الايمان الفعال

قد يظن الانسان منا ان الاسلام سهل ولا يتطلب منه الا النطق بالشهادتين واقامة الفروض من صلوات و زكاة وحج وصيام. لكن الله لا يكتفي منا فقط بما تقوله السنتنا او تفعله جوارحنا بمقتضى العادة. بل يريد ان يرى ايماننا يتجلى ماديا من خلال تصرفاتنا. يريدنا ان نحيا كلمة لا اله الا الله بكل جوارحنا.

ان ادراك معنى لا اله الا الله الحقيقي هو التوكل على الله في كل امر وادراك انه هو الرازق الحقيقي وهو الشافي على الحقيقة وهو الناصر وهو القوي وهو الملك والمالك لكل شيء. فلا يغرنا عالم الاسباب عن خالق السبب. وقد يسهى الانسان في غمرة انغماسه بالحياة عن هذه الحقائق. فيظن ان الطبيب هو الشافي وينسى قول القرآن الكريم على لسان ابراهيم "واذا مرضت فهو يشفين". كذلك ممكن يظن ان رئيسه في العمل هو ولي نعمته وينسى ان الرب هو الرازق. "قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" وممكن يظن ان قوته الذاتية هي التي نصرته " قال إنما أوتيته على علم عندي" وينسى قوله تعالى "وما رميت اذ رميت ولكن لله رمى"
وهناك مثال دائما ما اعطيه في هكذا مناسبة: مثال لاعب السيرك الذي حمل على ظهره كيسا من التراب واجتاز به حبلا وضع على ارتفاع مسافة عالية. فلما وصل الى بغيته صفق له الناس كثيرا فسأل احد المشجعين: هل تؤمن اني استطيع فعل هذا ثانية؟ اجاب الشاب بحماسة " بالطبع.." فطلب منه البهلوان ان يصعد على ظهره بدلا من كيس التراب.. وطبعا هذه تصبح مسألة اخرى. هذا مثال واضح على كون الايمان الحقيقي والايمان الحار هو الذي يدفعك ان تخاطر بنفسك وبحياتك من اجل هذا الايمان.
اذن لا يكتفي الله من عباده بالتسليم لسانيا بصفاته بل يطلب منهم ان يطبقوا الايمان بها في كل حال. ويبتليهم بمواقف تمتحن قوة ايمانهم الفعلي بهذه الامور. لذلك نرى ان رب العالمين لم يبالي بأن يترك المسلمين ينهزمون لمجرد انهم اعتمدوا على قوتهم الذاتية يوم حنين حينما قالوا "لا نغلب اليوم من قلة". " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين" فكيف بنا اليوم ونحن نعتمد على كثرة الكفار لننتصر. هل سننتصر حقا؟
ومن المواقف التي تتجلى فيها غيرة الله على عباده المخلصين من ان يتكلوا على غيره ما ورد عن سيدنا يوسف عليه السلام انه اتكل على الساقي ليخرجه من السجن ونسي ان يتوكل على الله ويلجأ اليه فلبث في السجن بضع سنين. " وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين" ايضامن المواقف التي تتجلى فيها معاتبة الله تعالى لعباده المخلصين اذا غفلوا عن التوكل عليه انه لما سأل اليهود نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن الروح وعن اهل الكهف قال "غدا اخبركم" ونسي ان يقول ان شاء الله فتأخر الوحي عليه خمسة عشر يوما واهتزت الدعوة يومها.. وتضايق الرسول نفسيا بشكل كبير لأن بعض الناس بدأ يشك بنبوته وبعضهم كفر والعياذ بالله. ثم جاء الجواب بعد خمسة عشر يوما على اسئلتهم ونزل التنبيه الالهي " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله"
وتبقى اللطيفة الاخيرة ان الله يعطي بلا حساب حينما يتوكل العبد عليه ويوكله الى عالم الاسباب حينما يركن العبد اليه فسيدتنا مريم كان يأتيها رزقها بلا تعب ولا نصب حينما كانت تتوكل على الله بيقين "  كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" لكنها لما سألت الملائكة كيف يرزقها الله طفلا بدون ان يمسها رجل ادخلت نفسها في عالم الاسباب ونست ما كانت تقول من كون الله يرزق بغير حساب فاصبح علياه ان تحصل رزقها بتعب منها ومن هنا قال القرآن الكريم " وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا"
 
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
1 : مجموع الأصوات

مقالات مماثلة