نستطيع الاستخفاف بالاستشهادي الذي يقوم بعملية ضد العدو ونقول بأن هذه تجارة سهلة يبيع فيها دنيا فانية بأخرة باقية؟ اذا كانت الامور بهذه السهولة فلماذا نكبر الشهيد اذن ونضعه مثالا اعلى للشرف الانساني ولماذا نفكر الف مرة قبل الاقدام على هكذا عمل ؟
7-                 والنقطة الاخيرة والتي تأتي تحصيلا حاصلا للنقاط السابقة انه لا تنافي على الاطلاق بين عبادة الله طمعا في جنته وخوفا من ناره وبين عبادته لذاته. لأننا لا نعرف الله الا من خلال صفاته فالتفكر في ذاته ممنوع شرعا ومستحيل عقلا فكيف يستوعب عقلنا المحدود الذات الآلهية؟ فالمؤمن الذي يخاف النار يخاف في الحقيقة صفات الجلال عند الله وكلما كان خوفه من النار اكبر كلما كان خوفه من الله ومن غضبه اكبر. وكلما طمع في الجنة اكثر كلما احس في جنباته برحمة الله و عدله اكثر. وبالتالي فالترابط موجود بين الجنة والنار وبين صفات الله. ولا ننسى قصة هذا الصحابي الذي سأله الرسول صلى الله عليه وسلم "كيف اصبحت؟"  فأجابه اصبحت مؤمنا حقا. وكأني ارى المؤمنين يساقون الى الجنة والكفار يساقون الى النار. فهل كان ليرى الجنة والنار بهذه الوضوح لو لم يكن شديد الايمان بالله وثيق الصلة به قريبا منه.
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
0 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة